اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الجمعة 24 ذو الحجة 1441 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

ما دام

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الأحكام السلطانية والولايات الدينية
في ولاية المظالم
الباب السابع : في ولاية المظالم
الباب السابع : في ولاية المظالم
الباب السابع : في ولاية المظالم : أ
الأحكام السلطانية والولايات الدينية


ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة ظاهر العفة. قليل الطمع كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين، فإن كان ممن يملك الأمور العامة كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى تقليد وكان له بعموم ولايته النظر فيها، وإن كان ممن لم يفوض إليه عموم النظر احتاج إلى تقليد وتولية إذا اجتمعت فيه الشروط المتقدمة، وهذا إنما يصح فيمن يجوز أن يختار لولاية العهد أو لوزارة التفويض أو لإمارة الأقاليم إذا كان نظره في المظالم عاماً، فإن اقتصر به على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه وإمضاء ما قصرت يدهم عن إمضائه جاز أن يكون دون هذه الراتبة في القدر والخطر بعد أن لا تأخذه في الحق لومة لائم ولا يستشفه الطمع إلى رشوة. فقد نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام رضي الله عنه ورجل من الأنصار فحضره بنفسه فقال الزبير: "اسق أنت يا زبير ثم الأنصار فقال الأنصاري إنه لابن عمتك يا رسول الله فغضب من قوله وقال يا زبير أجره على بطنه حتى يبلغ الماء إلى الكعبين".
وإنما قال أجره عل بطنه أدباً له لجرأته عليه. واختلف لم أمره بإجراء الماء إلى الكعبين هل كان حقاً بينه لهما حكماً أو كان مباحاً فأمره به زجراً على جوابين، ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد لأنهم في الصدر الأول مع ظهور الدين عليهم بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم، وإنما كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء، فإن تجوز من جفاء أعرابهم متجوز تناه الوعظ أن يدبر وقاده العنف أن يحسن فاقتصر خلفاء السلف على فصل التشاجر بينهم بالحكم والقضاء تعييناً للحق في جهته لانقيادهم إلى التزمه، واحتاج علي رضي الله عنه حين تأخرت إمامته واختلط الناس فيها وتجوروا إلى فصل صرامة في السياسة وزيادة تيقظ في الوصول إلى غوامض الأحكام فكان أول من سلك هذه الطريقة واستقل بها ولم يخرج فيها إلى نظر المظالم المحض لاستغنائه عنه. وقال في المنبرية: صار ثمنها تسعاً. وقضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاماً. وقضى في ولد تنازعته امرأتان بما أدى إلى فصل القضاء، ثم انتشر الأمر بعده حتى بعده حتى تجاهر الناس بالظلم والتغالب ولم يكفهم زواجر العظة عن التمانع والتجاذب، فاحتاجوا في ردع المتغلبين وأنصاف المغلوبين إلى نظر المظالم الذي يمتزج به قوة السلطنة بنصف القضاء، فكان أول من أفرد للظلامات يوم يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان، فكان إذا وقف منها على مشكل أو احتاج فيها إلى حكم منفذ رده إلى قاضيه أبي إدريس الأودي فنفذ فيه أحكامه لرهبة التجارب من عبد الملك بن مروان في عمله بالحال ووقوفه على السبب، فكان أبو ادريس هو المباشر وعبد الملك هو الآمر. ثم زاد من جور الولاة ظلم العتاة ما لم يكفهم عنه إلا أقوى الأيدي وأنفذ الأوامر، فكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله أول من ندب نفسه للنظر في المظالم فردها وراعى السنن العادلة وأعادها، ورد مظالم بني أمية على أهلها حتى قيل له وقد شدد عليهم فيها وأغلظ إنا نخاف عليك من ردها العواقب، فقال كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته. ثم جلس لها من خلفاء بني العباس جماعة، فكان أول من جلس لها المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون فآخر من جلس لها المهتدي حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها. وقد كان ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعمم الصلاح إلا بمراعاته ولا يتم التناصف إلا بمباشرته. وكانت قريش في الجاهلية حين كثر فيهم الزعماء وانتشرت فيهم الرياسة وشاهدوا من التغالب والتجاذب ما لم يكفهم عنه سلطان قاهر عقدوا حلفاً على رد المظالم وأنصاف المظلوم من الظالم وكان سببه ما حكاه الزبير بن بكار أن رجلاً من اليمن من بني زبيد قدم مكة معتمراً ببضاعة فاشتراها منه رجل من بني سهم، وقيل أنه العاص بن وائل فلوى الرجل بحقه فسأله ماله أو متاعه فامتنع عليه فقام على الحجر وأنشظ بأعلى صوته من البسيط:

يال قصي لمظلوم بضـاعـتـه
***
ببطن مكة فأنى الدار والنـفـر
واشعث محرم لم تقض حرمتـه
***
بين المقام وبين الحجر والحجر
أقائم من بني سهم بـذمـتـهـم
**
أو ذاهب في ضلال مال معتمر

