اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الأربعاء 5 صفر 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

العلم

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
الأداب و مكارم الأخلاق
كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى
الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى
الكتب العلمية

بسم الله الرحمن الرحيم

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى إنَّمَا كَلَّفَ الْخَلْقَ مُتَعَبَّدَاتِهِ، وَأَلْزَمَهُمْ مُفْتَرَضَاتِهِ، وَبَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَشَرَعَ لَهُمْ دِينَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ دَعَتْهُ إلَى تَكْلِيفِهِمْ، وَلاَ مِنْ ضَرُورَةٍ قَادَتْهُ إلَى تَعَبُّدِهِمْ، وَإِنَّمَا قَصَدَ نَفْعَهُمْ تَفَضُّلاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَفَضَّلَ بِمَا لاَ يُحْصَى عَدًّا مِنْ نِعَمِهِ. بَلْ النِّعْمَةُ فِيمَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّ نَفْعَ مَا سِوَى الْمُتَعَبَّدَاتِ مُخْتَصٌّ بِالدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ، وَنَفْعَ الْمُتَعَبَّدَاتِ يَشْتَمِلُ عَلَى نَفْعِ الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ، وَمَا جَمَعَ نَفْعَ الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ كَانَ أَعْظَمَ نِعْمَةً وَأَكْثَرَ تَفَضُّلاً. وَجَعَلَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مَأْخُوذًا مِنْ عَقْلٍ مَتْبُوعٍ، وَشَرْعٍ مَسْمُوعٍ فَالْعَقْلُ مَتْبُوعٌ فِيمَا لاَ يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ، وَالشَّرْعُ مَسْمُوعٌ فِيمَا لاَ يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لاَ يَرِدُ بِمَا يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَقْلُ، وَالْعَقْلُ لاَ يُتَّبَعُ فِيمَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ. فَلِذَلِكَ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إلَى مَنْ كَمُلَ عَقْلُهُ فَأَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. فَبَلَّغَهُمْ رِسَالَتَهُ، وَأَلْزَمَهُمْ حُجَّتَهُ، وَبَيَّنَ لَهُمْ شَرِيعَتَهُ، وَتَلاَ عَلَيْهِمْ كِتَابَهُ، فِيمَا أَحَلَّهُ وَحَرَّمَهُ، وَأَبَاحَهُ وَحَظَرَهُ، وَاسْتَحَبَّهُ وَكَرِهَهُ، وَأَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَمَا وَعَدَ بِهِ مِنْ الثَّوَابِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَأَوْعَدَ بِهِ مِنْ الْعِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ. فَكَانَ وَعْدُهُ تَرْغِيبًا، وَوَعِيدُهُ تَرْهِيبًا؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ تَبْعَثُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالرَّهْبَةَ تَكُفُّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَالتَّكْلِيفُ يَجْمَعُ أَمْرًا بِطَاعَةٍ وَنَهْيًا عَنْ مَعْصِيَةٍ. وَلِذَلِكَ كَانَ التَّكْلِيفُ مَقْرُونًا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَكَانَ مَا تَخَلَّلَ كِتَابَهُ مِنْ قَصَصِ الانْبِيَاءِ السَّالِفَةِ، وَأَخْبَارِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، عِظَةً وَاعْتِبَارًا تَقْوَى مَعَهُمَا الرَّغْبَةُ، وَتَزْدَادُ بِهِمَا الرَّهْبَةُ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ لُطْفِهِ بِنَا وَتَفَضُّلِهِ عَلَيْنَا. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نِعَمُهُ لاَ تُحْصَى وَشُكْرُهُ لاَ يُؤَدَّى. ثُمَّ جَعَلَ إلَى رَسُولِهِ: صلى الله عليه وسلم بَيَانَ مَا كَانَ مُجْمَلاً، وَتَفْسِيرَ مَا كَانَ مُشْكِلاً، وَتَحْقِيقَ مَا كَانَ مُحْتَمَلاً؛ لِيَكُونَ لَهُ مَعَ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ظُهُورُ الاخْتِصَاصِ بِهِ وَمَنْزِلَةُ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَّ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

ثُمَّ جَعَلَ إلَى الْعُلَمَاءِ اسْتِنْبَاطَ مَا نَبَّهَ عَلَى مَعَانِيهِ، وَأَشَارَ إلَى أُصُولِهِ بِالاجْتِهَادِ فِيهِ إلَى عِلْمِ الْمُرَادِ، فَيَمْتَازُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَيَخْتَصُّوا بِثَوَابِ اجْتِهَادِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فَصَارَ الْكِتَابُ أَصْلاً وَالسُّنَّةُ فَرْعًا وَاسْتِنْبَاطُ الْعُلَمَاءِ إيضَاحًا وَكَشْفًا. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {الْقُرْآنُ أَصْلُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ نَصُّهُ وَدَلِيلُهُ}، وَالْحِكْمَةُ بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالامَّةُ الْمُجْتَمِعَةُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ شَذَّ عَنْهَا. وَكَانَ مِنْ رَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ وَتَفَضُّلِهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ أَقْدَرَهُمْ عَلَى مَا كَلَّفَهُمْ، وَرَفَعَ الْحَرَجَ عَنْهُمْ فِيمَا تَعَبَّدْهُمْ؛ لِيَكُونُوا مَعَ مَا قَدْ أَعَدَّهُ لَهُمْ نَاهِضِينَ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَمُجَانَبَةِ الْمَعَاصِي. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا الا وُسْعَهَا} وَقَالَ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وَجَعَلَ مَا كَلَّفَهُمْ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمًا أَمَرَهُمْ بِاعْتِقَادِهِ، وَقِسْمًا أَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ، وَقِسْمًا أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ؛ لِيَكُونَ اخْتِلاَفُ جِهَاتِ التَّكْلِيفِ أَبْعَثَ عَلَى قَبُولِهِ، وَأَعْوَنَ عَلَى فِعْلِهِ، حِكْمَةً مِنْهُ وَلُطْفًا. وَجَعَلَ مَا أَمَرَهُمْ بِاعْتِقَادِهِ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا إثْبَاتًا، وَقِسْمًا نَفْيًا. فَأَمَّا الاثْبَاتُ فَإِثْبَاتُ تَوْحِيدِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَإِثْبَاتُ بَعْثَتِهِ رُسُلَهُ، وَتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ. وَأَمَّا النَّفْيُ فَنَفْيُ الصَّاحِبَةِ، وَالْوَلَدِ، وَالْحَاجَةِ، وَالْقَبَائِحِ أَجْمَعَ. وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ أَوَّلُ مَا كَلَّفَهُ الْعَاقِلَ وَجَعَلَ مَا أَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمًا عَلَى أَبْدَانِهِمْ كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، وَقِسْمًا فِي أَمْوَالِهِمْ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَقِسْمًا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ وَيَخِفَّ عَنْهُمْ أَدَاؤُهُ نَظَرًا مِنْهُ تَعَالَى لَهُمْ، وَتَفَضُّلاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ. وَجَعَلَ مَا أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمًا لِإِحْيَاءِ نُفُوسِهِمْ وَصَلاَحِ أَبْدَانِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْقَتْلِ، وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ وَالسُّمُومِ، وَشُرْبِ الْخُمُورِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى فَسَادِ الْعَقْلِ وَزَوَالِهِ.

