باب غَزْوَةِ خَيْبَرَ 5
 
4202- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقِيلَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَ مَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ "
4203- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "شَهِدْنَا خَيْبَرَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّار ِ فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَةُ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحَةِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ انْتَحَرَ فُلاَنٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ قُمْ يَا فُلاَنُ فَأَذِّنْ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ". تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ
4204- وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ شَهِدْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَابَعَهُ صَالِحٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الحديث السادس حديث سهل بن سعد في قصة الذي قتل نفسه قوله: "حدثنا يعقوب" هو ابن عبد الرحمن
(7/471)

الإسكندراني، وأبو حازم هو سلمة بن دينار. قوله: "التقى هو والمشركون" في رواية ابن أبي حازم الآتية بعد قليل "في بعض مغازيه" ولم أقف على تعيين كونها خيبر، لكنه مبني على أن القصة التي في حديث سهل متحدة مع القصة التي في حديث أبي هريرة، وقد صرح في حديث أبي هريرة أن ذلك كان بخيبر وفيه نظر، فإن في سياق سهل أن الرجل الذي قتل نفسه اتكأ على حد سيفه حتى خرج من ظهره، وفي سياق أبي هريرة أنه استخرج أسهما من كنانته فنحر بها نفسه. وأيضا ففي حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم لما أخبروه بقصته" إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة" الحديث، وفي حديث أبي هريرة أنه قال لهم لما أخبروه بقصته" قم يا بلال فأذن: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن" ولهذا جنح ابن التين إلى التعدد، ويمكن الجمع بأنه لا منافاة في المغايرة الأخيرة، وأما الأول فيحتمل أن يكون نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وإن كان قد أشرف على القتل فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالا للموت، لكن جزم ابن الجوزي في مشكله بأن القصة التي حكاها سهل بن سعد وقعت بأحد، قال: واسم الرجل قزمان الظفري، وكان قد تخلف عن المسلمين يوم أحد فعيره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول فكان أول من رمى بسهم، ثم صار إلى السيف ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كسر جفن سيفه وجعل يقول: الموت أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان فقال له: هنيئا لك بالشهادة، قال: والله إني ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حسب قومي. ثم أقلقته الجراحة فقتل نفسه. قلت: وهذا الذي نقله أخذه من مغازي الواقدي وهو لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، نعم أخرج أبو يعلى من طريق سعيد بن عبد الرحمن القاضي عن أبي حازم حديث الباب وأوله أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ما رأينا مثل ما أبلى فلان، لقد فر الناس وما فر وما ترك للمشركين شاذة ولا فاذة الحديث بطوله على نحو ما في الصحيح، وليس فيه تسميته، وسعيد مختلف فيه وما أظن روايته خفيت على البخاري، وأظنه لم يلتفت إليها لأن في بعض طرقه عن أبي حازم" غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وظاهره يقتضي أنها غير أحد، لأن سهلا ما كان حينئذ ممن يطلق على نفسه ذلك لصغره، لأن الصحيح أن مولده قبل الهجرة بخمس سنين فيكون في أحد ابن عشرة أو إحدى عشرة، على أنه حفظ أشياء من أمر أحد مثل غسل فاطمة جراحة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من ذلك أن يقول: "غزونا" إلا أن يحمل على المجاز كما سيأتي لأبي هريرة، لكن يدفعه ما سيأتي من رواية الكشميهني قريبا. قوله: "فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره" أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم. قوله: "وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل" وقع في كلام جماعة ممن تكلم على هذا الكتاب أن اسمه قزمان بضم القاف وسكون الزاي الظفري بضم المعجمة والفاء نسبة إلى بني ظفر بطن من الأنصار وكن يكنى أبا الغيداق بمعجمة مفتوحة وتحتانية ساكنة وآخره قاف، ويعكر عليه ما تقدم. قوله: "شاذة ولا فاذة" الشاذة بتشديد المعجمة ما انفرد عن الجماعة، وبالفاء مثله ما لم يختلط بهم، ثم هما صفة لمحذوف أي نسمة، والهاء فيهما للمبالغة، والمعنى أنه لا يلقى شيئا إلا قتله، وقيل: المراد بالشاذ والفاذ ما كبر وصغر، وقيل: الشاذ الخارج والفاذ المنفرد، وقيل: هما بمعني، وقيل الثاني إتباع. قوله: "فقال" أي قائل، وتقدم في الجهاد بلفظ فقالوا ويأتي بعد قليل من طريق أخرى بلفظ: "فقيل" ووقع هنا للكشميهني: "فقلت" فإن كانت محفوظة عرف اسم قائل ذلك. قوله: "ما أجزأ" بالهمزة أي ما أغنى. قوله: "فقال إنه من أهل النار" في رواية ابن أبي حازم المذكورة" فقالوا أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار" وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعي عند الطبراني" قال قلنا يا رسول الله فلان
(7/472)

