( باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه )
 
قوله ( سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال أولكلكم ثوبان ) فيه
(4/230)

جواز الصلاة في ثوب واحد ولا خلاف في هذا إلا ما حكى عن بن مسعود رضي الله عنه فيه ولا اعلم صحته وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل ومعنى الحديث ان الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة وفي ذلك حرج وقد قال الله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج وأما صلاة النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة رضي الله عنهم في ثوب واحد ففي وقت كان لعدم ثوب آخر وفي وقت كان مع وجوده لبيان الجواز كما قال جابر رضي الله عنه ليراني الجهال والا فالثوبان أفضل كما سبق قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ) قال العلماء حكمته أنه إذا ائتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه فيشغل بذلك وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى
(4/231)

تحت صدره ورفعهما حيث شرع الرفع وغير ذلك لأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة وقد قال الله تعالى ( خذوا زينتكم ) ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى والجمهور هذا النهي للتنزيه لا للتحريم فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا وقال أحمد وبعض السلف رحمهم الله تعالى لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه لظاهر الحديث وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته ولكن يأثم بتركه وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه و سلم في حديث جابر رضي الله عنه فإن كان واسعا فألتحف به وإن كان ضيقا فأتزر به رواه البخاري ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي في ثوب واحد مشتملا به واضعا طرفيه على عاتقيه ) وفي الرواية الأخرى ( مخالفا بين طرفيه
(4/232)

وفي حديث جابر ( متوشحا به ) المشتمل والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناها واحد هنا قال بن السكيت التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره وفيه جواز الصلاة في ثوب واحد قوله ( فرأيته يصلي على حصير يسجد ) فيه دليل على جواز الصلاة على شيء يحول بينه وبين الأرض من ثوب وحصير وصوف وشعر وغير ذلك وسواء نبت من الأرض أم لا وهذا مذهبنا ومذهب
(4/233)

الجمهور وقال القاضي رحمه الله تعالى أما ما نبت من الأرض فلا كراهة فيه واما البسط واللبود وغيرها مما ليس من نبات الأرض فتصح الصلاة فيه بالإجماع لكن الأرض أفضل منه إلا لحاجة حر أو برد أو نحوهما لأن الصلاة سرها التواضع والخضوع والله عز و جل أعلم