وَقِسْمًا لِائْتِلاَفِهِمْ وَإِصْلاَحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْغَضَبِ، وَالْغَلَبَةِ، وَالظُّلْمِ، وَالسَّرَفِ الْمُفْضِي إلَى الْقَطِيعَةِ، وَالْبَغْضَاءِ. وَقِسْمًا لِحِفْظِ أَنْسَابِهِمْ وَتَعْظِيمِ مَحَارِمِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنْ الزِّنَا وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ. فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ فِيمَا حَظَرَهُ عَلَيْنَا كَنِعْمَتِهِ فِيمَا أَبَاحَهُ لَنَا، وَتَفَضُّلُهُ فِيمَا كَفَّنَا عَنْهُ كَتَفَضُّلِهِ فِيمَا أَمَرَنَا بِهِ. فَهَلْ يَجِدُ الْعَاقِلُ فِي رَوِيَّتِهِ مَسَاغًا أَنْ يُقَصِّرَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ نِعْمَةُ عَلَيْهِ، أَوْ يَرَى فُسْحَةً فِي ارْتِكَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَهُوَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ عَلَيْهِ ؟ وَهَلْ يَكُونُ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ فَأَهْمَلَهَا، مَعَ شِدَّةِ فَاقَتِهِ إلَيْهَا، الا مَذْمُومًا فِي الْعَقْلِ مَعَ مَا جَاءَ مِنْ وَعِيدِ الشَّرْعِ ؟ ثُمَّ مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَتَفَضُّلِهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ جِنْسِ كُلِّ فَرِيضَةٍ نَفْلاً، وَحَمَلَ لَهَا مِنْ الثَّوَابِ قِسْطًا، وَنَدَبَهُمْ إلَيْهِ نَدْبًا، وَجَعَلَ لَهُمْ بِالْحَسَنَةِ عَشْرًا لِيُضَاعِفَ ثَوَابَ فَاعِلِهِ، وَيَضَعَ الْعِقَابَ عَنْ تَارِكِهِ. وَمِنْ لَطِيفِ حِكْمَتِهِ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ عِبَادَةٍ حَالَتَيْنِ: حَالَةُ كَمَالٍ وَحَالَةُ جَوَازٍ، رِفْقًا مِنْهُ بِخَلْقِهِ لِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ فِيهِمْ الْعَجِلَ الْمُبَادِرَ وَالْبَطِيءَ الْمُتَثَاقِلَ، وَمَنْ لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَى أَدَاءِ الاكْمَلِ لِيَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ هَيْئَاتِ عِبَادَتِهِ غَيْرَ قَادِحٍ فِي فَرْضٍ، وَلاَ مَانِعٍ مِنْ أَجْرٍ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْنَا وَحُسْنِ نَظَرِهِ إلَيْنَا. وَكَانَ أَوَّلُ مَا فَرَضَ بَعْدَ تَصْدِيقِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم عِبَادَاتِ الابْدَانِ، وَقَدْ قَدَّمَهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالامْوَالِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ عَلَى الامْوَالِ أَشَحُّ وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِالابْدَانِ أَسْمَحُ، وَذَلِكَ الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ. فَقَدَّمَ الصَّلاَةَ عَلَى الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلاَةَ أَسْهَلُ فِعْلاً، وَأَيْسَرُ عَمَلاً، وَجَعَلَهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى خُضُوعٍ لَهُ وَابْتِهَالٍ إلَيْهِ. فَالْخُضُوعُ لَهُ رَهْبَةٌ مِنْهُ، وَالابْتِهَالُ إلَيْهِ رَغْبَةٌ فِيهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى صَلاَتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ}.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مَرَّةً وَاحْمَرَّ أُخْرَى فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَتَتْنِي الامَانَةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلْتهَا أَنَا فَلاَ أَدْرِي أَأُسِيءُ فِيهَا أَمْ أُحْسِنُ. ثُمَّ جَعَلَ لَهَا شُرُوطًا لاَزِمَةً مِنْ رَفْعِ حَدَثٍ، وَإِزَالَةِ نَجَسٍ؛ لِيَسْتَدِيمَ النَّظَافَةَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ، وَالطَّهَارَةَ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ. ثُمَّ ضَمَّنَهَا تِلاَوَةَ كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ لِيَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ، مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَيَعْتَبِرَ إعْجَازَ أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ. ثُمَّ عَلَّقَهَا بِأَوْقَاتٍ رَاتِبَةٍ، وَأَزْمَانٍ مُتَرَادِفَةٍ؛ لِيَكُونَ تَرَادُفُ أَزْمَانِهَا وَتَتَابُعُ أَوْقَاتِهَا سَبَبًا لِاسْتِدَامَةِ الْخُضُوعِ لَهُ وَالابْتِهَالِ إلَيْهِ، فَلاَ تَنْقَطِعُ الرَّهْبَةُ مِنْهُ وَلاَ الرَّغْبَةُ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ تَنْقَطِعْ الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ اسْتَدَامَ صَلاَحُ الْخَلْقِ. وَبِحَسَبِ قُوَّةِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهَا عَلَى الْكَمَالِ أَوْ التَّقْصِيرِ فِيهَا حَالَ الْجَوَازِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {الصَّلاَةُ مِكْيَالٌ فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ فِي الْمُطَفِّفِينَ}. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ كَانَتْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَزَّ وَجَلَّ أَهْوَنَ}.

وَأَنْشَدْت لِبَعْضِ الْفُصَحَاءِ فِي ذَلِكَ: أَقْبِلْ عَلَى صَلَوَاتِك الْخَمْسِ كَمْ مُصْبِحٍ وَعَسَاهُ لاَ يُمْسِي وَاسْتَقْبِلْ الْيَوْمَ الْجَدِيدَ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو ذُنُوبَ صَبِيحَةِ الامْسِ فَلَيَفْعَلَنَّ بِوَجْهِك الْغَضِّ الْبِلَى فِعْلَ الظَّلاَمِ بِصُورَةِ الشَّمْسِ ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الصِّيَامَ وَقَدَّمَهُ عَلَى زَكَاةِ الامْوَالِ لِتَعَلُّقِ الصِّيَامِ بِالابْدَانِ. وَكَانَ فِي إيجَابِهِ حَثٌّ عَلَى رَحْمَةِ الْفُقَرَاءِ وَإِطْعَامِهِمْ وَسَدِّ جَوْعَاتِهِمْ لِمَا عَايَنُوهُ مِنْ شِدَّةِ الْمَجَاعَةِ فِي صَوْمِهِمْ. وَقَدْ قِيلَ لِيُوسُفَ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ -: أَتَجُوعُ وَأَنْتَ عَلَى خَزَائِنِ الارْضِ ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَشْبَعَ فَأَنْسَى الْجَائِعَ. ثُمَّ لِمَا فِي الصَّوْمِ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ وَإِذْلاَلِهَا وَكَسْرِ الشَّهْوَةِ الْمُسْتَوْلِيَةِ عَلَيْهَا وَإِشْعَارِ النَّفْسِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى يَسِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَالْمُحْتَاجُ إلَى الشَّيْءِ ذَلِيلٌ بِهِ. وَبِهَذَا احْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَنْ اتَّخَذَ عِيسَى - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ - وَأُمَّهُ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِهِ، فَقَالَ: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ الا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ}. فَجَعَلَ احْتِيَاجَهُمَا إلَى الطَّعَامِ نَقْصًا فِيهِمَا عَنْ أَنْ يَكُونَا إلَهَيْنِ. وَقَدْ وَصَفَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ نَقْصَ الانْسَانِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَالَ: مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ مَحْتُومُ الاجَلِ، مَكْتُومُ الامَلِ، مَسْتُورُ الْعِلَلِ. يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ وَيَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ. أَسِيرُ جُوعِهِ، صَرِيعُ شِبَعِهِ تُؤْذِيهِ الْبَقَّةُ، وَتُنْتِنُهُ الْعَرَقَةُ وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ. لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا، وَلاَ نَفْعًا وَلاَ مَوْتًا، وَلاَ حَيَاةً، وَلاَ نُشُورًا. فَانْظُرْ إلَى لُطْفِهِ بِنَا، فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ الصِّيَامِ عَلَيْنَا. كَيْفَ أَيْقَظَ الْعُقُولَ لَهُ، وَقَدْ كَانَتْ عَنْهُ غَافِلَةً أَوْ مُتَغَافِلَةً. وَنَفَعَ النُّفُوسَ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ مُنْتَفِعَةً وَلاَ نَافِعَةً. ثُمَّ فَرَضَ زَكَوَاتِ الامْوَالِ وَقَدَّمَهَا عَلَى فَرْضِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ فِي الْحَجِّ مَعَ إنْفَاقِ الْمَالِ سَفَرًا شَاقًّا، فَكَانَتْ النَّفْسُ إلَى الزَّكَاةِ أَسْرَعَ إجَابَةً مِنْهَا إلَى الْحَجِّ، فَكَانَ فِي إيجَابِهَا مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ، وَمَعُونَةً لِذَوِي الْحَاجَاتِ، تَكُفُّهُمْ عَنْ الْبَغْضَاءِ وَتَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّقَاطُعِ وَتَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّوَاصُلِ؛ لِأَنَّ الامِلَ وَصُولٌ وَالرَّاجِيَ هَائِبٌ، وَإِذَا زَالَ الامَلُ وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ وَاشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ وَقَعَتْ الْبَغْضَاءُ وَاشْتَدَّ الْحَسَدُ فَحَدَثَ التَّقَاطُعُ بَيْنَ أَرْبَابِ الامْوَالِ وَالْفُقَهَاءِ، وَوَقَعَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالاغْنِيَاءِ، حَتَّى تُفْضِيَ إلَى التَّغَالُبِ عَلَى الامْوَالِ وَالتَّغْرِيرِ بِالنُّفُوسِ.

هَذَا مَعَ مَا فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ تَمْرِينِ النَّفْسِ عَلَى السَّمَاحَةِ الْمَحْمُودَةِ وَمُجَانَبَةِ الشُّحِّ الْمَذْمُومِ؛ لِأَنَّ السَّمَاحَةَ تَبْعَثُ عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالشُّحَّ يَصُدُّ عَنْهَا. وَمَا يَبْعَثُ عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ فَأَجْدَرُ بِهِ حَمْدًا، وَمَا صَدَّ عَنْهَا فَأَخْلِقْ بِهِ ذَمًّا. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {شَرُّ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ}. فَسُبْحَانَ مَنْ دَبَّرَنَا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ، وَأَخْفَى عَنْ فِطْنَتِنَا جَزِيلَ نِعْمَتِهِ، حَتَّى اسْتَوْجَبَ مِنْ الشُّكْرِ بِإِخْفَائِهَا أَعْظَمَ مِمَّا اسْتَوْجَبَهُ بِإِبْدَائِهَا. ثُمَّ فَرَضَ الْحَجَّ فَكَانَ آخِرَ فُرُوضِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ عَمَلاً عَلَى بَدَنٍ وَحَقًّا فِي مَالٍ. فَجَعَلَ فَرْضَهُ بَعْدَ اسْتِمْرَارِ فُرُوضِ الابْدَانِ وَفُرُوضِ الامْوَالِ؛ لِيَكُونَ اسْتِئْنَاسَهُمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ ذَرِيعَةً إلَى تَسْهِيلِ مَا جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ. فَكَانَ فِي إيجَابِهِ تَذْكِيرٌ لِيَوْمِ الْحَشْرِ بِمُفَارَقَةِ الْمَالِ وَالاهْلِ، وَخُضُوعِ الْعَزِيزِ وَالذَّلِيلِ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي فِي الرَّهْبَةِ مِنْهُ وَالرَّغْبَةِ إلَيْهِ، وَإِقْلاَعِ أَهْلِ الْمَعَاصِي عَمَّا اجْتَرَحُوهُ، وَنَدَمِ الْمُذْنِبِينَ عَلَى مَا أَسْلَفُوهُ، فَقَلَّ مَنْ حَجَّ الا وَأَحْدَثَ تَوْبَةً مِنْ ذَنْبٍ وَإِقْلاَعًا مِنْ مَعْصِيَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {مِنْ عَلاَمَةِ الْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا بَعْدَهَا خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَهَا}. وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النَّدَمَ عَلَى الذُّنُوبِ مَانِعٌ مِنْ الاقْدَامِ عَلَيْهَا، وَالتَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ لِمَا سَلَفَ مِنْهَا. فَإِذَا كَفَّ عَمَّا كَانَ يَقْدُمُ عَلَيْهِ أَنْبَأَ عَنْ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ، وَصِحَّةُ التَّوْبَةِ تَقْتَضِي قَبُولَ حَجَّتِهِ.

ثُمَّ نَبَّهَ بِمَا يُعَانِي فِيهِ مِنْ مَشَاقِّ السَّفَرِ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ عَلَى مَوْضِعِ النِّعْمَةِ بِرَفَاهَةِ الاقَامَةِ وَأَنَسَةِ الاوْطَانِ لِيَحْنُوَ عَلَى مِنْ سُلِبَ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ. ثُمَّ أَعْلَمَ بِمُشَاهَدَةِ حَرَمِهِ الَّذِي أَنْشَأَ مِنْهُ دِينَهُ، وَبَعَثَ فِيهِ رَسُولَهُ. ثُمَّ بِمُشَاهَدَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ طَاعَتِهِ، وَأَذَلَّ بِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، حَتَّى خَضَعَ لَهُ عُظَمَاءُ الْمُتَجَبِّرِينَ، وَتَذَلَّلَ لَهُ زُعَمَاءُ الْمُتَكَبِّرِينَ. إنَّهُ لَمْ يَنْتَشِرْ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُنْقَطِعِ، وَلاَ قَوِيَ بَعْدَ الضَّعْفِ الْبَيِّنِ حَتَّى طَبَّقَ الارْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا الا بِمُعْجِزَةٍ ظَاهِرَةٍ وَنَصْرٍ عَزِيزٍ. فَاعْتَبِرْ - أَلْهَمَك اللَّهُ الشُّكْرَ وَوَفَّقَك لِلتَّقْوَى - إنْعَامَهُ عَلَيْك فِيمَا كَلَّفَك، وَإِحْسَانَهُ إلَيْك فِيمَا تَعَبَّدَك. فَقَدْ وَكَّلْتُك إلَى فِطْنَتِك وَأَحَلْتُك عَلَى بَصِيرَتِك بَعْدَ أَنْ كُنْتُ لَك رَائِدًا صَدُوقًا، وَنَاصِحًا شَفُوقًا هَلْ تُحْسِنُ نُهُوضًا بِشُكْرِهِ إذَا فَعَلْت مَا أَمَرَك، وَتَقَبَّلْت مَا كَلَّفَك ؟ كَلاً إنَّهُ لاَ يُوَلِّيك نِعْمَةً تُوجِبُ الشُّكْرَ إذَا وَصَلَهَا قَبْلَ شُكْرِ مَا سَلَفَ بِنِعْمَةٍ تُوجِبُ الشُّكْرَ فِي الْمُؤْتَنَفِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: نِعَمُ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُشْكَرَ الا مَا أَعَانَ عَلَيْهِ، وَذُنُوبُ ابْنِ آدَمَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُغْفَرَ الا مَا عَفَا عَنْهُ. وَأَنْشَدْت لِمَنْصُورِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْفَقِيهِ الْمِصْرِيِّ رحمه الله تعالى: شُكْرُ الالَهِ نِعْمَةٌ مُوجِبَةٌ لِشُكْرِهِ فَكَيْفَ شُكْرِي بِرَّهُ وَشُكْرُهُ مِنْ بِرِّهِ وَإِذَا كُنْت عَنْ شُكْرِ نِعَمِهِ عَاجِزًا فَكَيْفَ بِك إذَا قَصَّرَتْ فِيمَا أَمَرَك، أَوْ فَرَّطْت فِيمَا كَلَّفَك، وَنَفْعُهُ أَعْوَدُ عَلَيْك لَوْ فَعَلْته. هَلْ تَكُونُ لِسَوَابِغِ نِعَمِهِ الا كَفُورًا، وَبِبِدَايَةِ الْعُقُولِ الا مَزْجُورًا ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ يَعْرِفُونَ مَا عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ وَيُنْكِرُونَهَا بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ وَرِثُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ وَاكْتَسَبُوهَا بِأَفْعَالِهِمْ.

وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي أَتَحَبَّبُ إلَيْك بِالنِّعَمِ وَتَتَمَقَّتُ إلَيَّ بِالْمَعَاصِي. خَيْرِي إلَيْك نَازِلٌ وَشَرُّك إلَيَّ صَاعِدٌ كَمْ مِنْ مَلَكٍ كَرِيمٍ يَصْعَدُ إلَيَّ مِنْك بِعَمَلٍ قَبِيحٍ}. وَقَالَ بَعْضُ صُلَحَاءِ السَّلَفِ: قَدْ أَصْبَحَ بِنَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لاَ نُحْصِيهِ، مَعَ كَثْرَةِ مَا نَعْصِيهِ، فَلاَ نَدْرِي أَيَّهُمَا نَشْكُرُ، أَجَمِيلَ مَا يَنْشُرُ، أَمْ قَبِيحَ مَا يَسْتُرُ. فَحَقَّ عَلَى مَنْ عَرَفَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ أَنْ يَقْبَلَهَا مُمْتَثِلاً لِمَا كُلِّفَ مِنْهَا وَقَبُولُهَا يَكُونُ بِأَدَائِهَا، ثُمَّ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ مِنْ إسْدَائِهَا. فَإِنَّ بِنَا مِنْ الْحَاجَةِ إلَى نِعَمِهِ أَكْثَرَ مِمَّا كَلَّفَنَا مِنْ شُكْرِ نِعَمِهِ. فَإِنْ نَحْنُ أَدَّيْنَا حَقَّ النِّعْمَةِ فِي التَّكْلِيفِ تَفَضَّلَ بِإِسْدَاءِ النِّعْمَةِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ التَّكْلِيفِ، فَلَزِمَتْ النِّعْمَتَانِ وَمَنْ لَزِمَتْهُ النِّعْمَتَانِ فَقَدْ أُوتِيَ حَظَّ الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ، وَهَذَا هُوَ السَّعِيدُ بِالاطْلاَقِ. وَإِنْ قَصَّرْنَا فِي أَدَاءِ مَا كُلِّفْنَا مِنْ شُكْرِهِ قَصَرَ عَنَّا مَا لاَ تَكْلِيفَ فِيهِ مِنْ نِعَمِهِ، فَنَفَرَتْ النِّعْمَتَانِ وَمَنْ نَفَرَتْ عَنْهُ النِّعْمَتَانِ فَقَدْ سُلِبَ حَظَّ الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَيَاةِ حَظٌّ وَلاَ فِي الْمَوْتِ رَاحَةٌ، وَهَذَا هُوَ الشَّقِيُّ بِالاسْتِحْقَاقِ. وَلَيْسَ يَخْتَارُ الشِّقْوَةَ عَلَى السَّعَادَةِ ذُو لُبٍّ صَحِيحٍ وَلاَ عَقْلٍ سَلِيمٍ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}. وَرَوَى الاعْمَشُ عَنْ سُلَيْمٌ قَالَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: {يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَشَدَّ هَذِهِ الايَةِ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ الْمُصِيبَةَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ}. وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيلِ قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ}. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَحَدُ الْعَذَابَيْنِ الْفَضِيحَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِي عَذَابُ الْقَبْرِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: أَحَدُ الْعَذَابَيْنِ مَصَائِبُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ، وَالثَّانِي عَذَابُ الاخِرَةِ فِي النَّارِ.

وَلَيْسَ وَإِنْ نَالَ أَهْلُ الْمَعَاصِي لَذَّةً مِنْ عَيْشٍ أَوْ أَدْرَكُوا أُمْنِيَةً مِنْ دُنْيَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا وَنِقْمَةً. وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {إذَا رَأَيْت اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الْعِبَادَ مَا يَشَاؤُنِ عَلَى مَعَاصِيهِمْ إيَّاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ لَهُمْ ثُمَّ تَلاَ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}.

الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى

الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :فَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ الَّتِي يَمْنَعُ الشَّرْعُ مِنْهَا

الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِيمَا كُلِّفَ مِنْ عِبَادَاتِهِ

الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :وَاعْلَمْ - جَعَلَ اللَّهُ الْعِلْمَ حَاكِمًا لَك وَعَلَيْك


عدد المشاهدات *:
13417
عدد مرات التنزيل *:
97615
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 12/05/2007 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 12/05/2007

الكتب العلمية

روابط تنزيل : الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ :اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية