قوله: كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد
 
وقوله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد‏)‏ وفي لفظ ‏(‏كتبت نبيًا‏)‏، كقوله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إني عند اللّه لمكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ‏)‏ فإن اللّه بعد خَلْقِ جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه كتب وأظهر ما سيكون من ذريته، فكتب نبوة محمد وأظهرها، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكا، فيُؤْمَرُ بأربع كلمات، فيقال‏:‏ اكتب رزقه وأجله، وعمله، وشقي أوسعيد، ثم ينفخ فيه الروح‏)‏، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن يخلق بدن الجنين في بطن أمه - وقبل نفخ الروح فيه - يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد فهكذا كتب خبر سيد ولد آدم وآدم منجدل في طينته قبل أن ينفخ الروح فيه‏.‏
وأما قول بعضهم‏:‏ ‏(‏كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين‏)‏ فهذا نقل باطل نقلا وعقلا؛ فإن آدم ليس بين الماء والطين، بل الطين ماء وتراب، ولكن كان بين الروح والجسد‏.‏ فهذا ونحوه فيه/ علم اللّه بالأشياء قبل كونها، وكتابته إياها، وإخباره بها، وذلك غير وجود أعيانها؛ لأنها لا توجد أعيانها حتى تخلق، ومن لم يفرق بين ثبوت الشيء في العلم والكلام والكتاب، وبين حقيقته في الخارج، وكذلك بين الوجود العلمي والعيني ـ عَظُمَ جهله وضلاله‏.‏
وأهل العلم قد أعظموا النكبة على من يقول‏:‏ المعدوم شيء ثابت في الخارج، وإن كان لهؤلاء شبهة عقلية لكونهم ظنوا أن تميزه في العلم والإرادة يقتضي تمييزه في الخارج، فإنهم أخطؤوا في ذلك، والتحقيق الفرق بين الثبوت العلمي والعيني، وأما وجود الأشياء قبل خلقها فهذا أعظم في الجهل والضلال‏.‏
وأما دعواه أن الأولياء كلهم ـ حتى الأنبياء ـ يستفيدون من خاتم الأولياء فهذا مخالف للعقل والشرع؛ فإن الأنبياء أفضل من الأولياء، وخيـار الأولياء أَتْبَعُهُم للأنبياء، كما كان أبو بكر أفضل مَنْ طلعت عليه الشمس بعد النبيين والمرسلين‏.‏
وكذلك دعـواه أن خاتم الأولياء يأخـذ العلم الظاهر من حيث يأخذه النبي، ويأخذ العلم الباطـن مـن المعـدن الذي يأخـذ منـه الملك مـا يوحيه إلى النبي؛ فهذا من أعظم الكفـر والضـلال، وهـو مبـني على قول المتفلسفـة الذين يجعلـون النبـوة فَيْضًا يفيض على عـقل النبي، ويقـولون‏:‏ إن الملك/ هـو مـا يتمثـل في نفس النبي من الأشكال النـورانية، فيقولـون‏:‏ إن النبي يأخـذ عـن تلك الصور الخياليـة وهي الملك عنـدهم، فمـن أخـذ المعاني العقليـة عـن العقـل المجـرد كـان أعظم وأكمـل ممـن يأخـذ عن الأمثلة الخياليـة، فهـؤلاء اعتقـدوا أقـوال هؤلاء الفلاسفة الملحدين وسلكوا مَسْلك الرياضة، فأخذوا يتكلمون بتلك الأمور الإلحادية الفلسفية، ويخرجونها في قالب المكاشفات والمخاطبات‏.‏
وما ذكروه من خاتم الأولياء لا حقيقة له، وإن كان قد ذكره الحكيم الترمذي في كتاب ‏[‏خاتم الأولياء‏]‏ فقد غلط في ذلك الكتاب غلطًا معروفا عند أهل المعرفة والعلم والإيمان‏.‏ وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع‏.‏
فهذه الأحاديث، وأمثالها مما هو كذب وفِرْية عند أهل العلم، لاسيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل، بل متخلية في العقل، ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلا على وجه البيان لكونها كذبا، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من رَوَى عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين‏)‏‏.‏
وعلى ولاة الأمور أن يمنعوا من التحدث بها في كل مكان، ومن أصر على ذلك فإنه يعاقب العقوبة البليغة التي تزجره وأمثاله عن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل بيته، وغيرهم من أهل العلم والدين، واللّه أعلم‏.