اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الأربعاء 9 رمضان 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

أمرنا

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني
المجلد الثالث عشر
كتاب الإعتصام بالسنة
باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ
باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ 2
فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني
عبد البر عن رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته، لا يسألني أحد عن شيء إلا أخبرته، ولو سألني عن أبيه، فقام عبد الله بن حذافة وذكر فيه عتاب أمه له وجوابه. وذكر فيه: "فقام رحل فسأل عن الحج " فذكره وفيه فقام سعد مولى شيبة فقال: من أنا يا رسول الله؟ قال أنت سعد بن سالم مولى شيبة، وفيه فقام رجل من بني أسد فقال: أين أنا؟ قال في النار. فذكر قصة عمر قال: فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} الآية " ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال وكثرة السؤال " وبهذه الزيادة يتضح أن هذه القصة سبب نزول {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} فإن المساءة في حق هذا جاءت صريحة، بخلافها في حق عبد الله بن حذافة فإنها بطريق الجواز، أي لو قدر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه فبين أباه الحقيقي لافتضحت أمه، كما صرحت بذلك أمه حين عاتبته على هذا السؤال كما تقدم في " كتاب الفتن". قوله: "فلما رأى عمر ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب" بين في حديث أنس أن الصحابة كلهم فهموا ذلك، ففي رواية هشام " فإذا كل رجل لافا رأسه في ثوبه يبكي " وزاد في رواية سعيد ابن بشير " وظنوا أن ذلك بين يدي أمر قد حضر " وفي رواية موسى بن أنس عن أنس الماضية في تفسير المائدة " فغضوا رءوسهم لهم حنين " زاد مسلم من هذا الوجه " فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كان أشد منه". قوله: "فقال: إنا نتوب إلى الله عز وجل" زاد في رواية الزهري " فبرك عمر على ركبته فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا " وفي رواية قتادة من الزيادة " نعوذ بالله من شر الفتن " وفي مرسل السدي عند الطبري في نحو هذه القصة " فقام إليه عمر فقبل رجله وقال: رضينا بالله ربا". فذكر مثله وزاد: "وبالقرآن إماما، فاعف عفا الله عنك فلم يزل به حتى رضي " وفي هذا الحديث غير ما يتعلق بالترجمة، مراقبة الصحابة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وشدة إشفاقهم إذا غضب، خشية أن يكون لأمر يعم فيعمهم، وإدلال عمر عليه، وجواز تقبيل رجل الرجل، وجواز الغضب في الموعظة، وبروك الطالب بين يدي من يستفيد منه، وكذا التابع بين يدي المتبوع إذا سأله في حاجة، ومشروعية التعوذ من الفتن عند وجود شيء قد يظهر منه قرينة وقوعها، واستعمال المزاوجة في الدعاء في قوله: "اعف عفا الله عنك " وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم معفو عنه قبل ذلك. قال ابن عبد البر سئل مالك عن معنى النهي عن كثرة السؤال، فقال ما أدري أنهى عن الذي أنتم فيه من السؤال عن النوازل، أو عن مسألة الناس المال، قال ابن عبد البر: الظاهر الأول، وأما الثاني فلا معنى للتفرقة بين كثرته وقلته لا حيث يجوز ولا حيث لا يجوز قال: وقيل كانوا يسألون عن الشيء ويلحون فيه إلى أن يحرم، قال: وأكثر العلماء على أن المراد كثرة السؤال عن النوازل والأغلوطات والتوليدات كذا قال: وقد تقدم الإلمام بشيء من ذلك في " كتاب العلم". وله: "حدثنا موسى" هو ابن إسماعيل و " عبد الملك " هو ابن عمير. قوله: "وكتب إليه" هو معطوف على قوله: "فكتب إليه " وهو موصول بالسند المذكور، وقد أفرد كثير من الرواة أحد الحديثين عن الآخر، والغرض من إيراده هنا أنه كان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال، وقد تقدم البحث في المراد بكثرة السؤال في " كتاب الرقاق " هل هو خاص بالمال أو بالأحكام أو لأعم من ذلك والأولى حمله على العموم لكن فيما ليس للسائل به احتياج كما تقدم ذكره، وتقدم شرح الحديث الأول في الدعوات، والثاني في الرقاق. قوله: "عن أنس كنا عند عمر فقال: نهينا عن التكلف" هكذا أورده مختصرا. وذكر الحميدي أنه جاء في رواية أخرى عن ثابت عن أنس أن عمر قرأ: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} فقال: ما الأب؟ ثم قال ما كلفنا أو قال ما أمرنا بهذا.
(13/270)

بهذا.قلت: هو عند الإسماعيلي من رواية هشام عن ثابت وأخرجه من طريق يونس ابن عبيد عن ثابت بلفظ: "أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: {َفَاكِهَةً وَأَبّاً} ما الأب؟ فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف " وهذا أولى أن يكمل به الحديث الذي أخرجه البخاري، وأولى منه ما أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي مسلم الكجي عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه، ولفظه عن أنس: "كنا عند عمر وعليه قميص في ظهره أربع رقاع، فقرأ: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم قال: مه نهينا عن التكلف " وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن سليمان بن حرب بهذا السند مثله سواء، وأخرجه أيضا عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة بدل حماد بن زيد. وقال بعد قوله فما الأب، ثم قال: يا ابن أم عمر إن هذا لهو التكلف وما عليك أن لا تدرى ما الأب. وسليمان بن حرب سمع من الحمادين لكنه اختص بحماد بن زيد فإذا أطلق قوله حدثنا حماد فهو ابن زيد وإذا روى عن حماد بن سلمة نسبه. وأخرج عبد بن حميد أيضا من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أنس أنه أخبره أنه سمع عمر يقول: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً} الآية، إلى قوله وأبا قال كل هذا قد عرفناه فما الأب؟ ثم رمى عصا كانت في يده ثم قال: هذا لعمر الله التكلف " اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب " وأخرجه الطبري من وجهين آخرين عن الزهري وقال في آخره: "اتبعوا ما بين لكم في الكتاب " وفي لفظ: "ما بين لكم فعليكم به ومالا فدعوه " وأخرج عبد بن حميد أيضا من طريق إبراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن زيد " أن رجلا سأل عمر عن فاكهة وأبا فلما رآهم عمر يقولون أقبل عليهم بالدرة " ومن وجه آخر عن إبراهيم النخعي قال: "قرأ أبو بكر الصديق وفاكهة وأبا فقيل ما الأب؟ فقيل كذا وكذا فقال أبو بكر إن هذا لهو التكلف، أي أرض تقلني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم " وهذا منقطع بين النخعي والصديق وأخرج أيضا من طريق إبراهيم التيمي " أن أبا بكر سئل عن الأب ما هو فقال: أي سماء تظلني " فذكر مثله، وهو منقطع أيضا لكن أحدهما يقوي الآخر وأخرج الحاكم في تفسير آل عمران من المستدرك من طريق حميد عن أنس قال: قرأ عمر " وفاكهة وأبا " فقال بعضهم كذا وقال بعضهم كذا فقال عمر: دعونا من هذا آمنا به كل من عند ربنا. وأخرج الطبري من طريق موسى ابن أنس نحوه ومن طريق معاوية بن قرة ومن طريق قتادة كلاهما عن أنس كذلك وقد جاء أن ابن عباس فسر " الأب " عند عمر فأخرج عبد بن حميد أيضا من طريق سعيد بن جبير قال: كان عمر يدنى ابن عباس فذكر نحو القصة الماضية في تفسير {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} وفي آخرها وقال تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً} إلى قوله: {وَأَبّاً} قال: فالسبعة رزق لبني آدم " والأب ما تأكل الأنعام " ولم يذكر أن عمر أنكر عليه ذلك وأخرج الطبري بسند صحيح عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال: "الأب ما تنبته الأرض مما تأكله الدواب، ولا يأكله الناس " وأخرج عن عدة من التابعين نحو، ثم أخرج من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس بسند صحيح قال: "الأب الثمار الرطبة " وهذا أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ: {وفاكهة وأبا } قال: الثمار الرطبة، وكأنه سقط منه واليابسة، فقد أخرج أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس بسند حسن " الأب الحشيش للبهائم " وفيه قول آخر أخرجاه من طريق عطاء قال: كل شيء ينبت على وجه الأرض فهو أب، فعلى هذا فهو من العام بعد الخاص، ومن طريق الضحاك قال: الأب كل شيء أنبتت الأرض سوى الفاكهة، وهذا أعم من الأول، وذكر بعض أهل اللغة أن الأب مطلق المرعى، واستشهد بقول الشاعر:
(13/271)

له دعوة ميمونة ريحها الصبا ... بها ينبت الله الحصيدة والأبا
وقيل الأب " يابس الفاكهة " وقيل إنه ليس بعربي، ويؤيده خفاؤه على مثل أبي بكر وعمر. "تنبيه": في إخراج البخاري هذا الحديث في آخر الباب مصير منه إلى أن قول الصحابي " أمرنا ونهينا " في حكم المرفوع ولو لم يضفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم اقتصر على قوله: "نهينا عن التكلف " وحذف القصة. حديث أنس وهو في معنى الحديث الرابع، وقد مضى شرحه أورده من وجهين عن الزهري وساقه هنا على لفظ معمر، وفي باب وقت الظهر من " كتاب الصلاة " بلفظ شعيب وهما متقاربان، ووقع هنا " فأكثر الأنصار البكاء " في رواية الكشميهني. وفي رواية غيره: "فأكثر الناس " وهي الصواب، وكذا وقع في رواية معمر وغيره ووقع هنا " فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أمورا عظاما " وفي رواية شعيب، وذكر أن فيها أمورا عظاما وزاد هنا " فقام رجل فقال: أين مدخلي " إلخ، ووقع هنا " وبمحمد رسولا " وفي رواية شعيب " ومحمد نبيا " ووقع هنا " فسكت حين قال ذلك عمر ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أولى " وسقط هذا كله من رواية شعيب قال المبرد: يقال للرجل إذا أفلت من معضلة أولى لك، أي كدت تهلك. وقال غيره هي بمعنى التهديد والوعيد. حديث أنس أيضا من رواية ابنه موسى عنه وأورده مختصرا وقد تقدم ما فيه. قوله: "ورقاء" بقاف ممدود هو ابن عمر اليشكري وشيخه " عبد الله بن عبد الرحمن " هو ابن معمر بن حزم الأنصاري أبو طوالة بضم الطاء المهملة مشهور بكنيته. قوله: "لن يبرح الناس يتساءلون" في رواية المستملي: "يسألون " وعند مسلم في رواية عروة عن أبي هريرة " لا يزال الناس يتساءلون". قوله: "هذا الله خالق كل شيء" في رواية عروة " هذا خلق الله الخلق " ولمسلم أيضا وهو في رواية البخاري في بدء الخلق من رواية عروة أيضا: "يأتي الشيطان العبد أو أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول من خلق ربك؟ " وفي لفظ لمسلم: "من خلق السماء من خلق الأرض؟ فيقول الله " ولأحمد والطبراني من حديث خزيمة ابن ثابت مثله، ولمسلم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة " حتى يقولوا هذا الله خلقنا " وله في رواية يزيد ابن الأصم عنه " حتى يقولوا الله خلق كل شيء " وفي رواية المختار بن فلفل عن أنس " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل إن أمتك لا تزال تقول ما كذا وكذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق " وللبزار من وجه آخر عن أبي هريرة " لا يزال الناس يقولون كان الله قبل كل شيء فمن قبله " قال التوربشتي، قوله: "هذا خلق الله الخلق " يحتمل أن يكون هذا مفعولا والمعنى حتى يقال هذا القول وأن يكون مبتدأ حذف خبره، أي هذا الأمر قد علم، وعلى اللفظ الأول يعني رواية أنس عند مسلم: "هذا الله " مبتدأ وخبر أو " هذا " مبتدأ و " الله " عطف بيان و " خلق الخلق " خبره قال الطيبي: والأول أولى، ولكن تقديره هذا مقرر معلوم وهو أن الله خلق الخلق وهو شيء، وكل شيء مخلوق فمن خلقه فيظهر ترتيب ما بعد الفاء على ما قبلها. قوله: "فمن خلق الله" في رواية بدء الخلق " من خلق ربك " وزاد فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته، وفي لفظ لمسلم: "فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله " وزاد في أخرى و " رسله " ولأبي داود والنسائي من الزيادة فقولوا {للَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} السورة " ثم ليتفل عن يساره ثم ليستعذ " ولأحمد من حديث: "عائشة فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله " فإن ذلك يذهب عنه، ولمسلم في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة نحو الأول وزاد: "فبينما أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب " فذكر سؤالهم عن ذلك وأنه رماهم بالحصا وقال: "صدق خليلي " وله في
(13/272)

رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة " صدق الله ورسوله " قال ابن بطال: في حديث أنس الإشارة إلى ذم كثرة السؤال لأنها تفضي إلى المحذور كالسؤال المذكور، فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط، وقد ورد بزيادة من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق الله، فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل آمنت بالله " وفي رواية: "ذاك صريح الإيمان " ولعل هذا هو الذي أراد الصحابي فيما أخرجه أبو داود من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: "جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه فقالوا: يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا وأنا تكلمنا به، فقال أو قد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان " ولابن أبي شيبة من حديث ابن عباس " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحدث نفسي بالأمر لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به " قال: "الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة " ثم نقل الخطابي المراد بصريح الإيمان هو الذي يعظم في نفوسهم إن تكلموا به، ويمنعهم من قبول ما يلقى الشيطان، فلولا ذلك لم يتعاظم في أنفسهم حتى أنكروه، وليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان بل هي من قبل الشيطان وكيده. وقال الطيبي: قوله: "نجد في أنفسنا الشيء " أي القبيح، نحو ما تقدم في حديث أنس وأبي هريرة، وقوله: "يعظم أن نتكلم به " أي للعلم بأنه لا يليق أن نعتقده، وقوله: "ذاك صريح الإيمان " أي علمكم بقبيح تلك الوساوس وامتناع قبولكم ووجودكم النفرة عنها دليل على خلوص إيمانكم، فإن الكافر يصر على ما في قلبه من المحال ولا ينفر عنه، وقوله في الحديث الآخر " فليستعذ بالله ولينته " أي يترك التفكر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التفكر، والحكمة في ذلك أن العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوسه الشيطان أمر ضروري لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة، فإن وقع شيء من ذلك فهو من وسوسة الشيطان وهي غير متناهية فمهما عورض بحجة يجد مسلكا آخر من المغالطة والاسترسال فيضيع الوقت إن سلم من فتنته، فلا تدبير في دفعه أقوى من الإلجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به كما قال تعالى: {َإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} الآية. وقال في شرح الحديث الذي فيه: "فليقل الله الأحد " الصفات الثلاث منبهة على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقا، أما أحد فمعناه الذي لا ثاني له ولا مثل، فلو فرض مخلوقا لم يكن أحدا على الإطلاق. وسيأتي مزيد لهذا في شرح حديث عائشة في أول " كتاب التوحيد". وقال المهلب: قوله صريح الإيمان، يعني الانقطاع في إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له، فلا بد عند ذلك من إيجاب خالق لا خالق له لأن المتفكر العاقل يجد للمخلوقات كلها خالقا لأثر الصنعة فيها والحدث الجاري عليها والخالق بخلاف هذه الصفة فوجب أن يكون لكل منها خالق لا خالق له فهذا هو صريح الإيمان، لا البحث الذي هو من كيد الشيطان المؤدي إلى الحيرة. وقال ابن بطال: فإن قال الموسوس فما المانع أن يخلق الخالق نفسه، قيل له هذا ينقض، بعضه بعضا، لأنك أثبت خالقا وأوجبت وجوده ثم قلت: يخلق نفسه فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودا معدوما فاسد لتناقضه، لأن الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلا له. وهذا واضح في حل هذه الشبهة وهو يفضي إلى صريح الإيمان انتهى ملخصا موضحا. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم فعزوه إليه أولى؛ ولفظه: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال وقد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان " وأخرج بعده من حديث ابن مسعود " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال: تلك محض الإيمان " وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان وقال ابن التين " لو جاز لمخترع الشيء
(13/273)

أن يكون له مخترع لتسلسل فلا بد من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدمه شيء ولا يصح عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله تبارك وتعالى " وقال الكرماني " ثبت أن معرفة الله بالدليل فرض عين أو كفاية، والطريق إليها بالسؤال عنها متعين لأنها مقدمتها " لكن لما عرف بالضرورة أن الخالق غير مخلوق أو بالكسب الذي يقارب الصدق كان السؤال عن ذلك تعنتا فيكون الذم يتعلق بالسؤال الذي يكون على سبيل التعنت وإلا فالتوصل إلى معرفة ذلك وإزالة الشبهة عنه صريح الإيمان، إذ لا بد من الانقطاع إلى من يكون له خالق دفعا للتسلسل. وقد تقدم نحو هذا في صفة إبليس من " بدء الخلق " وما ذكره من ثبوت الوجوب يأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في أول " كتاب التوحيد " ويقال إن نحو هذه المسألة وقعت في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند، وأنه كتب إليه هل يقدر الخالق أن يخلق مثله فسأل أهل العلم، فبدر شاب فقال: هذا السؤال محال لأن المخلوق محدث والمحدث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال يقدر أن يخلق مثله أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم يقدر أن يصير عاجزا جاهلا. حديث ابن مسعود في سؤال اليهود عن الروح، وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سورة سبحان وقوله في هذه الرواية: "فقام ساعة فنظر، فعرفت أنه يوحى إليه فتأخرت حتى صعد الوحي " ظاهر في أنه أجابهم في ذلك الوقت وهو يرد على ما وقع في مغازي موسى بن عقبة، وسير سليمان التيمي أن جوابه تأخر ثلاثة أيام وفي سيرة ابن إسحاق، أنه تأخر خمسة عشر يوما، وسيأتي البحث في شيء منه بعد أربعة أبواب إن شاء الله تعالى.
(13/274)




عدد المشاهدات *:
13396
عدد مرات التنزيل *:
332769
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 08/11/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 08/11/2013

فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني

روابط تنزيل : باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ 2
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ 2
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ 2 لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني