باب صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 11
 
بأنه عبر بالمحبة، ولو كان ذلك لعبر بالوجوب. وعلى التسليم ففي نفس الحديث أنه رجع عن ذلك آخرا والله أعلم. الحديث السادس عشر: حديث عبد الله بن عمرو أي ابن العاص. قوله: "عن أبي حمزة" هو السكري، والإسناد كله كوفيون سوى طرفيه وقد دخلاها. قوله: "عن عبد الله بن عمرو" أي ابن العاص، في رواية مسلم عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش بسنده "دخلنا على عبد الله بن عمرو حين قدم مع معاوية الكوفة فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال". قوله: "فاحشا ولا متفحشا" أي ناطقا بالفحش، وهو الزيادة على الحد في الكلام السيئ، والمتفحش المتكلف لذلك أي لم يكن له الفحش خلقا ولا مكتسبا، ووقع عند الترمذي من طريق أبي عبد الله الجدلي قال: "سألت عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يحزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح" وتقدمت هذه الزيادة في حديث عبد الله بن عمرو من وجه آخر بأتم من هذا السياق، ويأتي في تفسير سورة الفتح، وقد روى المصنف في الأدب من حديث أنس "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا فحاشا ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له تربت جبينه" ولأحمد من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه" ولأبي داود من حديث عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون". قوله: "وكان يقول" أي النبي صلى الله عليه وسلم. ووقع في رواية مسلم: "قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقا " في رواية مسلم: "أحاسنكم" وحسن الخلق: اختيار الفضائل، وترك الرذائل. وقد أخرج أحمد من حديث أبي هريرة رفعه: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" وأخرجه البزار من هذا الوجه بلفظ: "مكارم" بدل "صالح" وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن صفية بنت حيي قالت: "ما رأيت أحدا أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعند مسلم من حديث عائشة "كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه". الحديث السابع عشر: حديث عائشة: قوله: "بين أمرين" أي من أمور الدنيا، يدل عليه قوله: "ما لم يكن إثما" لأن أمور الدين لا إثم فيها، وأبهم فاعل "خير" ليكون أعم من أن يكون من قبل الله أو من قبل المخلوقين، وقوله: "إلا أخذ أيسرهما" أي أسهلهما. وقوله: "ما لم يكن إثما" أي ما لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم فإنه حينئذ يختار الأشد. وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط "إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط" ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قبل المخلوق واضح، وأما من قبل الله ففيه إشكال لأن التخيير إنما يكون بين جائزين، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة مثلا وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف فيختار الكفاف وإن كانت السعة أمهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه معنى الخطيئة لثبوت العصمة له. قوله: "وما انتقم لنفسه" أي خاصة، فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله، وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه، وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه، قال: واقتص ممن لده في مرضه بعد نهيه عن ذلك بأن أمر بلدهم مع أنهم كانوا في ذلك تأولوا أنه إنما نهاهم عن عادة البشرية
(6/575)