قوله : ( وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ، ومشيئته تنفذ ، لا مشيئة للعباد ، إلا ما شاء لهم ، فما شاء لهم كان ، وما لم يشأ لم يكن )
 
ش : قال تعالى : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً وقال : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين . وقال تعالى : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله . وقال تعالى : ولو شاء ربك ما فعلوه . وقال تعالى : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً وقال تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء . وقال تعالى حكاية [عن] نوح عليه السلام إذ قال لقومه : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم . وقال تعالى : من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . إلى غير ذلك من الأدلة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . وكيف [يكون] في ملكه ما لا يشاء ! ومن أضل سبيلاً وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله ! ! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
فإن قيل : يشكل على هذا قوله تعالى : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ، الآية . وقوله تعالى : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ، الآية . وقوله تعالى : وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون . فقد ذمهم الله تعالى حيث جعلوا الشرك كائناً منهم بمشيئة الله ، وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الأغواء الى الله تعالى ، إذ قال : رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين .
قيل : قد أجيب على هذا بأجوبة ، من أحسنها : أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته ، وقالوا : لو [كره] ذلك وسخطه لما شاءه ، فجعلوا مشيئته دليل رضاه ، فرد الله عليهم ذلك . أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به . أو أنه أنكر عليهم معارضته شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره ، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر ، فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد ، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره ، دافعين بها لشرعه ، كفعل الزنادقة ، والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر. وقد احتج سارق على عمر رضي الله عنه بالقدر، فقال : وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره . يشهد لذلك قوله تعالى في الآية : كذلك كذب الذين من قبلهم . فعلم أن مرادهم التكذيب ، فهو من قبل الفعل ، من أين له أن الله لم يقدره ؟ أطلع الغيب ؟ فإن قيل : فما يقولون في احتجاج آدم على موسى عليهما السلام بالقدر، اذ قال له : أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً ؟ وشهد النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم حج موسى ، أي : غلب عليه بالحجة؟
قيل . : تتلقاه بالقبول والسمع والطاعة ، لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تتلقاه بالرد والتكذيب لراوية ، كما فعلت القدرية ، ولا بالتأويلات الباردة . بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب ، وهو كان أعلم بربه وذنبه ، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل . وموسى عليه السلام كان أعلم بأبيه وبذنبه [من] أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه ، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة ، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة ، لا على الخطيئة ، فان القدر يحتج به عند المصائب ، لا عند المعائب . وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث . فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له ، فإنه من تمام الرضى بالله ربا ، وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب ، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب . فيتوب من المعائب ، ويصبرعلى المصائب . قال تعالى : فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك . وقال تعالى : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً .
وأما قول إبليس : رب بما أغويتني ، انما ذم على احتجاجه بالقدر، لا على اعترافه بالمقدر وإثباته له . ألم تسمع قول نوح عليه السلام : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون . ولقد أحسن القائل :
فما شئت كان [و] إن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن
وعن وهب بن منبه ، أنه قال : نظرت في القدر فتحيرت ، ثم نظرت فيه فتحيرت ، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه ، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به .