اختر السورة


يوم الإثنين 13 صفر 1440 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

مصرف

لحظة من فضلك


اختر السورة


المواد المختارة

2 : 1865 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند درجة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا هذا الوادي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها قالت له آلله أمرك بهذا قال نعم قالت إذا لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} حتى بلغ {يشكرون} وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم فذلك سعي الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقال صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فأغث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف وفي رواية بقدر ما تغرف قال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا قال فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافوا الضيعة فإن ههنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي لنا وفي رواية يصيد لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بشر نحن في ضيق وشدة وشكت إليه قال فإذا جاء زوجك أقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد قالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال فهل أوصاك بشيء قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك قال ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله تعالى فقال ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه قال فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه وفي رواية فجاء فقال أين إسماعيل فقالت امرأته ذهب يصيد فقالت امرأته ألا تنزل فتطعم وتشرب قال وما طعامكم وما شرابكم قالت طعامنا اللحم وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بركة دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت نعم يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد قال يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك ربك قال وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني بيتا ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وفي رواية إن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل معهم شنة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا قال إلى الله قالت رضيت بالله فرجعت وجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما فنى الماء قالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا قال فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة وفعلت ذلك أشواطا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي فذهبت ونظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقرها نفسها فقالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت أغث إن كان عندك خير فإذا جبريل صلى الله عليه وسلم فقال بعقبه هكذا وغمز بعقبه على الأرض فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفن ... وذكر الحديث بطوله. رواه البخاري بهذه الروايات كلها الدوحة الشجرة الكبيرة قوله قف أي ولى والجري الرسول وألفي معناه وجد قوله ينشغ أي يشهق 1866 - وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين متفق عليه

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
العقيدة
شرح العقيدة الطحاوية للإمام ابن أبي العز الحنفـي
قوله : ( والايمان : هو الايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى)
قوله : ( والايمان : هو الايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى)
الكتب العلمية