يجزئ في القتال، قال: هو في النار. قلنا يا رسول الله إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار فأين نحن؟ قال: ذلك أخباث النفاق قال فكنا نتحفظ عليه في القتال". قوله: "فقال رجل من القوم: أنا صاحبه" في رواية ابن أبي حازم "لأتبعنه" وهذا الرجل هو أكثم بن أبي الجون كما سيظهر من سياق حديثه. قوله: "فجرح جرحا شديدا" المصنف زاد في حديث أكثم "فقلنا يا رسول الله قد استشهد فلان، قال: هو في النار". قوله: "فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه" في رواية ابن أبي حازم "فوضع نصاب سيفه في الأرض" وفي حديث أكثم "أخذ سيفه فوضعه بين ثدييه ثم اتكأ عليه حتى خرج من ظهره، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أشهد أنك رسول الله". قوله: "وهو من أهل الجنة" زاد في حديث أكثم "تدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه فيختم له بها" وسيأتي شرح الكلام الأخير في كتاب القدر إن شاء تعالى. قوله: "شهدنا خيبر" أراد جيشها من المسلمين، لأن الثابت أنه إنما جاء بعد أن فتحت خيبر، ووقع عند الواقدي أنه قدم بعد فتح معظم خيبر فحضر فتح آخرها، لكن مضى في الجهاد من طريق عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعدما افتتحها فقلت: يا رسول الله أسهم لي" وسيأتي البحث في ذلك في حديث آخر لأبي هريرة آخر هذا الباب. قوله: "فلما حضر القتال" بالرفع والنصب. قوله: "فقال لرجل ممن معه" أي عن رجل، واللام قد تأتي بمعنى عن مثل قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا} ويحتمل أن يكون بمعنى في أي في شأنه أي سببه، ومنه قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} . قوله: "فكاد بعض الناس يرتاب" في رواية معمر في الجهاد "فكاد بعض الناس أن يرتاب" ففيه دخول أن على خبر كاد، وهو جائز مع قلته. قوله: "قم يا فلان" هو بلال كما وقع مفسرا في كتاب القدر. قوله: "إن الله يؤيد" في رواية الكشميهني: "ليؤيد" قال النووي يجوز في أن فتح الهمزة وكسرها. قوله: "بالرجل الفاجر" يحتمل أن تكون اللام للعهد، والمراد به قزمان المذكور، ويحتمل أن تكون للجنس. قوله: "تابعه معمر" أي تابع شعيبا عن الزهري أي بهذا الإسناد، وهو موصول عند المصنف في آخر الجهاد مقرونا برواية شعيب عن الزهري. قوله: "وقال شبيب" أي ابن سعيد "عن يونس" أي ابن يزيد "عن ابن شهاب" أي الزهري بهذا الإسناد. قوله: "شهدنا حنينا" يريد أن يونس خالف معمرا وشعيبا فذكر بدل خيبر لفظة "حنين" ورواية شبيب هذه وصلها النسائي مقتصرا على طرف من الحديث، وأوردها الذهلي في "الزهريات" ويعقوب بن سفيان في تاريخه كلاهما عن أحمد بن شبيب عن أبيه بتمامه، وأحمد من شيوخ البخاري وقد أخرج عنه غير هذا، وقد وافق يونس معمرا وشعيبا في الإسناد، لكن زاد فيه مع سعيد بن المسيب عبد الرحمن بن عبد الله من كعب بن مالك، وساق الحديث عنهما عن أبي هريرة. قوله: "وقال ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم "يعني وافق شبيبا في لفظ: "حنين" وخالفه في الإسناد فأرسل الحديث، وطريق ابن المبارك هذه وصلها في الجهاد ولم أر فيها تعيين الغزوة. قوله: "وتابعه صالح" يعني ابن كيسان "عن الزهري" وهذه المتابعة ذكرها البخاري في تاريخه. قال: "قال لي عبد العزيز الأويسي عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن بعض من شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه: هذا من أهل النار " الحديث فظهر أن المراد بالمتابعة أن صالحا تابع رواية ابن المبارك عن يونس في ترك ذكر اسم الغزوة، لا في بقية المتن ولا في الإسناد. وقد رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد
(7/473)

عن أبيه عن صالح عن لزهري فقال: "عن عبد الرحمن بن المسيب" مرسلا ووهم فيه، وكأنه أراد أن يقول: "عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب وسعيد بن المسيب" فذهل. قوله: "وقال الزبيدي أخبرني الزهري أن عبد الرحمن بن كعب أخبره أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني من شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر" قال الزهري: "وأخبرني عبيد الله بن عبد الله وسعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي رواية النسفي "عبد الله بن عبد الله" هكذا أورد البخاري طريق الزبيدي هذه معلقة مختصرة، وأجحف فيها في الاختصار فإنه لم يفصل بين رواية الزهري الموصولة عن عبد الرحمن وبين روايته المرسلة عن سعيد وعبيد الله بن عبد الله، وقد أوضح ذلك في التاريخ، وكذلك أبو نعيم في "المستخرج" والذهلي في "الزهريات" فأخرجوه من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عن الزبيدي فساق الحديث الموصول بالقصة ثم ساق بعده" قال الزبيدي قال الزهري وأخبرني عبد الله بن عبد الله وسعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا بلال قم فأذن إنه لا يدخل إلا رجل مؤمن، والله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" هذا سياق البخاري، وفي سياق الذهلي" قال الزهري وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله" وهذا أصوب من عبيد الله بن عبد الله، نبه عليه أبو علي الجياني، وقد اقتضى صنيع البخاري ترجيح رواية شعيب ومعمر وأشار إلى أن بقية الروايات محتملة وهذه عادته في الروايات المختلفة إذا رجح بعضها عنده اعتمده وأشار إلى البقية، وأن ذلك لا يستلزم القدح في الرواية الراجحة لأن شرط الاضطراب أن تتساوى وجوه الاختلاف فلا يرجح شيء منها، وذكر مسلم في كتاب التمييز فيه اختلافا آخر على الزهري فقال: "حدثنا الحسن بن الحلواني عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بلال قم فأذن إنه إلا يدخل الجنة إلا مؤمن . قال الحلواني: قلت ليعقوب بن إبراهيم من عبد الرحمن بن المسيب هذا؟ قال كان لسعيد بن المسيب أخ اسمه عبد الرحمن، وكان رجل من بني كنانة يقال له عبد الرحمن بن المسيب، فأظن أن هذا هو الكناني. قال مسلم وليس ما قال يعقوب بشيء، وإنما سقط من هذا الإسناد واو واحدة ففحش خطؤه، وإنما هو عن الزهري عن عبد الرحمن وابن المسيب، فعبد الرحمن هو ابن عبد الله بن كعب وابن المسيب هو سعيد، وقد حدث به عن الزهري كذلك ابن أخيه وموسى بن عقبة ويونس بن يزيد، والله أعلم. وكذا رجح الذهلي رواية شعيب ومعمر قال: ولا تدفع رواية الأخيرين لأن الزهري كان يقع له الحديث من عدة طرق فيحمله عنه أصحابه بحسب ذلك، نعم ساق من طريق موسى بن عقبة وابن أخي الزهري عن الزهري موافقة الزبيدي على إرسال آخر الحديث، قال المهلب: هذا الرجل ممن أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه نفذ عليه الوعيد من الفساق، ولا يلزم منه أن كل من قتل نفسه يقضى عليه بالنار. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون قوله: "هو من أهل النار" أي إن لم يغفر الله له. ويحتمل أن يكون حين أصابته الجراحة ارتاب وشك في الإيمان أو استحل قتل نفسه فمات كافرا. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" وبذلك حزم ابن المنير. والذي يظهر أن المراد بالفاجر أعم من أن يكون كافرا أو فاسقا، ولا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنا لا نستعين بمشرك" لأنه محمول على من كان يظهر الكفر أو هو منسوخ، وفي الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، وذلك من معجزاته الظاهرة، وفيه جواز إعلام الرجل الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها. "تنبيه": المنادى بذلك بلال، ووقع عند مسلم في رواية: "قم يا ابن الخطاب" وعند البيهقي أن
(7/474)

المنادى بذلك عبد الرحمن بن عوف، ويجمع بأنهم نادوا جميعا في جهات مختلفة.