اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الأربعاء 18 رجب 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

مخ

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
علوم الحديث
زاد المعاد في هدي خير العباد
المجلد الأول
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى
الكتب العلمية
كان صلى الله عليه وسلم يعودُ مَنْ مَرِضَ من أصحابه، وعاد غلاماً كان يَخدِمه مِن أهل الكتاب، وعاد عمَّه وهو مشرك، وعرض عليهما الإِسلام، فأسلم اليهودي، ولم يسلم عمُّه.
وكان يدنو من المريض، ويجلِسُ عند رأسه، ويسألُه عن حاله، فيقول: كيف تجدُك؟
وذكر أنه كان يسأل المريضَ عما يشتهيه، فيقول: ((هَل تَشْتَهِي شَيئاً))؟ فإن اشتهى شيئاً وعلِم أنه لا يضرّه، أمر له به.
وكان يمسح بيده اليُمنى على المريض، ويقول: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاس، أَذْهِبِ البأْسَ، واشْفِه أَنتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إلا شِفاؤكَ، شِفاءً لا يُغادر سَقَماً)).
وكان يقول: ((امسَح البَأسَ رَبَّ النَاس، بيَدكَ الشِّفَاءُ، لا كَاشفَ له إلاَّ أنت)).
وكان يدعو للمريض ثلاثاً كما قاله لسعد: ((اللهم اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً)).
وكان إذا دخل على المريض يقول له: ((لا بَأسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللّه)).
وربما كان يقول: ((كَفَّارَةٌ وَطَهورٌ)) وكان يَرْقِي مَن به قَرحة، أو جُرح، أو شكوى، فيضِع سبَابته بالأرض، ثم يرفعها ويقول: ((بِسْمِ اللّه، تُرْبَةُ أرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعضِنا يُشْفى سَقِيمُنَا، بإذْنِ رَبِّنا)) هذا في ((الصحيحين))، وهو يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأنهم لا يرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ فقوله في الحديث: ((لا يرقون)) غلط من الراوي، سمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول ذلك. قال: وإنما الحديث ((هم الذين لا يَسْتَرْقُونَ)). قلت: وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب، لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وهو سؤالُ الناس أن يرقوهم. ولهذا قال:.((وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))، فلكمال توكُّلهم على ربهم، وسُكونهم إليه، وثقتهم به، ورِضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به، لا يسألون الناس شيئاً، لا رُقيةً ولا غيرها، ولا يحصُلُ لهم طِيرَةٌ تصدُّهم عما يقصِدونه، فإن الطِّيَرَةَ تَنْقُصُ التوحيد وتُضْعِفُه. قال: والراقي متصدِّق مُحسن، والمسترقي سائل، والنبي صلى الله عليه وسلم رَقَى، ولم يسترق، وقال: ((مَنْ اسْتطاع منكم أَنْ يَنْفَعَ أَخاه فَلْيَنْفَعْه)).
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في ((الصحيحين)) عن عائشة رضي اللّه عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أوى إلى فراشه، جمع كفَّيه ثم نفَث فيهما، فقرأ {قل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَق} [الفلق: 1]، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس} [الناس: 1]، ويمسح بهما ما استطاع مِن جسده، ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ماَ أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاث مرات قالت عائشة: فلما اشتكى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، كان يأمرني أن أفعل ذلك به.
فالجواب: أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ. أحدها: هذا. والثاني: أنه كان ينفُث على نفسه، والثالث: قالت: كنت أنفُث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها، وفي لفظ رابع: كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفُث، وهذه الألفاظ يُفسِّر بعضها بعضاً. وكان صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه، وضعفه ووجعُه يمنعه من إمرار يده على جسده كله. فكان يأمر عائشة أن تُمر يده على جسده بعد نفثه هو، وليس ذلك من الاسترقاء في شيء، وهي لم تقل: كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أى: أن أمسح جسده بجده، كما كان هو يفعل.
ولم يكن مِن هديه عليه الصلاة والسلام أن يَخُصَّ يوماً من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتاً من الأوقات، بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلاً ونهاراً، وفي سائر الأوقات. وفي ((المسند)) عنه: ((إذا عَادَ الرَّجُلُ أَخَاهُ المُسلِمَ مَشَى في خُرفَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ، غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإن كَانَ غُدوَةً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإن كَانَ مَسَاءً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ)). وفي لفظ ((ما مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِماً إلا بَعَثَ اللَهُ لَه سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يصَلّونَ عَلَيه أَيَّ ساعةٍ مِنَ النَّهار كانت حتَّى يُمْسِيَ، وأيَّ ساعَةٍ مِن الليلِ كانت حتَّى يُصْبِحَ)).
