( باب استحباب الابراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة )
 
ويناله الحر في طريقه [ 615 ] قوله صلى الله عليه و سلم إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة وذكر مسلم رحمه الله تعالى بعد هذا حديث خباب شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حر الرمضاء فلم يشكنا قال زهير قلت لأبي إسحاق أفي الظهر قال نعم قلت أفي تعجيلها قال نعم اختلف العلماء في الجمع بين هذين الحديثين فقال بعضهم الابراد رخصة والتقديم أفضل واعتمدوا حديث خباب وحملوا حديث الابراد على الترخيص والتخفيف في التأخير وبهذا قال بعض أصحابنا وغيرهم وقال جماعة حديث خباب منسوخ باحاديث الابراد وقال آخرون المختار استحباب الابراد لاحاديثه وأما حديث خباب فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الابراد لأن الابراد يؤخر بحيث يحصل للحيطان فيء يمشون فيه ويتناقص الحر والصحيح استحباب الابراد وبه قال جمهور العلماء وهو المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى وبه قال جمهور الصحابة لكثرة الاحاديث الصحيحة فيه المشتملة على فعله
(5/117)

والامر به في مواطن كثيرة ومن جهة جماعة من الصحابة رضي الله عنهم قوله ص فان شدة الحر من فيح جهنم هو بفاء مفتوحة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم حاء مهملة أي سطوع حرها وانتشاره وغليانها قوله صلى الله عليه و سلم فأبردوا بالصلاة وفي الرواية الاخرى فأبردوا عن الصلاة هما بمعنى وعن تطلق بمعنى الباء كما يقال رميت عن القوس أي بها قوله عن بسر بن سعيد هو بضم الموحدة وبالسين المهملة وقد سبق بيانه مرات
(5/118)

[ 616 ] قوله حتى رأينا فيء التلول هي جمع تل وهو معروف والفيء لا يكون إلا بعد الزوال وأما الظل فيطلق على ما قبل الزوال وبعده هذا قول أهل اللغة ومعنى قوله رأينا فيء التلول أنه أخر تأخيرا كثيرا حتى صار للتلول فيء والتلول منبطحة غير منتصبة ولا يصير لها فيء في العادة الا بعد زوال الشمس بكثير قوله ص أبردوا عن الحر في الصلاة أي أخروها
(5/119)

إلى البرد واطلبوا البرد لها قوله صلى الله عليه و سلم فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم قال العلماء الزمهرير شدة البرد والحرور شدة الحر قالوا وقوله أو يحتمل أن يكون شكا من الراوي ويحتمل أن يكون للتقسيم [ 617 ] قوله ص اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف قال القاضي اختلف العلماء في معناه فقال بعضهم هو على ظاهره واشتكت حقيقة وشدة الحر من وهجها وفيحها وجعل الله تعالى فيها ادراكا وتمييزا بحيث تكلمت بهذا ومذهب أهل السنة أن النار مخلوقة قال وقيل ليس هو على ظاهره بل هو على وجه التشبيه والاستعارة والتقريب وتقديره أن شدة الحر يشبه نار جهنم فاحذروه واجتنبوا حروره قال والأول أظهر قلت والصواب الأول لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته فوجب الحكم بأنه على ظاهره والله أعلم واعلم أن الأبراد إنما يشرع في الظهر ولا يشرع في العصر عند أحد من العلماء إلا أشهب المالكي ولا يشرع في صلاة الجمعة عند الجمهور وقال بعض أصحابنا يشرع فيها والله أعلم