باب في سياقة الترك للمسلمين و سياقة المسلمين لهم
 
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا بشر بن المهاجر قال : حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه و سلم فسمعت النبي يقول : إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم الحجف ثلاث مرات حتى يحلقوهم بجزيرة العرب ، أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم ، و أما السياقة الثانية فيهلك بعض و ينجو بعض ، و أما السياقة الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم قالوا يا نبي الله من هم ؟ قال : هم الترك ، قال : أما و الذي نفسي بيده ليربطون خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين ، قال : و كان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة و متاع السفر و الأسقية بعد ذلك للهرب مما سمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم من البلاء من الترك .
قال الإمام أبو الخطاب عمر بن دحية ، و هذا سند صحيح أسنده إمام السنة و الصابر على المحنة أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ، عن الإمام العدل المجمع على ثقته أبي نعيم الفضل بن دكين ، و بشير بن المهاجر و ثقه . رأى أنس بن مالك روى عن جماعة من الأئمة فوثقوه .
قال المؤلف رحمه الله : و خرج أبو داود قال ، حدثنا جعفر بن مسافر قال : حدثنا خلاد بن يحيى : حدثنا بشير بن مهاجر قال : حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث يقاتلونكم صفار الأعين يعني الترك قال : تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقونهم بجزيرة العرب ، فأما في السياقة الأولى فينجو منهم من هرب ، و أما الثانية فينجو بعض و يهلك بعض ، و أما في الثالثة فيصطلمون .

فصل
الاصطلام : الاستئصال و أصله من الصلم و هو القطع . اصطملت أذنه إذا استوفيت بالقطع ، و أنشد الفراء :
ثمت اصطمت إلى الصماخ فلا قرن و لا أذن
و الحديث الأول يدل على خروجهم و قتالهم المسملين و قتلهم ، و قد وقع ذلك على نحو ما أخبر صلى الله عليه و سلم ، فخرج منهم في هذا الوقت أنهم لا يحميهم إلا الله و لا يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج و مأجوج أو مقتدمهم .
قال الحافظ السيد بن دحية رضي الله عنه : يخرج في جمادى الأولى سنة سبع عشرة و ستمائة جيش من الترك يقال له الططر ، عظم في قتله الخطب و الخطر و قضى له من قتل النفوس المؤمنة الوطر ، و لم تهتد إلى دفعه بالحيل الفطر يقتلون من وراء النهر و ما دونه من جميع البلاد بلاد خراسان و محو رسوم ملك بني ساسان ، و هذا الجيش ممن يكفر بالرحمن و يرى أن الخالق المصور هما النيران ، و ملكهم يعرف بخان خاقان ، و خربوا بيوت مدينة نشاور ، و أطلقوا فيها النيران ، و خار عنهم من أهل خوارزم كل إنسان و لم يبق منهم إلا من اختبأ في المغارات و الكهفان ، حتى و صلوا إليها و قتلوا و سبوا و خبروا البنيان ، أطلقوا الماء على المدينة من نهر جيحان ، فغرق فيها مباني الذرا و الأركان ، ثم صيروا المشهد الرضوي بطوس أرضاً بعد أن كانوا ، و قطعوا ما أمر الله عز و جل به أن يوصل من الدين بأخسر الأديان إلى أن وصلوا بلا قهستان ، فخربوا مدينة الري و قزوين و أبهر و زنجان ، و مدينة أردبيل و مدينة مراغي كرسي بلاد أذربيجان ، و استأصلوا شأفة من في هذه البلاد من العلماء و الأعيان ، و استباحوا قتل النساء و ذبح الولدان ، ثم وصلوا إلى العراق الثاني و أعظم مدنه مدينة أصبهان ، و دور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع و الإتقان ، و أهلها مشتلون بعلم الحديث فحفضهم الله بهذا الشأن ، و كف كف الكفر عنهم بأيمان الإيمان ، و أنزل عليهم مواد التأييد و الإحسان ، فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان ، و حققوا الخبر بأنها بلد الفرسان ، و اجتمع فيها مائة ألف إنسان ، و خرجوا إليهم كأسد و لكن غاباتها عوامل الخرصان ، و قد لبسوا البيضا كثغور الأقحوان ، و عليهم دروع فضفاضة في صفاء الغدران ، و هيئات للمجاهدين درجات الجنان ، و أعدت للكافرين دركات النيران ، و برز إلى الططر القتل في مضاجعهم ، و ساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم ، فمرقوا عن أصبهان مروق السهم من الرمي و أنشدوا :
إلى الوادي فطم على القرى
ففروا منهم فرار الشيطان يوم بدر له خصاص ، و رأوا أنهم إن وقفوا لم يمكن لهم من الهلاك محاص ، و واصلوا السير بالسرى و هدوا من همدان الوهاد و الذرى بعد أن قامت الحرب على ساق ، و الأرواح في مساق من ذبح مثله و ضرب الأعناق ، و صعدوا جبل أوزند فقتلوا من فيه من جموع صلحاء المسلمين ، و خربوا ما فيه من الجنات و البساتين و انتهكوا منهم و من نسائهم حرمات الدين ، و كانت استطالتهم على مقدار ثلثي بلاد المشرق الأعلى، و قتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى، و قتلوا في العراق الثاني عدة تقرب أن يستقصى ، و ربطوا خيولهم في سواري المساجد و الجوامع ، كما جاء في الحديث المنذر لخروجهم الشارح الجامع ، و أوغلوا في بلاد المشرق أي إيغال ، و قادوا الجيوش إليها مقادة أبي رغال في كلام له إلى أن قال : و قطع السبل و أخافوها ، و جاسوا خلال الديار و طافوها ، و ملأوا قلوب المؤمنين رعباً و سحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحباً ، و حكموا سيوفهم في رقاب أهلها و أطلقوا يد التخريب في وعرها و سهلها ، و لا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث ، و أن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الآخرة منها .
قال المؤلف رحمه الله : فقد كملت بحمد الله خرجاتهم ، و لم يبق إلا قتلهم و قتالهم ، فخرجوا على العراق الأول و الثاني كما ذكرناه ، و خرجوا في هذا الوقت على العراق الثالث بغداد و ما اتصل بها من البلاد ، و قتلوا جميع من كان فيها من الملوك و العلماء و الفضلاء و العباد ، و حصروا ميا فارقين و استباحوا جميع من فيها من الملوك و المسلمين ، و عبروا الفرات إلى أن وصلوا إلى مدينة حلب فخربوها ، و قتلوا من فيها إلى أن تركوها خالية يباباً ، ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام ، و فلقوا بسيوفهم الرؤوس و الهام ، و دخل رعبهم الديار المصرية و لم يبق إلا الحوق بالدار الأخروية ، فخرج إليهم من مصر الملك المظفر الملقب بقطز رضي الله عنه بجميع من معه من المعسكر ، و قد بلغت الحناجر القلوب و الأنفس بعزيمة صادقة و نية خالصة ، إلى أن التقى بعين جالوت فكان له عليهم من النصر و الظفر ، كما كان لطالوت فقتل منهم جمع كثير و عدد غزير ، و انجلوا عن الشام من ساعتهم و رجع جميعه كما كان إلى الإسلام ، و عبروا الفرات منهزمين ، و رأوا ما لم بشاهدوه منذ زمان و لا حين ، و راحوا خائبين خاسرين مدحورين أذلاء صاغرين .