الكتب العلمية
ش : تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين ، وبها أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل المشهور المتفق على صحته ، حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة رجل إعرابي ، وسأله عن الإسلام ؟ فقال : أن تشهد لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا . وسأله عن الإيمان ؟ فقال : أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره . وسأله عن الإحسان ؟ فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . وقد ثبت كذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص : قل يا أيها الكافرون ، و قل هو الله أحد الاخلاص . وتارة بآيتي الإيمان والإسلام : التي في سورة البقرة : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية ، والتي في آل عمران : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ، الآية . [و] فسر صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس ، المتفق على صحته ، حيث قال لهم : آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم . ومعلوم أنه لم يرد [أن] هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب ، لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب . فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان ، وقد تقدم الكلام على هذا .
والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق ، وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة ، فإن تلك إنما فسرتها السنة ، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة . فمن الكتاب قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، الآية . وقوله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا الآية . وقوله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ، فنفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية - : دل على أن هذه الغاية فرض على الناس ، فمن تركها كان من أهل الوعيد [و] لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب ، الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب . ولا يقال إن بين تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث جبرائيل وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة ، لأنه فسر الإيمان في حديث جبرائيل بعد تفسير الإسلام ، فكان المعنى أنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر مع الأعمال التي ذكرها في تفسير الإسلام ، كما أن الإحسان متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره . بخلاف حديث وفد عبد القيس ، لأنه فسره ابتداء ، لم يتقدم قبله تفسير الإسلام . ولكن هذا الجواب لا يتأتى على ما ذكره الشيخ رحمه الله من تفسير الإيمان ، فحديث وفد عبد القيس مشكل عليه .
ومما يسأل عنه : أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من الخصال الخمس التي أجاب [بها] النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل المذكور، فلم قال إن الإسلام هذه الخصال الخمس ؟ وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر الاسلام وأعظمها ، وبقيامه بها يتم استسلامه ، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده . والتحقيق : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقاً ، الذي يجب لله [على] عباده محضه على الأعيان ، فيجب على كل من كان قادراً عليه ، ليعبد الله مخلصاً له الدين ، وهذه هي الخمس ، وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب مصالح ، فلا يعلم وجوبها جميع الناس ، بل إما أن يكون فرضاً على الكفاية كالجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من إمارة ، وحكم ، وفتيا ، وإقراء ، وتحديث ، وغير ذلك . وأما ما يجب بسبب حق الآدميين ، فيختص به من وجب له وعليه ، وقد يسقط بإسقاطه ، من قضاء بإسقاطه ، من قضاء الديون ، ورد الأمانات والغصوب ، والإنصاف من المظالم ، من الدماء والأموال والإعراض ، وحقوق الزوجة والأولاد ، وصلة الأرحام ، ونحو ذلك ، فإن الواجب من ذلك على زيد غير الواجب على عمرو . بخلاف صوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس والزكاة ، فإن الزكاة وإن كانت حقاً مالياً فإنها واجبة لله ، والأصناف الثمانية مصارفها ، ولهذا وجبت فيها النية ، ولم يجز أن يفعلها الغير بلا إذنه ، ولم تطلب من الكفار ، وحقوق العباد لا يشترط لها النية ، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته ، ويطالب بها الكفار . وما يجب حقاً لله تعالى ، كالكفارات ، هو بسبب من العبد ، وفيها معنى العقوبة ، ولهذا كان التكليف شرطاً في الزكاة ، فلا تجب على الصغير والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى ، على ما عرف في موضعه .
وقوله : والقدر خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى - تقدم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل : وتؤمن بالقدر خيره وشره ، وقال تعالى : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا . وقال تعالى : إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك الآية .
فإن قيل : فكيف الجمع بين قوله : كل من عند الله ، وبين قوله : فمن نفسك ؟ ، قيل : قوله : كل من عند الله : الخصب والجدب ، والنصر والهزيمة ، [كلها من عند الله] ، وقوله : فمن نفسك : أي ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك ، كما قال تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم . يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه : أنه قرأ : وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، ولو أنا كتبنا عليهم . والمراد بالحسنة هنا النعمة ، وبالسيئة البلية ، في أصح الأقوال . وقد قيل : الحسنة الطاعة ، والسيئة المعصية . [و] قيل : الحسنة ما أصابه يوم بدر ، والسيئة ما أصابه يوم أحد . والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث . والمعنى الثاني ليس مراداً دون الأول قطعاً ، ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه ، مع أن الجميع مقدر ، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى ، فتكون من سيئات الجزاء ، مع أنها من سيئات العمل ، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة . وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى : فمن نفسك ، فإنهم يقولون : إن فعل العبد -حسنة كان أو سيئة - فهو منه لا من الله ! والقرآن قد فرق بينهما ، وهم لا يفرقون ، ولأنه قال تعالى : كل من عند الله ، فجعل الحسنات من عند الله ، كما جعل السيئات من عند الله ، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال ، بل في الجزاء . وقوله بعد هذا : ما أصابك من حسنة و من سيئة ، [مثل قوله : وإن تصبهم حسنة و إن تصبهم سيئة ] . وفرق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم ، وبين السيئات التي هي المصائب ، فجعل هذه من الله ، وهذه من نفس الإنسان ، لأن الحسنة مضافة إلى الله ، إذ هو أحسن بها من كل وجه ، فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه ، وأما السيئة ، فهو إنما يخلقها لحكمة ، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه ، فإن الرب لا يفعل سيئة قط ، بل فعله كله حسن وخير .
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الاستفتاح : والخير كله بيديك ، والشر ليس إليك . أي : فإنك لا تخلق شراً محضاً ، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة ، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس ، فهذا شر جزئي إضافي ، فأما شر كلي ، أو شر مطلق - : فالرب سبحانه وتعالى منزه عنه . وهذا هو الشر الذي ليس إليه ، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفرداً قط ، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات ، كقوله تعالى : الله خالق كل شيء ، كل من عند الله ، وإما أن يضاف إلى السبب ، كقوله : من شر ما خلق ، وإما أن يحذف فاعله ، كقول الجن : وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ، وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة ، بل لله من الرحمة والحكمة لا يقدر قدره إلا الله تعالى ، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة - يكون شراً كلياً [عاماً] ، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيراً أو مصلحة للعباد ، كالمطر العام ، وكإرسال رسول عام . وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذاباً عليه بالمعجزات التي أيد بها الصادقين ، فإن هذا شر عام للناس ، يضلهم ، فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم . وليس هذا كالملك الظالم [و العدو ، فإن الملك الظالم] لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه ، وقد قيل : ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام ، وإذا قدر كثرة ظلمه ، فذاك خير في الدين ، كالمصائب ، تكون كفارة لذنوبهم ، ويثابون على الصبر عليه ، ويرجعون فيه إلى الله ، ويستغفرونه ويتوبون إليه ، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو . ولهذا قد يمكن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدة ، وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم ، بل لا بد أن يهلكهم ، لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة ، قال تعالى : ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين .
وفي قوله : فمن نفسك - من الفوائد : أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها ، فإن الشر كامن فيها ، لا يجيء إلا منها ، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساؤوا إليه ، فإن ذلك من السيئات التي أصابته ، وهي إنما أصابته بذنوبه ، فيرجع إلى الذنوب ، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ، ويسأل الله أن يعينه على طاعته . فبذلك يحصل له كل خير ، ويندفع عنه كل شر .
ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة : اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته ، فلم يصبه شر ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان ، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة ، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب . ليس كما يقوله بعض المفسرين : إنه قد هداه ! فلماذا يسأل الهدى ؟ ! وإن المراد التثبيت ، أو مزيد الهداية ! بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله ، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور، في كل يوم ، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك . فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريداً للعمل بما يعلمه ، وإلا كان العلم حجة عليه ، ولم يكن مهتدياً . ومحتاج إلى أن يجعله قادراً عل العمل بتلك الإرادة الصالحة ، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم ، وما لا نريد فعله تهاوناً وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه ، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك ، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التامة ، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤاله سؤال تثبيت ، وهي آخر الرتب . وبعد ذلك كله هداية أخرى ، وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة . ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة ، لفرط حاجتهم إليه ، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء . فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير ، المانعة من الشر ، فقد بين القرآن أن السيئات من النفس ، وإن كانت بقدر الله ، وأن الحسنات كلها من الله تعالى . وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه ، وأن يستغفره العبد من ذنوبه ، وألا يتوكل إلا عليه وحده ، فلا يأتي بالحسنات إلا هو . فأوجب ذلك توحيده ، والتوكل عليه وحده ، والشكر له وحده ، والإستغفار من الذنوب .
وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة ، كما ثبت عنه في الصحيح : أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول : ربنا لك الحمد ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه . ملء السماوات ، وملء الأرض ، وملء ماشئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قاله العبد ، وكلنا لك عبد . فهذا حمد ، وهو شكر لله تعالى ، وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد ، ثم يقول بعد ذلك : لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وهذا تحقيق لوحدانيته ، لتوحيد الربوبية ، خلقاً وقدراً ، وبداية ونهاية ، هو المعطي المانع ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، وتوحيد الإلهية ، شرعاً وأمراً ونهياً ، وإن العباد وإن كانوا يعطون جداً : ملكاً وعظمة وبختاً ورياسة ، في الظاهر ، أو في الباطن ، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة ، فلا ينفع ذا الجد منك الجد ، أي لا ينجيه ولا يخلصه ، ولهذا قال : لاينفعه منك ، ولم يقل ولا ينفعه عندك لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك ، لكن قد لا يضره . فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد ، أو تحقيق قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ، فإنه لو قدر أن شيئاً من الأسباب يكون مستقلاً بالمطلوب ، وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره - : لكان الواجب أن لا يرجى إلا الله ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يسأل إلا هو، ولا يستغاث إلا به ، ولا يستعان إلا هو ، فله الحمد وإليه المشتكى ، وهو المستعان ، وبه المستغاث ، ولا حول ولا قوة إلا به . فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوب ، بل لا بد من انضمام أسباب أخر اليه ، ولا بد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه ، حتى يحصل المقصود ، فكل سبب فله شريك ، وله ضد ، فإن لم يعاونه شريكه ، ولم ينصرف عنه ضده - : لم يحصل مسببه . والمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم اليه من الهواء والتراب وغير ذلك ، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له ، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ، ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات .
والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك ، فهو- مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة والفعل - : فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة ، خارجة عن قدرته ، تعاونه على مطلوبه ، ولو كان ملكاً مطاعاً ، ولا بد أن يصرف عن الأسباب المتعاونة ما يعارضها ويمانعها ، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع .
وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي ، فليس في الوجود شيء واحد هو مقتض تام ، وإن سمي مقتضياً ، وسمي سائر ما يعينه شروطاً - فهذا نزاع لفظي . وأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها فهذا باطل .
ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله ، وعلم أنه لا يستحق أن يسأل غيره ، فضلاً عن أن يعبد غيره ، ولا يتوكل على غيره ، ولا يرجى غيره

عدد المشاهدات *:
19763
عدد مرات التنزيل *:
35150
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 25/12/2012 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 25/12/2012

الكتب العلمية

روابط تنزيل : قوله : ( والايمان : هو الايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى)
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
انسخ ترميز المادة : قوله : ( والايمان : هو الايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى) انسخ ترميز المادة  قوله : ( والايمان : هو الايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى) : swf امتداد
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  قوله : ( والايمان : هو الايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى)
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  قوله : ( والايمان : هو الايمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره ، وحلوه ومره ، من الله تعالى) لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية