هل يتلفظ بالنية ؟
 
واتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية، لا لإمام، ولا لمأموم، ولا لمنفرد، ولا يستحب تكريرها، وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سرًا‏:‏ هل يكره أو يستحب‏؟‏
النفي والإثبات جميعًا،/وهذا خطأ عند العلماء بالعربية؛ فإن ‏[‏ما‏]‏ هنا هي ما الكافَّة، ليست ما النافية، وهذه الكافة تدخل على إن وأخواتها فتكفها عن العمل، وذلك لأن الحروف العاملة أصلها أن تكون للاختصاص؛ فإذا اختصت بالاسم أو بالفعل ـ ولم تكن كالجزء منه ـ عملت فيه، فإن وأخواتها اختصت بالاسم فعملت فيه، وتسمي الحروف المشبهة للأفعال؛ لأنها عملت نصبًا ورفعًا وكثرت حروفها، وحروف الجر اختصت بالاسم فعملت فيه، وحروف الشرط اختصت بالفعل فعملت فيه، بخلاف أدوات الاستفهام فإنها تدخل على الجملتين ولم تعمل، وكذلك ما المصدرية‏.‏
ولهذا القياس في ما النافية ألا تعمل ـ أيضًا ـ على لغة تميم، ولكن تعمل على اللغة الحجازية التي نزل بها القرآن في مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 2‏]‏ ، و ‏{‏مَا هَـذَا بَشَرًا‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 31‏]‏ ، استحسانًا لمشابهتها ‏[‏ليس‏]‏ هنا، لما دخلت ما الكافة على إن أزالت اختصاصها، فصارت تدخل على الجملة الإسمية والجملة الفعلية فبطل عملها، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 7‏]‏ ، وقوله‏:‏‏{‏إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏16‏]‏ ‏.‏
وقد تكون ما التي بعد إن اسمًا لا حرفًا، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 69‏]‏ ، بالرفع، أي‏:‏ أن الذي صنعوه كيد ساحر، خلاف قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 72‏]‏ ، فإن القراءة بالنصب لا تستقيم إذا كانت ما بمعني الذي، وفي كلا المعنيين الحصر موجود، لكن إذا/ كانت ما بمعني الذي فالحصر جاء من جهة أن المعارف هي من صِيَغ العموم، فإن الأسماء إما معارف وإما نكرات، والمعارف من صيغ العموم والنكرة في غير الموجب كالنفي وغيره من صيغ العموم، فقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 69‏]‏ ، تقديره‏:‏ إن الذي صنعوه كيد ساحر‏.‏
وأما الحصر في ‏[‏إنما‏]‏ فهو من جنس الحصر بالنفي والاستثناء، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 154‏]‏ ، ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 144‏]‏ ‏.‏
والحصر قد يعبر عنه بأن الأول محصور في الثاني، وقد يعبر عنه بالعكس، والمعني واحد، وهو أن الثاني أثبته الأول، ولم يثبت له غيره، مما يتوهم أنه ثابت له، وليس المراد أنك تنفي عن الأول كل ما سوي الثاني، فقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 7‏]‏ ، أي‏:‏ إنك لست ربا لهم، ولا محاسبًا، ولا مجازيًا، ولا وكيلًا عليهم، كما قال‏:‏ ‏{‏لَّسْتَ عليهم بِمُصَيْطِرٍ‏}‏ ‏[‏الغاشية‏:‏ 22‏]‏ وكما قال‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا عليكَ الْبَلاَغُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 20‏]‏ ، ‏{‏مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 75‏]‏ ، ليس هو إلهًا ولا أمه إلهة، بل غايته أن يكون رسولًا، كما غاية محمد أن يكون رسولًا، وغاية مريم أن تكون صديقة‏.‏
وهذا مما استدل به على بطلان قول بعض المتأخرين‏:‏ إنها نبية، وقد حَكَي الإجماع على عدم نبوة أحد من النساء القاضي أبو بكر/بن الطيب والقاضي أبو يعلى، والأستاذ أبوالمعالي الجويني، وغيرهم‏.‏
وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏144‏]‏ ، أي‏:‏ ليس مخلدًا في الدنيا لا يموت ولا يقتل، بل يجوز عليه ما جاز على إخوانه المرسلين من الموت أو القتل، ‏{‏أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ على أَعْقَابِكُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 144‏]‏ ، نزلت يوم أحد لما قيل‏:‏ إن محمدًا قد قتل، وتلاها الصديق يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَي لا يموت، وتلا هذه الآية، فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ فكان لا يوجد أحد إلا يتلوها‏.‏