ثم قيس بن شيبة السلمي باع متاعاً على أبي بن خلف فلواه وذهب بحقه. فاستجار برجل من بين جمع فلم يجره، فقال قيس من الرجز:

يال قصي كيف هذا في الحرم
***
وحرمة البيت وأحلاف الكرم
أظلم لا يمنع عني من ظالـم
***


فأجابه العباس بن مرداس السلمي من البسيط:



فقام أبو سفيان والعباس بن عبد المطلب فردا عليه ماله واجتمعت بطون قريش فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان على رد المظالم بمكة وأن لا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا للمظلوم حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ معهم قبل النبوة وهو ابن خمس وعشرين سنة فعقدو حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاكراً للحال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول مالو دعيت إليه لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم".
وأني بقصته وما يزيده الإسلام إلا شدة فقال بعض قريش في هذا الحلف من البسيط:

تيم بن مرة إن سألت وهاشـمـاً
***
وزهرة لخير في دار ابن جدعان
متحالفين على الندى ما عـردت
***
ورقاء في فنن من جذع كتمـان

وهذا وإن كان فعلاً جاهلياً دعتهم إليه السياسة فقد صار بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم له وما قاله في تأكيد أمره حكماً شرعياً وفعلاً نبوياً.
فإذا نظر في المظالم من انتدب لها جعل لنظره يوماً معروفاً يقصده فيه المتظلمون ويراجعه فيه المتنازعون، ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكول إليه من السياسة والتدبير إلا أن يكون من عمال المظالم المنفردين لها فيكون مندوباً للنظر في جميع الأيام، وليكن سهل الحجاب نزه الأصحاب.
ويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا يستغنى عنهم ولا ينتظم نظره إلا بهم: أحدهم الحماة والأوان لجذب القوى وتقويم الجريء. والصنف الثاني القضاة والحكام لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم. والصنف الثالث الفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل ويسألهم عما اشتبه وأعضل. والصنف الرابع الكتاب ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق، والصنف الخامس الشهود ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم، فإذا استكمل مجلس المظالم بمن ذكرنا من الأصناف الخمسة شرع حينئذ في نظرها.
والذي يختص بنظر المظالم يشتمل على عشرة أقسام: فالقسم الأول النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة، فهذا من لزوم النظر في المظالم الذي لا يقف على ظلامة متظلم، فيكون لسيرة الولاة متصفحاً عن أحوالهم مستكشفاً ليقويهم إن أنصفوا ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم يصنفوا.
حكي أن عمر بن عبد العزيز خطب على الناس في أول خلافته وكانت من أول خطبة فقال لهم: أوصيكم بتقوى الله، فإنه لا يقبل غيرها ولا يرحب إلا أهلها، وقد كان قوم من الولاة منعوا الحق حتى اشترى منهم شراء وبذلوا الباطل حتى افتدى منهم فداء، والله لولا سنة من الحق أميتت فأحييتها وسنة من الباطل أحييت فأمتها ما باليت أن أعيش وقتاً واحداً. أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم، إن امرأ ليس بينه وين آدم إلا الموت لمعرق له في الموت.
والقسم الثاني: أجوز العمال فيما يجبونه من الأموال فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها وينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه لأربابه.
فقد حكي عن المهدي رضي الله عنه أنه جلس يوماً المظالم فرفعت إليه قصص في الكسور فسأل عنها، فقال سليمان بن وهب: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسط الخراج على أهل السواد وما فتح من نواحي المشرق والمغرب ورقاً وعيناً وكانت الدراهم والدنانير مضروبة على وزن كسرى وقيصر، وكان أهل البلدان يؤدون ما في أيديهم من المال عدداً ولا ينظرون في فضل بعض الأوزان على بعض، ثم فسد الناس فصار أرباب الخراج يؤدون الطبرية التي هي أربعة دوانق وتمسكوا بالوافي الذي وزنه وزن المثقال، فلما ولي زياد العراق طالب بأداء الوافي وألزمهم الكسور وجار فيه عمال بني أمية، إلى أن ولي عبد الملك بن مروان، فنظر بين الوزنين وقد وزن الدراهم على نصف وخمس المثقال وترك المثقال على حاله، ثم إن الحجاج من بعده أعاد المطالبة بالكسور حتى أسقطها عمر بن عبد العزيز وأعادها من بعده إلى أيام المنصور إلى أن خرب السواد فأزال المنصور الخراج عن الحنطة والشعير ورقاً وصيره مقاسمة وهما أكثر غلات السواد وأبقى اليسير من الحبوب والنخل والشجر على رسم الخراج وهو كما يلزمون الآن الكسور والمؤن؛ فقال المهتدي معاذ الله أن ألزم الناس ظلماً تقدم العمل به أو تأخر، أسقطوه عن الناس، فقال الحسن بن مخلد إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من أموال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم، فقال المهتدي على أن أقرر حقاً وأزيل ظلماً وإن أجحف بيت المال.
والقسم الثالث: كتاب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم فيما يستوفونه له ويوفونه منه أعاده؛ فيتصفح أحوال ما وكل إليهم، فإن عدلوا بحق من دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان إلى قوانينه وقابل على تجاوزه.
حكي أن المنصور رضي الله عنه بلغه عن جماعة من كتاب دواوينه أنهم زوروا فيه وغيروا فأمر بإحضارهم وتقدم تأديبهم؛ فقال حدث منهم وهو يضر من الوافر:

أطال الله عمرك في صلاح
***
وعز يا أمير المؤمنـينـا
بعفوك نستجير فإن تجرنـا
***
فإنك عصمة للعالـمـينـا
ونحن الكاتبون وقد أسـأنـا
***
فهبنا للكرام الكـاتـبـينـا

فأمر بتخليتهم ووصل الفتى وأحسن إليه، لأنه ظهرت منه الأمانة وبانت فيه النجابة وهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم في تصفحها إلى متظالم.
والقسم الرابع: تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم وإجحاف النظر بهم فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء فيجريهم عليه وينظر فيما نقصوه أو منعوه من قبل، فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه منهم، وإن يأخذوه قضاء من بيت المال.
كتب بعض ولاة الجند إلى المأمون أن الجند شعبوا ونهبوا، فكتب إليه لو عدلت لم يشعبوا، ولو وفيت لم ينهبوا، وعزله عنهم وأدر عليهم أرزاقهم.
والقسم الخامس: رد الغصوب، وهي ضربان أحدهما غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجوز كالأملاك المقبوضة عن أربابها، إما لرغبة فيها، وإما لتعد على أهلها، فهذا إن علم به والي المظالم عند تفصح الأمور أمر برده قبل التظلم إليه، وإن لم يعلم به فهو موقوف على تظالم أربابه، ويجوز أن يرجع فيه عند تظلمهم إلى ديوان السلطنة فإذا وجد فيه ذكر قبضها على مالكها عمل عليه وأمر بردها إليه ولم يحتج إلى بينة تشهد به وكان ما وجده في الديوان كافياً.
كما حكي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله خرج ذات يوم إلى الصلاة فصادفه رجل ورد من اليمن متظلماً فقال من البسيط:

تدعون جيران مظلوماً ببابكم
***
فقد أتاك بعيد الدار مظلوم

فقال ما ظلامك؟ فقال غصبني الوليد بن عبد الملك ضيعتي، فقال يا مراجم ائتني بدفتر الصوافي بود في أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان، فقال أخرجها من الدفتر وليكتب برد ضيعته إليه ويطلق له ضعف نفقته. والضرب الثاني من الغصوب ما تغلب عليه ذوو الأيدي القوية وتصرفوا فيه تصرف الملاك بالقهر والغلبة، فذا موقوف على تظلم أربابه ولا ينتزع من غاصبه إلا بأحد أربعة أمور، إما باعتراف الغاصب وإقراره، وإما بعلم والي المظالم فيجوز له أن يحكم عليه بعلمه، وإما ببينة تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد للمغصوب منه بملكه، وإما بتظاهر الأخبار الذي ينفي عنها التواطؤ، ولا يختلج فيها الشكوك لأنه لما جاز للشهود أن يشهدوا في الأملاك بظاهر الأخبار كان حكم ولاة المظالم بذلك أحق.
والقسم السادس: مشارفة الوقوف وهي ضربان: عامة وخاصة، فأما العامة فيبدأ بتصفحها وإن لم يكن فيها متظلم ليجريها على سبيلها ويمضيها على شروط واقفها إذا عرفها من أحد ثلاثة أوجه: إما من دواوين الحكام المندوبين لحراسة الأحكام، وإما من دواوين السلطنة على ما جرى فيها من معاملة أو ثبت لها من ذكر وتسمية، وإما من كتب فيها قديمة تقع في النفس صحتها وإن لم يشهد الشهود بها لأنه ليس يتعين الخصم فيها فكان الحكم أوسع منه في الوقوف الخاصة.
وأما الوقوف الخاصة فإن نظره فيها موقوف على تظالم أهلها عند التنازع فيها لوقفها على خصوم متعينين فيعمل عند التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحاكم ولا يجوز أن يرجع إلى ديوان السلطنة ولا إلى ما يثبت من ذكرها في الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهود معدلون.
والقسم السابع: تنفيذ ما وقف القضاة من أحكامها لضعفهم عن إنفاذها وعجزهم عن المحكوم عليه لتعززه وقوة يده أو لعلو قدره وعظم خطره، فيكون ناظر المظالم أقوى يداً وأنفذ أمراً فينفذ الحكم على من توجه إليه بانتزاع ما في يده أو بإلزامه الخروج مما في ذمته.
والقسم الثامن: النظر فيما عجز عنه الناظرون من الحمية في المصالح العامة كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه والتعدي في طريق عجز عن منعه والتحيف في لم يقدر على رده فيأخذهم بحق الله تعالى في جميعه ويأمر بحملهم على موجبه.
والقسم التاسع: مراعاة للعبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها وإخلال بشروطها فإن حقوق الله أولى أن تستوفي وفروضه أحق أن تؤدى.
والقسم العاشر: النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين فلا يخرج في النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه، ولا يسوغ أن يحكم بينهم إلا بما يحكم به الحكام والقضاة وربما اشتبه حكم المظالم على الناظرين فيها فيجورون في أحكامها ويخرجون إلى الحد الذي لا يسوغ فيها.
والفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشرة أوجه: أحدها أن لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة في كف الخصوم عن التجاحد ومنع الظلمة من التغالب والتجاذب. والثاني أن نظر المظالم يخرج من ضيق الوجوب إلى سعة الجواز فيكون الناظر فيه أفسح مجالاً وأوسع مقالاً. والثالث أنه يستعمل من فضل الإرهاب وكشف الأسباب بالإمارات الدالة وشواهد الأحوال اللائحة ما يضيق على الحكام فيصل به إلى ظهور الحق معرفة المبطل من المحق. والرابع أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم والتهذيب. والخامس أن له من التأني في ترداد الخصوم عند اشتباه أمورهم واستبهام حقوقهم، ليمعن في الكشف عن أسبابهم وأحوالهم ما لبس للحكام إذا سألهم أحد الخصمين فصل الحكم فلا يسوغ أن يؤخره الحاكم ويسوغ أن يؤخره والي المظالم. والسادس أن له رد الخصوم إذا أعضلوا وساطة الأمناء ليفصلوا التنازع بينهم صلحاً عن تراضي، وليس للقاضي ذلك إلا عن رضى الخصمين بالرد. والسابع أن يفسح في ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد ويأذن في إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب، والثامن أنه يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاء في شهادة المعدلين. التاسع أنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بدلوا أيمانهم طوعاً ويستكثر من عددهم ليزول عنه الشك وينفي عنه الارتياب، وليس ذلك للحاكم. والعاشر أنه يجوز أن يبتدئ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم في تنازع الخصوم، وعادة القضاة تكليف المدعي إحضار بينة ولا يسمعونها إلا بعد مسألته، فهذه عشرة أوجه يقع بها الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاء في التشاجر والتنازع وهما فيما عداهما متساويان، وسنوضح من تفصيلهما ما تبين به إطلاق ما بينهما من هذه الفروق إن شاء الله تعالى.
وإذا كان كذلك لم يخل حال الدعوى عند الترافع فيها إلى والي المظالم من ثلاثة أحوال: إما أن يقترن بها ما يقويها أو يقترن بها ما يضعفها أو تخلو من الأمرين، فإن اقترن بها ما يقويها. فلما اقترن بها من القوة ستة أحوال تختلف بها قوة الدعوى على التدريج.
فأولها أحوالها: أن يطهر معها كتاب فيه شهود معدلون حضور. والذي يختص نظر في مثل هذه الدي شيئان: أحدهما يبتدئ الناظر فيها باستدعاء الشهود للشهادة والثاني الإنكار على الجاحد بحسب حالة وشواهد أحواله، فإذا أحضر الشهود، فإن كان الناظر في المظالم ممن يجل قدرة كالخليفة أو وزير التفويض أو أمير إقليم راعي من أحوال المتنازعين ما تقتضيه السياسة من مباشرة الناظر بينهما إن جل قدرهما أو رد ذلك إلى قاضيه بمشهد منه إن كانا متسوطين أو على بعد منه إن كانا خاملين.
حكي أن المأمون رضي الله عنه كان يجلس للمظالم في يوم الأحد فنهض ذات يوم من مجلس نظره فلقته إمرأة في ثياب رثة فقالت من البسيط:

يا خير منتصف يهدي له الرشد
***
إماماً به قد أشرق الـبـلـد
تشكو إليك عميد الملك أرمـلة
***
عدا عليها فما تقوى به أسـد
فابتز منها ضياعاً بعد منعتهـا
***
لما تفرق عنها الأهل والولـد

فأطرق المأمون يسيراً ثم رفع رأسه وقال من البسيط:

من دون ما قلت عيل الصبر والجلد
***
وأقرح القلب هذا الحزن والكمــد
هذا أو أن صلاة الظهر فانصرفـي
***
وأحضر الخصم في اليوم الذي أعد
المجلس السبت إن يقض الجلوس لنــا
***
أنصفك منـه وإلا المـجـلـس الأحـد

فانصرفت وحضرت يوم الأحد في أول الناس، فقال لها المأمون من خصمك؟ فقالت القائم على رأسك العباس ابن أمير المؤمنين، فقال المأمون لقاضيه يحيى بن أكثم وقيل لوزيره أحمد بن أبي خالد أجلسها معه وأنظر بينهما، فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون وجعل كلامها يعلو، فزجرها بعض حجابه، فقال له المأمون دعها فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه، وأمر برد ضياعها عليها، ففعل المأمون في النظر بينهما حيث كان بمشهده، ولم يباشره بنفسه لما اقتضته السياسة من وجهين: أحدهما أنه حكم ربما توجه لولده وربما كان عليه وهو لا يجوز أن يحكم لولده وإن جاز أن يحكم عليه، والثاني أن الخصم إمرأة يجل المأمون عن محاورتها وابنه من جلالة القدر بالمكان الذي لا يقدر غيره على إلزامه الحق فرد النظر بمشهد منه إلى من كفاه محاورة المرأة في استيفاء الدعوى واستيضاح الحجة، وباشر المأمون رضي الله عنه تنفيذ الحكم وإلزام الحق.
والحالة الثانية في قوى الدعوى أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود المعدلين من هو غائب، فالذي يختص بنظر المظالم في مثل هذه الدعوى أربعة أشياء: أحدها إرهاب المدعي عليه فربما تعجل من إقراره بقوة الهيبة ما يغني عن سماع البينة. والثاني التقدم بإحضار الشهود إذا عرف مكانهم ولم يدخل الضرر الشاق عليهم. والثالث الأمر بملازمة المدعي عليه ثلاثاً ويجهد رأيه في الزيادة عليها بحسب الحال من قوة الإمارة ودلائل الصحة والرابع أن يظهر في الدعوى، فإن كانت مالاً في الذمة كلفه إقامة كفيل، وإن كانت عيناً قائماً كالعقار حجر عليه فيها حجراً لا يرفع به حكم يده ورد استغلالها إلى أمين يحفظه على مستحقه منهما فإن تطاولت المدة ووقع الإياس من حضور الشهود جاز لوالي المظالم أن يسأل المدعي عليه عن دخول يده مع تجديد إرهابه، فإن مالك بن أنس رضي الله عنه يرى في مثل هذا الحال سؤال المدعي عليه عن سبب دخول يده وإن لم يره الشافعي وأبو حنيفة، وللناظر في المظالم استعمال الجائز ولا يلزم الاقتصار على الواجب، فإن أجاب بما يقطع التنازع أمضاه وإلا فصل بينهما بمقتضى الشرع.
والحالة الثالثة في قوة الدعوى أن يكون في الكتاب المقترن بها شهود حضور لكنهم غير معدلين عند الحاكم والذي يختص بنظر المظالم أن يتقدم الناظر فيها بإحضار وسير أحوالها فإنه يجدهم على أحوال ثلاثة إما أن يكونوا من ذوي الهيئات وأهل الصيانات فالثقة بشهاداتهم أقوى وإما أن يكونوا أرذالاً فلا يقوى عليهم لكن يقوى بهم إرهاب الخصم وإما أن يكونوا أوساطاً فيجوز له بعد الكشف عن أحوالهم أن يستظهر بإحلافهم إن رأى قبل الشهادة أو بعدها تم هو في سماع شهادة هذين الصنفين بين ثلاثة أمور: أحدها إما أن يسمعها بنفسه فيحكم بها وإما أن يرد إلى القاضي سماعها ليؤديها القاضي إليه ويكون الحكم إلا بها موقوفاً عليه لأن القاضي لا يجوز أن يحكم إلا بشهادة من ثبت عنده عدالته وإما أن يرد سماعها إلى الشهود المعدلين فإن رد إليهم نقل شهادتهم إليه لم يلزمهم استكشاف أحوالهم وإن رد الشهادة عنده لما يصح من شهادتهم لزمهم الكشف عما يقضي قبول شهادتهم ليشهدوا بها بعد العلم لصحتها ليكون تنفيذ الحكم بحسبها.
والحالة الرابعة في قوى الدعوى أن يكون في الكتاب المقترن بها شهادة شهود موتى معدلين والكتاب موثوق بصحته، فالذي يختص بنظر المظالم فيه ثلاثة أشياء: أحدها إرهاب المدعي عليه بما يضطره إلى الصدق والاعتراف بالحق. والثاني سؤاله عن دخول يده لجواز أن يكون من وابه ما يتضح به الحق. والثالث أن يكشف عن الحال من جيران الملك ومن جيران المتنازعين فيه ليتوصل به إلى وضوح الحق فإن لم يصل إليه بواحد من هذه الثلاثة ردهما إلى وساطة محتشم مطاع له بهما معرفة وبما تنازعاه خبرة ليضطرهما بكثرة الترداد وطول المدى إلى التصادق والتصالح فإن أفضى الأمر بينهما إلى أحدهما وإلا بت الحكم على ما يوجبه حكم القضاء.
والحالة الخامسة في قوة الدعوى أن يكون مع المدعي خط المدعى عليه بما تضمنته الدعوى فنظر المظالم فيه يقتضي سؤال المدعي عليه عن الخط، وأن يقال له أهذا خطك، فإن حكم إقراره، وإن لم يعترف بصحته فمن ولاة المظالم من حكم عليه بخطه إذا اعترف به وإن لم يعترف بصحته وجعل ذلك من شواهد الحقوق اعتباراً بالعرف، والذي عليه محققوهم وما يراه جميع الفقهاء منهم أنه لا يجوز للناظر منهم أن يحكم بمجرد الخط حتى يعترف بصفة ما فيه، لأن نظر المظالم لا يبيح من الأحكام ما حظره الشرع ونظر المظالم فيه أن يرجع إلى ما يذكره من خطه، فإن قال كتبته ليقرضني وما أقرضني أو ليدفع إلى ثمن ما بعته وما دفع فهذا مما يفعله الناس أحياناً، ونظر المظالم في مثله أن يستعمل فيه من الإرهاب بحسب ما يشهد به الحال وتقوى به الإمارة ثم يرد إلى الوساطة، فإن أفضت إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما بالتحالف، وإن أنكر الخط فمن ولاة المظالم من يختبر الخط بخطوطه التي كتبها ويكلفه من كثرة الكتابة ما يمنع من التصنع فيها ثم يجمع بين الخطين فإذا تشابها حكم به عليه وهذا قول من جعل اعترافه الخط موجباً للحكم به والذي عليه المحققون منهم أنهم لا يفعلون ذلك للحكم عليه ولكن لإرهابه وتكون الشبهة مع إنكاره للخط أضعف منها مع اعترافه به وترفع الشبهة إن كان الخط منافياً لخطه ويعود الإرهاب على المدعي ثم يردان إلى الوساطة، فإن أفضت الحال إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما بالإيمان.
والحالة السادسة في قوة الدعوى إظهار الحساب بما تضمنت الدعوى وهذا يكون في المعاملات، ولا يخلو حال الحساب من أحد أمرين: إما أن يكون حساب المدعي أو حساب المدعى عليه، فإن كان حساب المدعي فالشبهة فيه أضعف، ونظر المظالم يرجع في مثله إلى مراعاة نظم الحساب، فإن كان مختلاً يحتمل فيه الإدغال كان مطرحاً وهو يضعفالدعوى أشبه منه بقوتها، وإن كان نظمه متسقاً ونقله صحيحاً فالثقة به أقوى فينقضي الحساب للمدعي عليه كانت الدعوى به أقوى، ولا يخلو أن يكون منسوباً إلى خطه أو خط كاتبه، فإن كان منسوباً إلى خطه فلناظر المناظر فيه أن يسأل عنه المدعى عليه أهذا خطك، فإن اعترف به قيل أتعلم ما هو، فإن أقر بمعرفته قيل أتعلم صحته فإن أقر بصحته صار بهذه الثلاثة مقراً بمضمون الحساب فيؤخذ بما فيه، فإن اعترف بأنه خطه وأنه لم يعلم ما فيه ولم يعترف بصحته فمن حكم بالخط من ولاة المظالم حكم عليه بموجب حسابه وإن لم يعترف بصحته وجعل الثقة بهذا أقوى من الثقة بالخط المرسل، لأن الحساب لا يثبت فيه قبض ما لم يقبض، والذي عليه المحققون منهم وهو قول الفقهاء أنه لا يحكم عليه بالحساب الذي لم يعترف بصحته ما فيه، ولكن يقتضي من فضل الإرهاب به أكثر مما اقتضاه الخط المرسل لما تقدم ذكره من الفرق بينهما في العرف، ثم يردان بعده إلى الوساطة، ثم إلى بت القضاة، وإن كان الخط منسوباً إلى كاتبه سئل عنه المدعى عليه قبل سؤال كاتبه، فإن اعترف بما فيه أخذ به وإن لم يعترف يسأل عنه كاتبه، فإن أنكره ضعفت الشبهة بإنكاره وأرهب إن كان متهماً ولم يرهب إن كان مأموناً، فإن اعترف به وبصحته صار شاهداً به على المدعي عليه فيحكم عليه بشهادته إن كان عدلاً، ويقضي بالشاهد واليمين إما مذهباً وإما سياسة تقتضيها شواهد الحال، فإن لشواهد الحال في المظالم تأثيراً في اختلاف الأحكام، ولكل حال منها في الإرهاب حد لا يتجاوزه تمييزاً بين الأحوال بمقتضى شواهدها.
وأما إن اقترن بالدعوى ما يضعفها، فلما اقترن بها من الضعف ستة أحوال تنافي أحوال القوة، فينتقل الإرهاب بها من جنبة المدعى عليه إلى جنبة المدعي.
فالحالة الأولى: أن يقابل بكتاب شهوده حضور معدلون يشهدون بما يوجب بطلان الدعوى وذلك من أربعة أوجه: أحدها أن يشهدوا عليه ببيع ما ادعاه. والثاني أن يشهدوا على إقراره بأن لا حق له فيما ادعاه، والثالث أن يشهدوا على إقرار أبيه الذي ذكر انتقال الملك عنه أنه لا حق له فيما ادعاه. والرابع أن يشهدوا للمدعى عليه بأنه مالك لما ادعاه عليه فبطل دعواه بهذه الشهادة ويقتضي نظر تأديبه بحسب حاله، فإن ذكر أن الشهادة بالابتياع كانت على سبيل رهب وإلجاء، وهذا قد يفعله الناس أحياناً فينظر في كتاب الابتياع، فإن ذكر فيه أنه من غير رهب ولا إلجاء ضعفت شبهة هذه الدعوى، وإن لم يذكر ذلك فيه قويت شبهة الدعوى وكان الإرهاب في الجهتين بمقتضى شواهد الحالين ورجع إلى الكشف بالمجاورين والخلطاء، فإن بان ما يوجب العدول عن ظاهر الكتاب عمل عليه، وإن لم يبن كان إمضاء الحكم بما شهد به شهود الابتياع أحق فإن سأل إحلاف المدعى عليه بأن ابتياعه كان حقاً ولم يكن على سبيل الرهب والإلجاء، فقد اختلف الفقهاء في جواز إحلافه لاختلاف ما ادعاه فذهب أبو حنيفة رضي الله عنه وطائفة من أصحاب الشافعي من إحلافه، لأن متقدم إقراره مكذب لمتأخر دعواه. ولوالي المظالم أن يعمل من القوانين بما تقتضيه شواهد الحالين وهكذا لو كانت الدعوى ديناً في الذمة فأظهر المدعى عليه كتاب براءة منه فذكر المدعي أنه أشهد على نفسه قبل أن يقبض ولم يقبض كان إحلاف المدعى عليه على ما تقدم ذكره.
والحالة الثانية: أن يكون شهود الكتاب المقابل للدعوى عدولاً غائبين، فهذا على ضربين: أحدهما أن يتضمن إنكاره اعترافاً بالسبب كقوله لا حق له في هذه الضيعة لأنني ابتعتها منه ودفعت ثمنها إليه وهذا كتاب عهدي بالإشهاد عليه فيصير المدعى عليه مدعياً بكتاب قد غاب شهوده فيكون على ما مضى وله زيادة يد وتصرف فتكون الأمارة أقوى وشاهد الحال أظهر، فإن لم يثبت بها الملك فيرهبهما بحسب ما تقتضيه شواهد أحوالهما ويأمر بإحضار الشهود إن أمكن ويضر ب لحضورهم أجلاً يردهما فيه إلى الوساطة، فإن أفضت إلى صلح عن تراض استقر به الحكم وعدل عن استماع الشهادة إذا حضرت وإن لم ينبرم ما بينهما صلحاً أمعن في الكشف عن جيرانهما وجيران الملك وكان لوالي المظالم رأيه في زمان الكشف في خصلة من ثلاثة: منها ما يؤديه اجتهاده إليه بحسب الأمارات وشواهد الأحوال. إما أن يرى انتزاع الضيعة من يد المدعى عليه وتسليمها إلى المدعي إلى أن تقوم عليه بينة بالبيع، وإما أن يسلمها إلى أمين تكون في يده ويحفظ استغلالها على مستحقه، وإما أن يقرها في يد المدعى عليه ويحجر عليه فيها ينصب أميناً يحفظ استغلالها ويكون لها حالهما على ما يراه والي المظالم في خصلة من هذه الثلاث ما كان راجياً أحد أمرين: من ظهور الحق بالكشف، أو حضور الشهود للأداء، فإن وقع الإياس منهم بت الحكم بينهما، فلو سأل المدعى عليه احلاف المدعي أحلفه له وكان ذلك بتاً للحكم بينهما. والضرب الثاني أن لا يتضمن انكاره اعترافاً بالسبب ويقول هذه الضيعة لي لا حق لهذا المدعي فيها وتكون شهادة الكتاب على المدعي على أحد وجهين: إما عل إقراره بأن لا حق له فيها، وإما على إقراره بأنها ملك المدعى عليه فالضيعة مقرة في يد المدعى عليه ولا يجوز انتزاعها منه، فأما الحجر عليه فيها وحفظ استغلالها مدة الكشف والوساطة فمعتبر بشواهد أحوالهما واجتهاد والي المظالم فيما يراه بينهما إلى أن يثبت الحكم بينهما.
وأما الحالة الثالثة: أن شهود الكتاب المقابل لهذه الدعوى حضور غير معدلين فيراعي والي المظالم فيهم ما قدمنا في جنبة المدعي من أحوالهم الثلاث، ويراعى حال إنكاره هل يتضمن اعترافاً بالسبب أم لا، فيعمل والي المظالم في ذلك بما قدمناه تعويلاً على اجتهاده برأيه في شواهد الأحوال.
والحالة الرابعة: أن يكون شهود الكتاب موتى معدلين فليس يتعلق به حكم إلا في الإرهاب المجرد الذي يقتضي فضل الكشف ثم في بت الحكم على ما تضمنه الإنكار من الاعتراف بالسبب أم لا.
والحالة الخامسة: أن يقابل المدعى عليه بخط المدعي بما يوجب إكذابه في الدعوى فيعمل بما قدمناه في الخط ويكون الإرهاب معتبراً بشاهد الحال.
والحالة السادسة: أن يظهر في الدعوى حساب يقتضي بطلان الدعوى فيعمل فيه بما قدمناه في الحساب ويكون الكشف والإرهاب والمطاولة معتبراً بشواهد الأحوال ثم يبت الحكم بعد الإياس قطعاً للنزاع.
فأما إن تجردت الدعوى عن أسباب القوة والضعف فلم يقترن بها ما يقويها ولا ما يضعفها فنظر المظالم يقتضي مراعاة حال المتنازعين في غلبة الظن، ولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال: أحدها أن تكون غلبة الظن في جنبة المدعي. والثاني أن تكون في جنبة المدعي عليه. والثالث أن يتعدلا فيه والذي يؤثره غلبة الظن في إحدى الجهتين هو إرهابهما وتغليب الكشف من جهتهما، وليس لفصل الحكم بينهما تأثير يعتبر فيه الظنون الغالبة، فإن كانت غلبة الظن في جنبة المدعي وكانت الريبة متوجهة إلى المدعى عليه، فقد يكون من ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المدعي مع خلوه من حجة يظهر بها مضعوف اليد مستلان الجنبة والمدعى عليه ذا بأس وقدرة، فإذا ادعى عليه غصب دار أو ضيعة غلب في الظن أن مثله مع لينه واستضعافه لا يتجوز في دعواه على من كان ذا بأس وذا سطوة. والثاني أن يكون المدعي مشهوراً بالصدق والأمانة والمدعى عليه مشهور بالكذب والخيانة فيغلب في الظن صدق المدعي في دعواه. والثالث أن تتساوى أحوالهما غير أنه قد عرف للمدعي يد متقدمة وليس بعرف لدخول يد للمدعى عليه سبب حادث فالذي يقتضيه نظر المظالم في هذه الأحوال الثلاثة: شيئان: أحدهما إرهاب المدعى عليه لتوجيه الريبة: والثاني سؤاله عن سبب دخول يده وحدوث ملكه فإن مالك ابن أنس رضي الله عنه يرى ذلك مذهباً في القضاء مع الارتياب فكان نظر المظالم بذلك أولى وربما ألف المدعى عليه مع علو منزلته عن مساواة خصمه في المحاكمة فينزل عما في يده لخصمه عفواً، كالذي حكى عن موسى الهادي، جلس يوماً للمظالم وعمارة بن حمزة قائم على رأسه وله منزل فحضر رجل في جملة المتظلمين يدعي أن عمار غصب ضيعة له فأمره الهادي بالجلوس معه للمحاكمة فقال يا أمير المؤمنين إن كانت الضيعة له فما أعارضه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له وما أبيع موضعي من مجلس أمير المؤمنين. وربما تلطف والي المظالم في إيصال المتظلم إلى حقه بما يحفظ معه حشمه المطلوب أو مواضعه المطلوب على ما يحفظ به حشمة نفسه أن يكون منسوباً إلى تخيف ومنع من حق كالذي حكاه عون بن محمد أن أهل نهر المرغاب بالبصرة خاصموا فيه المهدي قاضيه عبدي الله بن الحسن العنبري فلم يسلمه إليهم ولا الهادي بعده ثم قام الرشيد فتظلموا إليه وجعفر بن يحيى ناظر في المظالم فلم يرده إليهم فاشتراه جعفر بن يحيى من الرشيد بعشرين ألف درهم ووهبه لهم وقال إنما فعلت هذا لتعلموا أن أمير المؤمنين لحق لجاج فيه وأن عبده اشتراه فوهبه لكم فقال فيه أشجع السلمي من الكامل:

رد السباح بذي يديه وأهلها
***
فيها بمنزلة السماك الأعزل
قد أيقنوا بذهابها وهلاكهـم
***
والدهر يرعاها يوم أعضل
فافتكها لهم وهم من دهرهم
***
بين الجران وبين حد الكلكل
ما كان يرجى غيره لفكاكها
***
إن الكريم لكل أمر معضل

فاحتمل ما فعله جعفر بن يحيى من أن يكون قد ابتداه من نفسه تنزيهاً للرشيد عن التظلم فيه واحتمل أن يكون الرشيد واضعه على هذا لئلا ينسب أبوه وأخوه إلى جور في حق وهو الأشبه ولأيهما كان فقد عاد به الحق إلى أهله مع حفظ الحشمة وحسم البذلة أما إن كان غلبة الظن في جنبة المدعى عليه، فقد يكون ذلك من ثلاثة أوجه. أحدها أن يكون المدعي مشهوراً بالظلم والخيانة، والمدعى عليه مشهوراً بالنصفة والأمانة، والثاني أن يكون المدعي دنيئاً مبتذلاً والمدعى عليه نزهاً منصوباً فيطلب إحلافه قصداً لبذلته. والثالث أن يكو لدخول يد المدعى عليه سبب معروف وليس يعرف لدعوى المدعي سبب فيكون غلبة الظن في هذه الأحوال الثلاثة في جنبة المدعى عليه والريبة متوجهة إلى المدعي، فمذهب مالك رحمه الله إن كانت دعواه في مثل هذه الحالة بعين قائمة لم يسمعها إلا بعد ذكر السبب الواجب لها وإن كانت في مال الذمة لم يسمعها إلا بعد أن يقيم المدعي بينة أنه كان بينه وبين المدعى عليه معاملة، والشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما لا يريان ذلك في حكم القضاء.

عدد المشاهدات *:
68
عدد مرات التنزيل *:
0
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 21/02/2014 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 21/02/2014

الأحكام السلطانية والولايات الدينية

روابط تنزيل : الباب السابع : في ولاية المظالم : أ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  الباب السابع : في ولاية المظالم : أ لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الأحكام السلطانية والولايات الدينية