قوله تعالى : والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير
 

وقوله تعالى : # 35 : 13 ، 14 # - والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير - يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو ، وهي الملك ، وسماع الدعاء ، والقدرة على استجابته ، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته فكيف إذا عدمت بالكلية ؟ فنفى عنهم الملك بقوله - ما يملكون من قطمير - قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ، وعطاء والحسن وقتادة : القطمير : اللفافة التي تكون على نواة التمر كما قال تعالى : # 16 : 73 # - ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون - وقال # 34 : 22 ، 23 # - قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له - ونفى عنهم سماع الدعاء بقوله - إن تدعوهم لا يسمعوا - لأنه ما بين ميت وغائب عنهم ، مشتغل بما خلق له ، مسخر بما أمر به كالملائكة ، ثم قال - ولو سمعوا ما استجابوا لكم - لأن ذلك ليس لهم ، فإن الله تعالى لم يأذن لأحد من عباده في دعاء أحد منهم ، لا استقلالاً ولا واسطة ، كما تقدم بعض أدلة ذلك . وقوله - ويوم القيامة يكفرون بشرككم - فتبين بهذا أن دعوة غير الله شرك . وقال تعالى : # 19 : 81 ،82 # - واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا - وقوله تعالى : - ويوم القيامة يكفرون بشرككم - قال ابن كثير : يتبرأون منكم ، كما قال تعالى : # 46 : 5 ، 6 # - ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين - .
قال : وقوله - ولا ينبئك مثل خبير - أي ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها . قال قتادة : يعني نفسه تبارك وتعالى . فإنه أخبر بالواقع لا محالة .
قلت : والمشركون لم يسلموا للعليم الخبير ما أخبر به عن معبوداتهم فقالوا : تملك وتسمع وتستجيب وتشفع لمن دعاها ، ولم يلتفتوا إلى ما أخبر به الخبير من أن كل معبود يعادى عابده يوم القيامة ويتبرأ منه ، كما قال تعالى : # 10 : 28 ـ 30 # - ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون * فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين * هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون - أخرج ابن جرير عن ابن جريح قال : قال مجاهد - إن كنا عن عبادتكم لغافلين - قال يقول ذلك كل شئ كان يعبد من دون الله .
فالكيس يستقبل هذه الآيات التي هي الحجة والنور والبرهان بالإيمان والقبول والعمل ، فيجرد أعماله لله وحده دون كل ماسواه ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا دفعاً ، فضلاً عن غيره .
قوله : في الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال - شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته . فقال : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟ فنزلت الآية # 3 : 128 # - ليس لك من الأمر شيء - - .
قوله : في الصحيح أي الصحيحين . علقه البخاري . قال وقال حميد وثابت عن أنس . ووصله أحمد والترمذي والنسائي عن حميد عن أنس . ووصله مسلم عن ثابت عن أنس . وقال ابن إسحاق في المغازي . حدثنا حميد الطويل عن أنس قال كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج وجهه ، فجعل الدم يسيل على وجهه ، وجعل يمسح الدم وهو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ فأنزل الله الآية .
قوله : شج النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو السعادات : الشج في الرأس خاصة في الأصل ، وهو أن يضربه بشئ فيجرحه فيه ويشقه ، ثم استعمل في غيره من الأعضاء ، وذكر ابن هشام من حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم السفلى وجرح شفته العليا وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في وجهه ، وأن عبد الله بن قمئة جرحه في وجنته ، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته وأن مالك ابن سنان مص الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وازدرده . فقال له : لن تمسك النار .
قال القرطبي : والرباعية بفتح الراء وتخفيف الياء ـ وهي كل سن بعد ثنية .
قال النووي رحمه الله : وللإنسان أربع رباعيات .
قال الحافظ : والمراد أنها كسرت ، فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها .
قال النووي : وفي هذا وقوع الأسقام والإبتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لينالوا بذلك جزيل الأجر والثواب . ولتعرف الأمم ما أصابهم ويأتسوا بهم .
قال القاضي : وليعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا ، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقن أنهم مخلوقون مربوبون . ولا يفتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات ويلبس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم انتهى .
قلت : يعني من الغلو والعبادة .
قوله : يوم أحد هو شرقي المدينة . قال صلى الله عليه وسلم - أحد جبل يحبنا ونحبه - وهو جبل معروف كانت عنده الواقعة المشهورة . فأضيفت إليه .
قوله : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم زاد مسلم مسلم كسروا رباعيته وأدموا وجهه .