وكان يعود من الرمد وغيره، وكان أحياناً يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسحُ صدره وبطنه ويقول: ((اللَّهُمَّ اشْفِهِ)) وكان يمسح وجهه أيضاً.
وكان إذا يئس من المريض قال: ((إنا للهِ وإنَّا إليه رَاجِعُون)).
كان هديُه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكملَ الهدي، مخالفاً لهدي سائر الأمم، مشتمِلاً على الإِحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإِحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي لِلَّه وحدَه فيما يُعامل به الميت. وكان مِن هديه في الجنائز إقامةُ العبوديةِ للربِّ تبارك وتعالى على أكمل الأحوال، والإِحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى اللّه على أحسن أحواله وأفضلِها، ووقوفه ووقوف أصحابه صفوفاً يحمَدون اللّه ويستغفرون له، ويسألون له المغفرةَ والرحمةَ والتجاوزَ عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يُودِعُوهُ حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوجَ ما كان إليه، ثم يتعاهدُه بالزيارة له في قبره، والسلام عليه، والدعاء له كما يتعاهدُالحيُّ صاحِبَه في دار الدنيا.
فأول ذلك: تعاهدُه في مرضه، وتذكيرُه الآخرة، وأمرُه بالوصية، والتوبة، وأمرُ مَنْ حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا اللّه لتكون آخر كلامه، ثم النهى عن عادة الأمم التي لا تؤمِنُ بالبعث والنُّشور، مِن لطم الخدُود، وشقِّ الثياب، وحلقِ الرؤوس، ورفع الصوت بالنَّدب، والنِّياحة وتوابع ذلك.
وسَنَّ الخشوعَ للميت، والبكاءَ الذي لا صوت معه، وحُزْنَ القلب، وكان يفعل ذلك ويقول: ((تَدْمَعُ العينُ وَيَحْزَنُ القَلبُ وَلاَ نَقولُ إلا ما يُرضِي الرَّبَّ)).
وسَنَّ لأمته الحمد والاسترجاعَ، والرضى عن اللّه، ولم يكن ذلك منافياً لدمع العين وحُزنِ القلب، ولذلك كان أرضى الخلقِ عن اللّه في قضائه، وأعظمهم له حَمداً، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة به، ورحمة للولد، ورِقَّة عليه، والقلبُ ممتلئ بالرَضى عن اللّه عز وجل وشكره، واللسانُ مشتغل بذِكره وحمده.
ولما ضاق هذا المشهدُ والجمُع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده، جعل يضحك، فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟ قال: إنَّ اللّه تَعالى قَضى بقَضَاءٍ، فأحْبَبتُ أن أرضى بِقَضَائِهِ، فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا: كيف يبكي رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يومَ مات ابنُه إبراهيم وهو أرضى الخلقِ عن الله، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك، فسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: هَدْيُ نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمَلَ من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية حقها فاتسع قلبه للرضى عن اللّه، ولرحمة الولد، والرقَّةِ عليه، فحمِد اللّه، ورَضيَ عنه في قضائه، وبكى رحمةَ ورأفة، فحملته الرأفة على البكاء، وعبوديتُه للّه، ومحبته له على الرضى والحمد، وهذا العارفُ ضاق قلبُه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنُه لشهودهما والقيامِ بهما، فَشَغَلَتْهُ عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة.
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الإِسراعُ بتجهيز الميت إلى اللّه، وتطهيره، وتنظيفِه، وتطييبه، وتكفيِنه في الثياب البيض، ثم يؤتى به إليه، فيُصلِّي عليه بعد أن كان يُدعى إلى الميت عند احتضاره، فيُقيم عنده حتى يقضي، ثم يحضر تجهيزه، ثم يُصلِّي عليه، ويشيِّعه إلى قبره، ثم رأى الصحابةُ أن ذلك يشقُ عليه، فكانوا إذا قض الميتُ، دعوه، فحضر تجهيزه، وغسله، وتكفينَه. ثم رأوا أن ذلك يشقُّ عليه، فكانوا هم يُجهِّزون ميتهم، ويحملونه إليه صلى الله عليه وسلم على سريره، فيُصلي عليه خارِج المسجد.
ولم يكن من هديه الراتب الصلاةُ عليه في المسجد، وإنما كان يُصلي على الجنازة خارج المسجد، ورُبما كان يصلي أحياناً على الميت في المسجد، كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد ولكن لم يكن ذلك سنتَه وعادتَه،،، فقد روى أبو داود في ((سننه)) من حديث صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى على جَنَازَة في المَسْجِد فَلاَ شَيء له)). وقد اختلف في لفظ الحديث، فقال الخطيب في روايته لكتاب السنن: في الأصل ((فلا شَيءَ عَلَيْهِ)) وغيرُه يرويه ((فَلاَ شَيءَ لَهُ)) وقد رواه ابن ماجه في ((سننه)) ولفظه: ((فَلَيْسَ لَهُ شَيء)). ولكن قد ضعف الإِمام أحمد وغيره هذا الحديث، قال الإِمام أحمد: هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة، وقال البيهقي: هذا حديث يعدُّ في أفراد صالح، وحديث عائشة أصح منه، وصالح مختلَف في عدالته، كان مالك يجرحه، ثم ذكر عن أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما، أنه صُلِّي عليهما في المسجد.
قلت: وصالح ثقة في نفسه، كما قال عباس الدُّوري عن ابن معين: هو ثقة في نفسه. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت له: إن مالكاً تركه، فقال: إن مالكاً أدركه بعد أن خَرِفَ، والثوري إنما أدركه بعد أن خَرِفَ، فسمع منه، لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يَخرَفَ. وقال علي بن المديني: هو ثقة إلا أنه خَرِفَ وكَبِرَ فسمع منه الثوري بعد الخرف وسماع ابن أبي ذئب منه قبل ذلك. وقال ابن حبان: تغير في سنة خمس وعشرين ومائة، وجعل يأتي بما يُشبه الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز، فاستحق الترك انتهى كلامه.
وهذا الحديث: حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعه منه قديم قبل اختلاطه، فلا يكون اختلاطه موجباً لرد ما حدَّث به قبل الاختلاط. وقد سلك الطحاوي في حديث أبي هريرة هذا، وحديث عائشة مسلكاً آخر، فقال: صلاةُ النبي صلى الله عليه وسلم على سُهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وترك ذلك آخر الفعلين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا لِيفعلوه إلا لما علموا خلافَ ما نقلت. ورَد ذلك على الطحاوي جماعة، منهم: البيهقي وغيره. قال البيهقى: ولو كان عند أبي هريرة نسخُ ما روته عائشة، لذكره يوم صلِّيَ على أبي بكر الصديق في المسجد، ويوم صُلِّيَ على عمر بن الخطاب في المسجد، ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد، ولذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر، وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز، فلما روت فيه الخبر، سكتوا ولم يُنكروه، ولا عارضوه بغيره.
قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما صُلِّىَ عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإِنكار الدليلُ على جوازه، قال: ويحتمِل أن يكون معنى حديث أبي هريرة إن ثبت، متأولاً على نقصان الأجر، وذلك أن من صلى عليها في المسجد، فالغالبُ أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجنازة، فصلى عليها بحضرة المقابر، شهد دفنه، وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضاً على كثرة خُطاه، وصار الذي يُصلي عليه في المسجد منقوصَ الأجر بالإِضافة إلى من صلي عليه خارج المسجد.
وتأولت طائفة معنى قوله: ((فلا شيء له))، أي فلا شيء عليه، ليتحد معنى اللفظين، ولا يتناقضان كما قال تعالى: {وإن أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، أي: فعليها، فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولاً، وأن سُنَّته وهديه الصلاةُ على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. واللّه أعلم.
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تسجيةُ الميت إذا مات، وتغميضُ عينيه، وتغطيةُ وجهه وبدنه، وكان رُبما يُقبِّل الميت كما قبَّل عثمانَ بن مظعون وبكى وكذلك الصِّدِّيقُ أكبَّ عليه، فقبَّله بعد موته صلى الله عليه وسلم.
وكان يأمر بغسل الميت ثلاثاً أو خمساً، أو أكثر بحسب ما يراه الغاسِل، ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة، وكان لا يُغسَل الشهَداءَ قَتلَى المعركة، وذكر الإِمام أحمد، أنه نهى عن تغسيلهم، وكان ينزع عنهم الجلودَ والحديدَ ويَدفِنُهم في ثيابهم، ولم يُصلِّ عليهم.
وكان إذا مات المُحرِمُ، أمر أن يُغسل بماء وسِدْر، ويُكفن في ثوبيه وهما ثوبا إحرامه: إزاره ورداؤه، وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه وكان يأمر من ولي الميتَ أن يُحسن كفنه، ويُكفنه في البياض، وينهى عن المغالاة في الكفن، وكان إذا قصَّرَ الكفنُ عن سَتر جميع البدن، غطَّى رأسه، وجعل على رجليه من العُشب.
فصل
وكان إذا قُدِّم إليه ميت يُصلِّي عليه، سأل: هل عليه دَين، أم لا؟ فإن لم يكن عليه دَين، صلَّى عليه، وإن كان عليه دين، لم يصل عليه، وأذِن لأصحابه أن يُصلوا عليه، فإن صلاته شفاعة، وشفاعتُه موجبة، والعبد مرتَهَنٌ بدَينه، ولا يدخل الجنة حتى يُقضى عنه، فلما فتح اللّه عليه، كان يُصلي على المدِين، ويتحمَّل دينه، ويدع ماله لورثته
فإذا أخذ في الصلاة عليه، كبر وحَمِدَ اللّه وَأَثنَى عَليْهِ، وصلى ابن عباس على جنازة، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب جهراً، وقال: ((لِتَعْلَمُوا أنها سُنَّة)) وكذلك قال أبو أُمامة بنُ سهل: إنَّ قراءة الفاتحة في الأولى سنَّة. ويُذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أمر أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. ولا يصح إسناده. قال شيخنا: لا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هى سنة، وذكر أبو أمامة بنُ سهل، عن جماعة من الصحابة، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة، أنه سأل عُبادَة بنَ الصامت عن الصلاة على الجنازة فقال: أنا واللَّهِ أُخبرُك: تبدأ فتكبِّر، ثُمَّ تُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتَقُول: اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَكَ فَلاناً كَانَ لا يُشْرِكُ بِك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، إنْ كَانَ مُحْسِناً، فَزِدْ في إحسَانِهِ، وإنْ كَانَ مُسِيئاً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمً لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تُضِلَّنَا بَعَدَهُ.
فصل
ومقصودُ الصلاة على الجنازة: هو الدعاء للميت، لذلك حفظَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونُقِلَ عنه ما لم يُنقل مِنْ قراءة الفاتِحة والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
فحُفِظَ من دعائه: ((اللَّهُمَّ اغفِرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، وعَافِهِ، واعَفُ عَنهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَه، وَوَسِّعْ مَدْخَلَه، واغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ مَنَ الخطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ دَارَاً خَيْراً مِنْ دَارِه، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأَدْخِلْهُ الجَنةَ، وَأَعِذْهُ مِن عَذَابِ القَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَارِ)).
وحُفِظَ من دعائه: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا، وكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحيَيْتَهُ مِنَّا، فأَحْيهِ عَلَى الإِسْلاَم، وَمَنْ تَوفَّيْتَهُ مِنَّا، فَتَوَفَّه عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفتِنَّا بَعْدَهُ)).
وحُفِظَ مِن دعائه: ((اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ في ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مَنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّار، فأَنْتَ أَهْلُ الوَفَاءِ وَالحَق، فَاغفِرْ لَهُ وَارْحَمهُ، إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)).
وحُفِظَ مِن دعائه أيضاً: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنتَ رَزَقْتَهَا، وأَنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلامِ، وَأَنْتَ قَبضْتَ رُوحَهَا، وتَعْلَمُ سِرَّهَا وَعَلانِيَتَهَا، جئْنَا شفَعَاءَ فَاغفِرْ لَهَا)).
وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بإخلاص الدعاء للميت، وكان يُكبرِّ أربعَ تكبيرات، وصح عنه أنه كبَّر خمساً، وكان الصحابة بعده يُكبِّرون أربعاً، وخمساً، وستاً، فكبَّر زيد بن أرقم خمساً، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبرها، ذكره مسلم.
وكبر علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه على سهل بن حُنيف ستاً، وكان يُكبر على أهل بدر ستاً، وعلى غيرهم من الصحابة خمساً، وعلى سائر الناس أربعاً، ذكره الدارقطني.
وذكر سعيد بنُ منصور، عن الحكم بن عُتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمساً، وستاً، وسبعاً. وهذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابُه من بعده.
والذين منعوا من الزيادة على الأربع، مِنهم من احتج بحديث ابن عباس، أن آخر جنازة صلَّى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، كبَّرَ أربعاً قالوا: وهذا آخر الأمرين، وإنما يؤخذ بالآخِر، فالآخر مِن فعله صلى الله عليه وسلم هذا. وهذا الحديثُ، قد قال الخلال في ((العلل)): أخبرني حرب: قال: سئل الإِمام أحمد عن حديث أبي المليح، عن ميمون، عن ابن عباس، فذكر الحديث. فقال أحمد: هذا كذب ليس له أصل، إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث. واحتجوا بأن ميمون بن مهران روى عن ابن عباس، أن الملائكة لما صلَت على آدم عليه الصلاة والسلام، كبَّرت عليه أربعاً، وقالوا: تِلك سنتكم يا بني آدم. وهذا الحديث قد قال في الأثرم: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة، فسمعتُ أبا عبد اللّه قال: رأيت أحاديثه موضوعة، فذكر منها عن أبي المليح، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن الملائكة لما صلَّت على آدم، كبَّرت عليه أربعاً، واستعظمه أبو عبد الله وقال: أبو المليح كان أصح حديثاً وأتقى لله من أن يَرويَ مثلَ هذا.
واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى، عن أبيّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الملائكة لما صلَّت على آدم، فكبرت عليه أربعاً، وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم، وهذا لا يصح وقد روي مرفوعاً وموقوفاً.
وكان أصحاب معاذ يُكبِّرون خمساً، قال علقمة: قلتُ لعبد اللّه: إن ناساً من أصحاب معاذ قدموا من الشام، فكبَّروا على ميت لهم خمساً، فقال عبد اللّه: ليسَ على المِّيت في التكبير وقتٌ، كبِّر ما كبَّرَ الإِمام، فإذا انصرفَ الإمام فانصرِفْ.
فصل
وأما هديه صلى الله عليه وسلم في التسليم من صلاة الجنازة. فروي عنه: إنه كان يسلِّم واحدة. وروي عنه: أنه كان يسلم تسليمتين.
فروى البيهقي وغيره، من حديث المقبُري، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، فكبر أربعاَ، وسلم تسليمة واحدة لكن قال الإِمام أحمد في رواية الأثرم: هذا الحديث عندي موضوع، ذكره الخلال في ((العلل)) وقال إبرهيم الهجري: حدَّثنا عبد اللّه بن أبي أوفى: إنه صلى على جنازة ابنته، فكبر أربعاً، فمكث ساعة حتى ظننا أنه يكبر خمساً، ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف، قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يصنعُ، أو هكذا صنع رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم. قال ابن مسعود: ثلاثُ خِلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفعلهن تركهُنَّ الناسُ، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة، ذكرهما البيهقي. ولكن إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري، ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو حاتم، وحديثه هذا، قد رواه الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان عنه وقال: كبّر عليها أربعاً، ثم قام ساعة، فسبَّح به القومُ فسلم، ثم قال: كنتم ترون أن أزيد على أربع، وقد رأيتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كبر أربعاً، ولم يقل: ثم سلَم عن يمينه وشماله. ورواه ابن ماجه من حديث المحاربي عنه كذلك، ولم يقل: ثم سَلَّمَ عن يمينه وشماله.
وذِكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها شريك عنه. قال البيهقي: ثم عزاه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في التكبير فقط، أو في التكبير وغيره.
قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك، أنه كان يسلم واحدة، ذكره الإِمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم، قيل لأبي عبد اللّه، أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين؟ قال: لا، ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمةً واحدة خفيفةً عن يمينه، فذكر ابنَ عمر، وابنَ عباس، وأبا هريرة، وواثِلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وزاد البيهقي: علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف، فهؤلاء عشرة من الصحابة، وأبو أمامة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وسماه باسم جده لأمه أبي أمامة: أسعد بن زرارة، وهو معدود في الصحابة ومن كبار التابعين.
وأما رفع اليدين، فقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كل تكبيرة كبَّرها في الصلاة وهو قائم.
قلت: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر، وأنس بن مالك، أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبَّرا على الجنازة ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يرفع يديه في أول التكبير، ويضع اليمنى على اليسرى، ذكره البيهقي في السنن.
وفي الترمذي من حديث أبي هُريرة،((أن النبي صلى الله عليه وسلم، وضع يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة))، وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرهاوى.
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة على الجنازة، صلى على القبر، فصلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يُوقت في ذلك وقتاً.
قال أحمد رحمه اللّه: من يشكُّ في الصلاة على القبر؟! ويُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا فاتته الجنازةُ، صلى على القبر من ستة أوجه كُلُها حِسَان، فحدَّ الإِمام أحمد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعده، وحدَّه الشافعي رحمه الله، بما إذا لم يَبْلَ الميت، ومنع منها مالكٌ وأبو حنيفة رحمهما اللّه إلا لِلوليِّ إذا كان غائباً.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقومُ عند رأس الرجل وَوَسْطِ المرأة.
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الصلاةُ على الطفل، فصح عنه أنه قال: ((الطِّفْل يُصَلى عَلَيْهِ)).
وفي ((سنن ابن ماجه)) مرفوعاً، ((صلُوا على أَطْفَالِكُم، فإنَّهم مِنْ أَفْراطِكُم)).
قال أحمد بن أبي عبدة: سألتُ أحمد: متى يَجِبُ أن يُصلى على السِّقط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه يُنفخ فيه الروح.
قلتُ: فحديث المغيرة بن شعبة ((الطفل يُصلى عليه))؟ قال: صحيح مرفوع، قلتُ: ليس في هذا بيانُ الأربعة الأشهر ولا غيرها؟ قال: قد قاله سعيد بن المسيِّب.
فإن قيل: فهل صلى النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم يوم مات؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فروى أبو داود في ((سننه)) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: مات إبراهيمُ بن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية عشر شهراً، فلم يصلىِ عليه رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم.
قال الإِمام أحمد: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثني أبي عن ابن إسحاق حدَّثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة... فذكره.
وقال أحمد في رواية حنبل: هذا حديث منكر جداً، ووهَّى ابنَ إسحاق.
وقال الخلال: وقرئ على عبد اللّه: حدَّثني أبي، حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا إسرائيل، قال: حدثنا جابر الجعفي، عن عامر، عن البراء بن عازب، قال: صلَّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم ومات وهو ابنُ ستة عشر شهرا.
وذكر أبو داود عن البهي، قال: لما مات إبراهيمُ بن رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم، صلَّى عليه رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم في المقاعد وهو مرسل، والبهي اسمه عبد اللّه بن يسار كوفي.
وذكر عن عطاء بن أبي رباح، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على ابنه إبراهيم وهو ابنُ سبعين ليلة وهذا مرسل وهم فيه عطاء، فإنه قد كان تجاوز السنة.
فاختلف الناسُ في هذه الآثار، فمنهم من أثبت الصلاة عليه، ومنع صحةَ حديثِ عائشة، كما قال الإِمام أحمد وغيرُه: قالوا: وهذه المراسيلُ، مع حديث البراء، يشدُّ بعضُها بعضاً، ومنهم من ضعَّف حديثَ البراء بجابر الجعفي، وضعف هذه المراسيل وقال: حديث ابن إسحاق أصح منها.
ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يُصلِّ عليه، فقالت طائفةٌ: استغنى ببنوة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن قُرْبة الصلاة التي هي شفاعة له، كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه.
وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه.
وقالت طائفةٌ: لا تعارض بين هذه الآثار، فإنه أمر بالصلاة عليه، فقيل: صُلِّي عليه، ولم يُباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، وقيل: لم يُصل عليه، وقالت فرقة: رواية المثبت أولى، لأن معه زيادة علم، وإذا تعارض النفي والإِثبات، قُدَم الإِثبات.
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم، أنَّه لا يُصلِّي على مَن قتل نفسه، ولا على مَنْ غَلَّ من الغنيمةُ.
واختلف عنه في الصلاة على المقتُولِ حداً، كالزاني المرجوم، فصح عنه أنه صلى الله عليه وسلم صلى على الجهنية التي رجمها، فقال عمر: تُصلِّي عليها يا رسولَ الله وقد زَنَتْ؟ فقال: ((لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لو قُسِمَتْ بين سَبْعِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهم، وهَل وَجَدْتَ تَوْبَةً أفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لله تعالى)). ذكره مسلم.
وذكر البخاري في ((صحيحه))، قصة ماعِز بنِ مالك وقال: فقالَ له النبيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْراً وَصَلَّى عَلَيْهِ وقد اختلِفَ على الزهري في ذكر الصلاة عليه، فأثبتها محمودُ بن غيلان، عن عبد الرزاق عنه، وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق، فلم يذكروها، وهم: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذُهلي، ونوح بن حبيب، والحسنُ بن علي، ومحمَّدُ بن المتوكل، وحُميد بن زنجويه، وأحمد بن منصور الرمادي.
قال البيهقي: وقول محمود بن غيلان: إنه صلى عليه، خطأ لإِجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه.
وقد اختلف في قصة ماعز بن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: ما استغفر له ولا سَبَّه، وقال بُريدة بن الحصيب: إنه قال: ((اسْتَغْفِروا لِمَاعِز بن مَالِك)). فقالوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ. ذكرهما مسلم. وقال جابر: فصلَّى عليه، ذكره البخاري، وهو حديث عبد الرزاق المعلَّل، وقال أبو برزة الأسلمي: لم يُصلِّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينهَ عنِ الصلاة عليه، ذكره أبو داود.
قلتُ: حديث الغامدية، لم يختلف فيه أنه صلَّى عليها. وحديثُ ماعز، إما أن يقال: لا تعارض بين ألفاظه، فإن الصلاة فيه. هي دعاؤُه له بأن يَغفِرَ اللّه له، وتركَ الصلاة فيه هي تركه الصلاةَ على جنازته تأديباً وتحذيراً، وإما أن يُقال: إذا تعارضتْ ألفاظه، عدِلَ عنه إلى حديث الغامِدية.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى على ميت، تبِعه إلى المقابر ماشياً أمامه.
وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين مِن بعده، وسنَّ لمن تبعها إن كان راكباً أن يكون وراءها، وإن كان ماشياً أن يكون قريباً منها، إمَّا خلفها، أو أمامها، أو عن يمينها، أو عن شمالها. وكان يأمر بالإِسراع بها، حتى إن كانوا ليَرمُلُون بها رَمَلاً، وأما دبيب الناسِ اليومَ خُطوة خُطوة، فبدعة مكروهة مخالِفة للسنة، ومتضمِّنة للتشبُّه بأهل الكتاب اليهود. وكان أبو بكر يرفع السوطَ على من يفعل ذلك، ويقول: لقد رأيتنا ونحنُ مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نَرْمُلُ رملاً.
قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة، فقال: ((ما دُونَ الخَببِ)) رواه أهل السنن وكان يمشي إذا تَبعَ الجنازة ويقول ((لم أكُن لأَركَبَ والمَلائِكَةُ يَمْشون)). فإذا انصرف عنها، فربَّما مشى، وربَما ركِب.
وكان إذا تَبِعها، لم يجلِسْ حتى تُوضع، وقال ((إذا تَبِعتُم الجِنَازَة، فلا،: تَجْلِسُوا حتى توضعَ)).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه اللّه: والمراد: وضعُها بالأرض. قلت: قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوريُّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: وفيه ((حَتَّى تُوضَعَ بالأَرض)) ورواه أبو معاوية، عن سهيل وقال: ((حتَّى تُوضَعَ في اللَّحْدِ)). قال: وسفيان أحفظُ من أبي معاوية، وقد روى أبو داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت، قال: كانَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضعَ في اللحد لكن في إسناده بِشرُ بن رافع، قال الترمذي: ليس بالقويِّ في الحديث، وقال البخاري: لا يُتابع على حديثه، وقال أحمد: ضعيف، وقال ابن معين: حدث بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حِبان: يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمِّدُ لها.
فصل
ولم يكن مِن هديه وسنته صلى الله عليه وسلم الصلاة على كُلِّ ميت غائب.
فقد مات خلق كثيرٌ من المسلمين وهم غُيَّب، فلم يُصلِّ عليهم، وصح عنه: أنه صلَّى على النجاشي صلاته على الميت، فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق، أحدها: أن هذا تشريعٌ منه، وسنةٌ للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قولُ الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليسَ ذلك لغيره، قال أصحابُهما: ومِن الجائز أن يكون رُفعَ له سريرُه فصلَّى عليه وهو يرى صلاتَه على الحاضر المشاهَد، وإن كان على مسافة من البعد، والصحابة وإن لم يروه، فهم تابعون للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا، أنه لم يُنقَل عنه أنه كان يُصلي على كلِّ الغائبين غيرَه، وتركُه سنة، كما أن فِعله سُنَّةٌ، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يُعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويُرفع له حتى يُصلِّيَ عليه، فَعُلِمَ أن ذلك مخصوص به. وقد روي عنه، أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب، ولكن لا يصح، فإن في إسناده العلاء بن زيد، ويقال: ابن زيد، قال علي بن المديني: كان يضع الحديث، ورواه محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال البخاريَ: لا يتابع عليه.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: الصواب: أن الغائبَ إن مات ببلد لم يُصلّ عليه فيه، صُلِّيَ عليه صلاة الغائب، كما صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، لأنه مات بين الكفار ولم يُصلَّ عليه، وإن صلِّيَ عليه حيثُ مات، لم يُصلَّ عليه صلاة الغائب، لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم، صلى على الغائب، وتركه، وفِعلُه، وتركُه سنة، وهذا له موضع، وهذا له موضع، واللّه أعلم، والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحها: هذا التفصيلُ، والمشهور عند أصحابه: الصلاة عليه مطلقاً.
فصل
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قام للجنازة لما مرَّت به، وأمرَ بالقيامِ لها، وصح عنه أنه قعد، فاخْتُلِفَ في ذلك، فقيل: القيامُ منسوخ، والقعودُ آخر الأمرين، وقيل. بل الأمران جائزان، وفِعلُه بيان للاستحباب، وتركُه بيان للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ.
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم، ألاَّ يدفن الميت عند طلوع الشَّمس، ولا عند غروبِها، ولا حين يَقُوم قائمُ الظهيرة وكَانَ مِن هديه اللَّحدُ وتعميقُ القبر وتوسيعُه مِن عِند رأس الميت ورجليه، ويُذكرُ عنه، أنه كان إذا وضع الميِّتَ في القبر قال ((بسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَعَلى مِلَّةِ رَسُولِ الله)). وفي رواية: ((بِسْم اللَهِ، وَفي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ))
ويُذكر عنه أيضاً أنه كان يحثُوا التراب على قبر الميت إذا دُفِنَ مِنْ قِبَلَ رأسِه ثلاثاً.
وكان إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه، وسَأَلَ له التَّثبِيتَ، وأمَرَهُم أن يَسْأَلُوا لَهُ التَّثبِيتَ.
ولم يكن يجلِس يقرأ عند القبر، ولا يُلقِّن الميت كما يفعله الناس اليوم، وأما الحديث الذي رواه الطبراني في ((معجمه)) من حديث أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُم فَسَوَّيْتمُ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فليقم أَحَدكم عَلَى رَأسِ قَبْرِهِ ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلان، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلاَ يجيب، ثَّم يَقُول: يا فلانَ بنَ فلانَة، فإنَّه يَسْتَوي قَاعِداً، ثُمَّ يَقُول: يَا فُلانَ بنَ فُلانَة، فإنَّه يَقولُ: أَرشِدنَا يَرْحَمكَ الله ولَكِنْ لاَ تَشْعُرونَ، ثُمَّ يَقُولُ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيهِ مِنَ الدُّنْيَا: شَهَادَةَ أَنْ لاَ إِلهَ إلاَّ اللَّهُ، وأَنَ محَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسولُه، وَأَنّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبَّاً، وبالإِسْلاَمِ دِيناً، وبِمُحَمَّد نَبِيّاً، وبِالْقُرْآنِ إمَاماً، فإنَّ مُنكَراً وَنَكِيراً يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِق بِنا مَا نَقْعُد عِنْدَ مَنْ لقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكونُ اللَّهُ حَجِيجَهَ دُونَهُمَا. فَقَالَ رجلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنْ لَمْ يَعرِفْ أُمَّه؟ قَال: فَيُنْسِبُه إلى حَوَّاء: يا فُلان بن حَوَّاء)). فهذا حديث لا يصح رفعُه، ولكن قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد اللّه: فهذا الذي يصنعونه إذا دُفِنَ الميتُ يقِفُ الرجلُ ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ما فارقت عليه الدنيا: شهادةِ أَن لا إله إلا الله. فقال: ما رأيتُ أحداً فعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقالَ ذلك، وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه، وكان ابن عياش يروي فيه.
قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبى أمامة.
وقد ذكر سعيد بن منصور في ((سننه)) عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحكيم بن عمير، قالوا: إذا سُوِّيَ على الميِّت قبرُه، وانصرف الناسُ عنه، فكانوا يستحِبُّون أن يُقال للميت عند قبره: يا فلانُ! قل: لا إله إلاّ اللّه، أشهدُ أن لا إله إلا الله ثلاثَ مرات، يا فلانُ ! قل: ربي اللَّهُ وديني الإِسلامُ، نبيِّيَ محمد، ثم ينصرف.
فصل
ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم، تعليةُ القبور ولا بناؤها بآجر، ولا بحجَر ولَبِن، ولا تشييدُها، ولا تطيينُها، ولا بناءُ القباب عليها، فكُلُّ هذا بدعة مكروهة، مخالفةٌ لهديه صلى الله عليه وسلم وقد بَعثَ عليّ بن أبي طَالب رضي اللّه عنه إلىَ اليمن، ألاَّ يَدَع تمْثًالاً إلا طمَسَه، وَلاَ قَبْرَاً مُشْرِفاً إلا سَوَّاه، فسنتُه صلى الله عليه وسلم تسويةُ هذه القبور المُشرفة كلِّها، ونهى أن يُجصص القبرُ، وأن يُبنى عليه، وأن يكتبَ عليه.
وكانت قبور أصحابه لا مُشرِفة، ولا لاطئة، وهكذا كان قبرُه الكريمُ، وقبرُ صاحبيه، فقبرُه صلى الله عليه وسلم مُسَنَّم مَبْطوحٌ ببطحاء العرَصة الحمراء لا مبني ولا مطين، وهكذا كان قبر صاحبيه.
وكان يعلم قبرَ مَنْ يريدُ تعرَّفَ قَبرِه بصخرة.
فصل
ونهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبورِ مساجد، وإيقادِ السُّرج عليها، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، ونهى عن الصلاة إلى القُبور، ونهى أمته أن يتخِذوا قبرَه عيداً، ولعن زوَّراتِ القبور وكان هديُهُ أن لا تُهان القبورُ وتُوطأ، وألا يُجلَس عليها، ويُتكأ عليها ولا تُعظَّم بحيث تُتَّخذُ مساجِدَ فيُصلَّى عندها وإليها، وتُتخذ أعياداً وأوثاناً.



عدد المشاهدات *:
14791
عدد مرات التنزيل *:
125811
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 21 ماي 2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 06/02/2015

الكتب العلمية

روابط تنزيل : فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية