اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم السبت 6 ربيع الأول 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

الجنة

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
علوم الحديث
جامع العلوم و الحكم
تتمة الحديث الثاني:حديث جبريل عليه السلام
تتمة الحديث الثاني:حديث جبريل عليه السلام
الكتب العلمية

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن تري الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبث مليا ثم قال يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.‏

رواه مسلم‏‏.‏

فصل

وأما الإحسان فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع تارة مقرونا بالإيمان وتارة مقرونا بالإسلام وتارة مقرونا بالتقوى أو بالعمل الصالح فالمقرون بالإيمان كقوله تعالى ‏{‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ المائدة وكقوله تعالى ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً‏}‏ الكهف والمقرون بالإسلام كقوله تعالى ‏{‏بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ‏}‏ البقرة وكقوله تعالى ‏{‏وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ‏}‏ لقمان الآية والمقرون بالتقوى كقوله تعالى ‏{‏لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ‏}‏ يونس‏.‏

قد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان ولأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الله الكفار في الآخرة إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة، وقوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه الخ يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة وهو استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم كما جاء في رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن تخشى الله كأنك تراه ويوجب أيضًا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها وقد وصى النبي جماعة من الصحابة بهذه الوصية كما روى إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن أبي ذر رضي الله عنه قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أخشى الله كأني أراه فإن لم أكن أراه فإنه يراني وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال اعبد الله كأنك تراه وخرجه النسائي من حديث زيد ابن أرقم مرفوعًا وموقوفا كن كأنك ترى الله فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏.‏

وخرج الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلًا قال يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزا فقال صل صلاة مودع فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك‏.‏

وفي حديث حارثة المشهور وقد روي من وجوه مرسلة وروي متصلا والمرسل أصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا حارثة كيف أصبحت قال أصبحت مؤمنا حقا قال انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة قال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها قال أبصرت فالزم عبدٌ نور الله الإيمان في قلبه‏.‏

وروي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلًا فقال له استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك‏.‏

ويروى من وجه آخر مرسلًا استحي من ربك ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا فقال الله أحق أن يستحيا منه‏.‏

ووصى أبو الدرداء رجلًا فقال له اعبد الله كأنك تراه وخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف فلم يجبه ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا أخرجه أبو نعيم وغيره‏.‏

قوله صلى الله عليه وسلم فإن لم تكن تراه فإنه يراك قيل إنه تعليل للأول فإنك العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق ذلك عليه فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره ولا يخفى عليه شيء من أمره فإذا تحقق هذا المقام سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني وهو دوام التحقيق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه‏.‏

وقيل بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله تعالى كأنه يراه فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه فليستحي من نظره إليه‏.‏

كما قال بعض العارفين اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك‏.‏

وقال بعضهم خف الله على قدر قدرته عليك واستحي من الله على قدر قربه منك‏.‏

وقال بعض العارفين من السلف من عمل لله على المشاهدة فهو عارف ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص فيه إشارة إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما‏.‏

أحدهما‏:‏ مقام الإخلاص وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل‏.‏

والثاني‏:‏ مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصبر الغيب كالعبادة وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام ويتفاوت أهل هذه المقامات فيه بحسب قوة نفوذ البصائر‏.‏

وقد فسر طائفة من العماء المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ‏}‏ الروم بهذا المعنى ومثل قوله تعالى ‏{‏اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ‏}‏ النور‏.‏

والمراد مثل نوره في قلب المؤمن كذا قال أبي بن كعب وغيره من السلف وقد سبق حديث أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت، وحديث ما تزكية المرء نفسه قال أن يعلم أن الله معه حيث كان‏.‏

وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة في ظل الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله رجل حيث توجه علم أن الله معه وذكر الحديث وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ‏}‏ الحديد، وقوله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، وقوله ‏{‏مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا‏}‏ المجادلة، وقوله ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ‏}‏ يونس، وقوله ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ ق، وقوله ‏{‏وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ‏}‏ النساء‏.‏

وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة‏.‏

وقوله إن الله قِبل وجهه إذا صلى، وقوله إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت، وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وفي رواية وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏.‏

وفي رواية هو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد، وقوله كما يقول الله عز وجل أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه، وقوله يقول الله عز وجل أنا مع ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب منى شبرًا تقربت منه ذراعًا وإن تقرب منى ذراعًا تقربت منه باعًا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة‏.‏

ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أُتى من جهله وسوء فهمه عن الله عز وجل وعن رسوله‏.‏

والله ورسوله بريئان من ذلك كله فسبحان من ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏}‏‏.‏

قال بكر المزني‏:‏ من مثلك يا ابن آدم خلي بينك وبين المحراب وبين الماء كلما شئت دخلت على الله عز وجل ليس بينك وبينه ترجمان‏.‏

ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكر الله وعبادته أستأنس بالله واستوحش من خلقه ضرورة‏.‏

قال ثور ابن يزيد‏:‏ قرأت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام قال يا معشر الحواريين كلموا الله عز وجل كثيرًا وكلموا الناس قليلًا قالوا كيف نكلم الله كثيرًا قال ادخلوا بمناجاته اخلوا بدعائه خرجه أبو نعيم‏.‏

وخرج أيضًا بإسناده عن رباح قال كان رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أقعد من رجليه فكان يصلي جالسًا كل ليلة ألف ركعة فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ويقول عجبت للخليقة كيف أنست بسواك بل عجبت للخليقة كيف أستأنست قلوبها بذكر سواك‏.‏

وقال أبو أسامة‏:‏ دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض فقلت‏:‏ كأنك تكره أن تؤتى قال أجل فقلت أو ما تستوحش قال كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني‏.‏

وقيل لمالك بن مغفل وهو جالس في بيته وحده ألا تستوحش قال أو يستوحش مع الله أحد‏.‏

وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه ومن لم يأنس بك فلا أنس‏.‏

وقال غزوان إنى أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي‏.‏

وقال مسلم بن يسار ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل‏.‏

وقال مسلم بن عابد لولا الجماعة ما خرجت من بابي أبدًا حتى أموت‏.‏

وقال ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم ولا أحسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ في قلوبهم من النظر إليه ثم غشي عليه‏.‏

وعن إبراهيم بن أدهم قال أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجوا إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئًا فإذا كنت كذلك لم تنل في بر كنت أو في بحر أو في سهل أو في جبل، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد وشوق الجائع إلى الطعام الطيب ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب عند العطشان في اليوم الصائف‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه‏.‏

وقال أبو سليمان لا آنسني الله إلا به أبدًا وقال معروف لرجل توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك‏.‏

وقال ذو النون من علامات المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه ثم قال إذا سكن القلب حب الله تعالى أنس بالله لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه‏.

وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدًا وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم على أن جميع العلوم والمعارف يرجع إلى هذا الحديث ويدخل تحته وأن جميع العلماء من فرق هذه الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث وما دل عليه مجملا ومفصلا فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام ويضيفونه إلى ذلك الكلام في أحكام الأموال والأبضاع والدماء وكل ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه ويبقى كثير من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم ولا يتكلمون على معنى الشهادتين وهما أصل الإسلام كله والذين يتكلمون على أصول الديانات يتكلمون على الشهادتين وعلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر والذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإحسان وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضًا كالخشية والمحبة والتوكل والرضا والصبر ونحو ذلك فانحصرت العلوم الشرعية التي يتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث ورجعت كلها إليه ففي هذا الحديث وحده كفاية ولله الحمد والمنة‏.‏

وبقي الكلام على ذكر الساعة من الحديث فقول جبريل عليه السلام أخبرني عن الساعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما المسئول عنها بأعلم من السائل يعني أن علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء وهذه إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها ولهذا جاء أن العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول لا أعلمه وأن ذا لا ينقصه شيئًا بل هو من ورعه ودينه لأن فوق كل ذي علم عليم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ‏}‏ لقمان، وقوله عز وجل ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً‏}‏ الآية‏.‏

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا هذه الآية ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ‏}‏ الآية‏.‏

وخرجه الإمام أحمد ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة‏.‏

وخرج أيضًا بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس إن الله عنده علم الساعة الآية‏.‏

فقوله فأخبرني عن أمارتها يعني عن علاماتها التي تدل على اقترابها وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالسأحدثك عن أشراطها وهي علاماتها أيضًا وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للساعة علامتين‏:‏

الأولى‏:‏ أن تلد الأمة ربتها والمراد بربتها سيدتها ومالكتها وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ربها وهذه إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري وتكثر أولادهن فتكون الأمة رقيقة لسيدها وأولاده منه بمنزلته فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها‏.‏

وذكر الخطابي أنه استدل بذلك من يقول إن أم الولد إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده وإنها تنتقل إلى أولادها بالميراث فتعتق عليهم وإنها قبل موت سيدها تباع قال وفي هذا الاستدلال نظر‏.‏

قلت قد استدل بعضهم به على عكس ذلك وأن أم الولد لا تباع وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال لأنه جعل ولد الأمة ربها فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبا إليه لأنه سبب عتقها فصار كأنه مولاها‏.‏

وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم ولده مارية لما ولدت إبراهيم عليه السلام أعتقها ولدها‏.‏

وقد استدل بهذا الإمام أحمد رضي الله عنه فإنه قال في رواية محمد بن الحكم عنه تلد الأمة ربتها تكثر أمهات الأولاد يقول إذا ولدت فقد عتقت لولدها وقال فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يبعن‏.‏

وقد فسر قوله تلد الأمة ربتها بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها وهي جاهلة بأنها أمها وقد وقع هذا في الإسلام وقيل معناه أن الإماء تلدن الملوك‏.‏

وقال وكيع معناه تلد العجم العرب والعرب ملوك العجم وأرباب لهم‏.‏

والعلامة الثانية‏:‏ أن ترى الحفاة العراة العالة والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى ‏{‏وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى‏}‏‏.‏

وقوله رعاء الشاء يتطاولون في البنيان هكذا في حديث عمر رضي الله عنه‏.‏

والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه‏.‏

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ذكر ثلاث علامات منها أن تكون الحفاة العراة رؤساء الناس ومنها أن يتطاول رعاة البهم في البنيان وروى هذا الحديث عبدالله بن عطاء عن عبدالله بن بريدة فقال فيه وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان ملوك الناس قال فقام رجل فانطلق فقلنا يا رسول الله من هؤلاء الذين نعت قال هم العريب‏.‏

وكذا روى هذا الحديث بهذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر وأما الألفاظ الأولى فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناه، وقوله الصم البكم العمي إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم وفي هذا المعنى أحاديث متعددة‏.‏

فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنقضي الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع‏.‏

وخرج الطبراني من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يغلب على الدنيا لكع بن لكع‏.‏

وخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بين يدي الساعة سنون خداعة يتهم فيها الأمين ويؤتمن فيها المتهم وينطق فيها الرويبضة قالوا وما الرويبضة قال السفيه ينطق في أمر العامة وفي رواية الفاسق يتكلم في أمر العامة وفي رواية الإمام أحمد إن بين يدي الدجال سنين خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤمن فيها الخائن وذكر بقيته ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيرا عائلا فصار ملكا على الناس سواء كان ملكه عامًا أو خاصا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطى الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال فقد قال بعض السلف لأن تمد يدك إلى فم التنين فيقضمها خير لك من أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر وإذا كان مع هذا جاهلا جافيا فسد بذلك الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم بل همته في جباية المال وإكثاره ولا يبالي بما أفسد من دين الناس ولا بمن أضاع من أهل حاجاتهم وقال في حديث آخر لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها وإذا كان ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب وكذب الصادق وائتمن الخائن وخون الأمين وتكلم الجاهل وسكت العالم أو عدم بالكلية كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل وأخبر أنه يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقال الشعبي لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا والجهل علمًا وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور وفي صحيح الحاكم عن عبدالله بن عمرو مرفوعًا إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار وفي قوله يتطاولون في البنيان دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البناء معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بل كان بنيانهم قصيرا بقدر الحاجة روى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان خرجه البخاري‏.‏

وخرج أبو داود من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة مشرفة فقال ما هذه قالوا هذه لفلان رجل من الأنصار فجاء صاحبها فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه فعل ذلك مرارا فهدمها الرجل وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضًا وعنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم كل بناء وأشار بيده هكذا على رأسه أكثر من هذا فهو وبال وقال في حديث ابن السائب عن الحسن كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي وروى عن عمر رضي الله عنه أنه كتب لا تطيلوا بناءكم فإنه شر أيامكم وقال يزيد بن أبي زياد قال حذيفة رضي الله عنه لسلمان ألا تبني لك مسكنا يا أبا عبدالله قال لم تجعلني ملكا قال لا ولكن تبني لك بيتًا من قصب وتسقفه بالبواري إذا قمت كاد أن يمس رأسك وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك قال كأنك كنت في نفسي وعن عمار بن أبي عمار قال إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين خرجه كله ابن أبي الدنيا وقال يعقوب بن أبي شيبة في مسنده قال بلغني عن ابن أبي عائشة قال حدثنا ابن أبي شميل قال نزل المسلمون حول المسجد يعني بالبصرة في أخبية الشعر ففشا فيهم السرق فكتبوا إلى عمر فأذن لهم في اليراع فبنوا بالقصب فقشا فيهم الحريق فكتبوا إلى عمر فأذن لهم في المدر ونهي أن يرفع الرجل سمكه أكثر من سبعة أذرع وقال إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد قال ابن أبي عائشة، وكان عتبة بن غزوان بنى مسجد البصرة بالقصب وقال من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لبن ومن صلى فيه وهو من لبن أفضل ممن صلى فيه وهو من اجر‏.‏

وخرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أراكم تشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها وكما شرفت النصارى بيعها وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن رضي الله عنه قال لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قال ابنوه عريشا كعريش موسى عليه السلام قيل للحسن وما عريش موسى قال إذا رفع يده بلغ العريش يعني السقف‏.‏

عودة الى بداية الحديث الثاني: حديث جبريل عليه السلام


عدد المشاهدات *:
12813
عدد مرات التنزيل *:
103191
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 09/05/2007 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 09/05/2007

الكتب العلمية

روابط تنزيل : تتمة الحديث الثاني:حديث جبريل عليه السلام
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  تتمة الحديث الثاني:حديث  جبريل عليه السلام  لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية