اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الأربعاء 5 صفر 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

تزوجوا

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الأحكام السلطانية والولايات الدينية
في أحكام الحسبة
الباب العشرون : في أحكام الحسبة
الباب العشرون : في أحكام الحسبة
الباب العشرون : في أحكام الحسبة : أ
الأحكام السلطانية والولايات الدينية


الحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركته ونهى عن المنكر إذا أظهر فعله وقال الله تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".
وهذا وإن صح من كل مسلم فالفرق فيه بين المتطوع والمحتسب من تسعة أوجه: أحدها أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية. والثاني أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه، وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره.
والثالث أنه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوباً للاستعداء.
والرابع أن على المحتسب إجابة من استعداه وليس على المتطوع إجابته.
والخامس أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته ليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص.
والسادس أن له أن يتخذ على إنكاره أعواناً لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعواناً.
والسابع أن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة لا يتجاوز إلى الحدود وليس للمتطوع أن يعزر على منكر.
والثامن أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر.
والتاسع أن له اجتهاد رأيه فيم تعلق بالعرف دون الشرع كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة فيه فيقر وينكر من ذلك ما أداه اجتهاده إليه وليس هذا للمتطوع فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كان يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر وبين غيره من المتطوعين وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من هذه الوجوه التسعة.
وإذا كان كذلك فمن شروط والي الحسبة أن يكون حراً عدلاً ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة.
واختلف الفقهاء من أصحاب الشافع، هل يجوز له أن يحمل فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا ؟ على وجهين: أحدهما وهو قول أبي سعيد الأصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه. والوجه الثاني ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد الكافة وفيما اختلف فيه؛ فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً بالمنكرات المتفق عليها.
وأعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام بالقضاء وأحكام المظالم، فأما ما بينها وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصورة عنه من وجهين وزائدة عليه من وجهين: فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء.
فأحدهما جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى، وإنما يختص ثلاث أنواع من الدعوى: أحدها أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن: والثاني ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن. والثالث فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة، وإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوي دون ما عداها من سائر الدعاوي لتلقها بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته، لأن موضوع الحسبة ألزم الحقوق والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات. فهذا أحد وجهي الموافقة.
والوجه الثاني أن له إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذي عليه وليس هذا على العموم في كل الحقوق وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها على العموم في كل الحقوق وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها وإذا وجبت باعتراف وإقرار مع تمكنه وإيساره فيلزم المقر الموسر الخروج منها ودفعها إلى مستحقها، لأن في تأخيره لها منكر هو منصوب لإزالته.
وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء. فأحدهما قصورها عن سماع عموم الدعاوي الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى لها ولا أن يتعرض للحكم فيها لا في كثير الحقوق ولا في قليلها من درهم فما دونه إلا أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعاً بين قضاء وحسبة، فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد، وإن اقتصر به عن مطلق الحسبة فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثير أحق، فهذا وجه.
والوجه الثاني أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها، فأما ما يتداخله التجاحد والتناكر فلا يجوز له النظر فيه، لأن الحاكم فيها يقف على سماع بينة وإحلاف يمين، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق، ولا أن يحلف يميناً على نفي الحق والقضاة والحكام بسماع البينة وإحلاف الخصوم أحق.
وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء.
فأحدهما أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لنصفح ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه، فإن تعرض لذلك خرج عن منصب ولايته وصار متجوزاً في قاعدة نظره.
والثاني أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيم تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة لأن الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوراً فيها ولا خرقاً والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أحق وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق لأن موضوع كل واحد من المنصبين مختلف فالتجوز فيه خروج عن حده.
وأما ما بين الحسبة والمظالم فينهما شبه مؤتلف وفرق مختلف.
فأما لشبه الجامع بينهما فمن وجهين: أحدهما أن موضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة، والثاني جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتصلع إلى إنكار العدوان الظاهر.
وأما الفرق بينهما فمن وجهين: أحدهما أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفع عنه القضاة ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسب ولم يجز للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم، وجاز له أن يوقع إلى المحتسب ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما، فهذا الفرق الثاني أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم.
وإذا استقر ما وصفناه من موضوع الحسبة ووضع الفرق بينهما وبين القضاء والمظالم فهي تشتمل على فصلين: أحدهما أمر بالمعروف. والثاني نهي عن المنكر.
فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها ما يتعلق بحقوق لله تعالى. والثاني ما يتعلق بحقوق الآدميين، والثالث ما يكون مشتركاً بينهما.
فأما المتعلق بحقوق الله عز وجل فضربان، أحدهما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد كترك الجمعة في وطن مسكون، فإن كانوا عدداً قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم كالأربعين فما زاد فواجب أن يأخذهم بإقامتها ويأمرهم بفعلها ويؤدب على الإخلال بها وإن كانوا عدداً اختلف في انعقاد الجمعة بهم فله ولهم أربعة أحوال: أحدها أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد فواجب عليه أن يأمرهم بإقامتها وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها ويكون في تأديبهم على تركها ألين من تأديبه على ترك ما نعقد الإجماع عليه.
والحالة الثانية أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق.
الحالة الثالثة أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولايراه المحتسب، فلا يجوز له أن يعارضهم فيها ولا يأمر بإقامتها لأنه لايراه، ولا يجوز أن ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم.
والحالة الرابعة أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتباراً بهذا المعنى أم لا ؟ على وجهين لأصحاب الشافعي رضي الله عنه.
أحدهما وهو مقتضى قول أبي سعيد الأصطخري أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتباراً بالمصلحة لئلا ينشأ الصغير على تركها فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه، فقد راعى زياد مثل هذا في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحنه فرفعوا من السجود مسحوا جباهم من التراب فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد الجامع وقال لست آمن أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة.
والوجه الثاني لا يتعرض لأمرهم بها لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ولا أن يأخذهم في الدين برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة. وأما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها، وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة? على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها هل هي مسنونة أو من فروض الكفاية؟ فإن قيل إنها مسنونة كان الأمر بها ندباً، وإن قيل إنها من فروض الكفاية كان الأمر بها حتماً.
فأما صلاة الجماعة في المساجد وإقامة الأذان فيها للصلوات فمن شعائر الإسلام وعلامات التعبد التي فرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين دار الإسلام ودار الشرك فإذا اجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل الجماعة في مساجدهم وترك الأذان في أوقات صلواتهم كان المحتسب مندوباً إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه أو مستحب له يثاب على فعله؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي في اتفاق أهل بلد على ترك الأذان والإقامة والجماعة، وهل يلزم السلطان محاربتهم عليه أم لا؟ فأما ترك صلاة الجمعة من آحاد الناس أو ترك الأذان والإقامة لصلاته فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفاً لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار إلا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفاً وعادة ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء به فيراعى حكم المصلحة به في زجره عما استهان به من سنن عبادته ويكون وعيده على ترك الجماعة معتبراً بشواهد حاله، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لقد هممت أن آمر أصحابي أن يجمعوا حطباً وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام ثم أخالف إلى منازل أقوام لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم".
وأما ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها فيذكر بها ويأمر بفعلها ويراعى جوابه عنها، فإن قال تركتها لنسيان حثه على فعلها بعد ذكره ولم يؤدبه؛ وإن قال تركتها لتوان وهو إن أدبه زجراً وأخذه بفعلها جبراً، ولا اعتراض على من أخرها والوقت باق لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير، ولكن لو كانت الجماعات في بلد قد اتفق أهله على تأخير صلواتهم إلى آخره والمحتسب يرى فضل تعجيلها فهل له أن يأمرهم بالتعجيل على وجهين لأن اعتبار جميع الناس لتأخيرها يفضي بالصغير الناشئ إلى اعتقاد أن هذا هو الوقت دون ما تقدم ولو عجلها بعضهم ترك من آخرها منهم وما يراه من التأخير.
فأما الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا اعتراض له فيه بأمر ولا نهي وإن كان يرى إذا ما يفعل مسوغاً في الاجتهاد لخروجه عن معنى ما قدمناه وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة النجاسة بالمائعات والوضوء بماء تغير بالمذرورات الطاهرات، أو اقتصار على مسح أقل الرأس أو العفو عن قدر درهم من النجاسات فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي، وكان له في اعتراضه عليهم في الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل حال فإنه ربما آل إلى السكر من شربه ثم على نظائر هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الله تعالى.
فأما الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين فضربان: عام وخاص.
فأما العام فكالبلد إذا تعطل شربه أو استهدم سوره أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم، فإن كان في بيت المال مالاً لم يتوجه عليهم فيه ضرر أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم وبمعونة بني السبيل في الاجتياز بهم، لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم، وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم، فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم وعمارة مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني السبيل فيهم متوجهاً إلى كافة ذوي الأمكنة منهم ولا يتعين أحدهم في الأمر به، وإن شرع ذوي المكنة في عملهم وفي مراعاة بني السبيل وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به ولم يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل وفي بناء ما كان مهدوماً، ولكن لو أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المسترم والمستهدم لم يكن لهم الإقدام على هدمه فيما عم أهل البلد من سوره وجامعهم إلا باستئذان ولي الأمر دون المحتسب ليأذن لهم في هدمه بعد تضمينه القيام بعمارته وجاز فيما خص من المساجد في العشائر والقبائل ألا يستأذنوه، وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه، فأما إذا كف ذوي المكنة عن بناء ما استهدم وعمارة ما استرم، فإن كان المقام في البلد ممكناً وكان الشرب وإن قل مقنا تاركهم وإباه. وإن تعذر المقام في البلد لتعطيل شربه واندحاض سورة نظر، فإن كان البلد ثغراً يضر بدار الإسلام تعطيله لم يجز لولي الأمر أن يفسخ في الانتقال عنه وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في القيام كافة ذوي المكنة به وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به، وترغيب أهل المكنة في عمله وإن لم يكن هذا البلد ثغراً مضراً بدار الإسلام كان أمره أيسره وحكمه أخف ولم يكن هذا للمحتسب أن يأخذ أهله جبراً بعمارته، لأن السلطان أحق أن يقوم به، ولو اعوزه المال فيستجده فيقول لهم المحتسب ما استدام عجز السلطان عنه أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانة، فإن أجابوه إلى التزام ذلك كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم ولم يجز أن يأخذ كل واحد منهم في عينه أن يلتزم جبراً ما لا تسمح به نفسه من قليل و كثير ويقول ليخرج كل واحد منكم ما سهل عليه وطاب نفساً به ومن أعوزه المال أعان العمل حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة أو يلوح اجتماعها بضمان كل واحد من أهل المكنة قدراً طاب به نفساً شرع حينئذ في عمل المصلحة وأخذ كل ضامن من الجماعة بالتزام ما ضمنه، وإن كان مثل هذا الضمان لا يلزم في المعاملات الخاصة، لأن حكم ما عم من المصالح موسع فكان حكم الضمان فيه أوسع. وإذا عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها لئلا يصير بالتفرد مفتاتاً عليه إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته فإن قلت وشق استئذان السلطان فيها أو خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان.
وأما الخاص فكالحقوق إذا مطلت والديون إذا أخرت فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس بها لأن الحبس حكم، وله أن يلازم عليها لأن لصاحب الحق أن يلازم، وليس له الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن تجب له، ويجب عليه إلا أن يكون الحاكم قد فرضها فيجوز له أن يأخذ له بأدائها، وكذلك كفالة من تجب كفالته من الصغار والاعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم فيجوز حينئذ للمحتسب أن يأمر بالقيام بها على الشروط المستحقة فيها.
وأما قبول الوصايا والودائع فليس له أن يأمر فيها أعيان الناس وآحادهم ويجوز أن يأمر بها على العموم حثا على التعاون بالبر والتقوى، ثم على هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين.
وأما الأمر بالمعروف فيما كان مشتركاً بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فكأخذ الأولياء نكاح الأيامى أكفائهن إذا طلبن وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن وله تأديب من خالف في العدة من النساء وليس له تأديب من امتنع من الأولياء.
ومن نفى ولداً قد ولد فراض أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الأدباء جبراً وعزره عن النفي أدباً، ويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء وأن لا يكلفوا من الأعمال ما لا يطيقون، وكذلك أرباب البهائم يأخذه بعلوفتها إذا قصروا وأن لا يستعملوها فيما لا تطيق.
ومن أخذ لقيط وقصر في كفالته أمره أن يقوم بحقوق التقاطه من التزام كفالته أو تسليمه إلى من يلتزمها ويقول بها، وكذلك واجد الصوال إذا قصر فيها يأخذه بمثل ذلك من القيام بها ويكون ضامناً للضالة بالتقصير ولا يكون به ضامناً اللقيط.
وإذا أسلم الضالة إلى غيره ضمنها؛ ولا يضمن اللقيط بالتسليم إلى غيره، ثم على نظائر هذا المثال يكون أمره بالمعروف في الحقوق المشتركة.
وأما النهي عن المنكرات فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها ما كان من حقوق الله تعالى. والثاني ما كان من حقوق الآدميين، والثالث ما كان مشتركاً بين الحقين.
فأما النهي عنها في حقوق الله تعالى فعلى ثلاثة أقسام: أحدها ما تعلق بالعبادات. والثاني ما تعلق بالمحظورات. والثالث ما تعلق بالمعاملات.
فأما المتعلق بالعبادات فكالقاصد مخالفة هيئاتها المشروعة والمتعمد تغيير أوصافها المسنونة مثلاً من يقصد الجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في صلاة الجهر أو يزيد في الصلاة أو في الآذان أذكاراً غير مسنونة، فللمحتسب إنكارها وتأديب المعاند فيها إذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع، وكذل إذا أخل بتطهير جسده أو ثوبه أو موضع صلاته أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهم ولا بالظنون، كالذي حكى على بعض الناظرين في الحسبة أنه سأل رجلاً داخلاً إلى المسجد بنعلين هل يدخل بهما بيت طهارته فلما أنكر ذلك أراد إحلافه عليه، وهذا جهل من فاعله وتعدى فيه أحكام الحسبة وغلب فيه سوء الظنة، وهكذا لو ظن برجل أنه يترك الغسل من الجنابة أو يترك الصلاة والصيام لم يؤاخذه بالتهم ولم يعامله بالإنكار، ولكن يجوز له بالتهمة أن يعظ ويحذر من عذاب الله على إسقاط حقوقه والإخلال بمفروضاته. فإن رآه يأكل في شهر رمضان لم يقدم على تأديبه إلا بعد سؤاله عن سبب أكله إذا التبست أحواله فربما كان مريضاً أو مسافراً أو يلزمه السؤال إذا ظهرت منه إمارات الريب، فإن ذكر من الأعذار ما يحتمله حالة كف عن زجره وأمره بإخفاء أكله لئلا يعرض نفسه للتهمة ولا يلزم إحلافه عند الاسترابة بقوله لأنه موكول إلى أمانته، فإن لم يذكر عذراً جاهر بالإنكار عليه مجاهرة ردع وأدبه تأديب زجر، وهكذا لو علم عذره في كل أنكر عليه المجاهرة بتعويض نفسه للتهمة، ولئلا يقتضى به من ذوي الجهالة ممن لا يميز حال عذره من عيره.
وأما الممتنع من إخراج الزكاة؛ فإن كان من الأموال الظاهرة فعامل الصدقة يأخذها منه جبراً أخص وهو بتعزيره على الغلول إن لم يجد له عذراً أحق، وإن كان من الأموال الباطنة فيحتمل أن يكون المحتسب أخص بالإنكار عليه من عامل الصدقة، لأنه اعتراض للعامل في الأموال الباطنة، ويحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه أخص لأنه لو دفعها له أجازه ويكون تأديبه معتبراً بشواهد حاله في الامتناع من إخراج زكاته، فإن ذكر أنه يخرجها سراً وكل إلى أمانته فيها. وإن رأى رجلاً يتعرض لمسألة الناس في طلب الصدقة وعلم أنه غني إما بمال أو عمل أنكره عليه وأدبه فيه وكان المحتسب بإنكاره أخص من عامل الصدقة قد فعل عمر رضي الله عنه مثل ذلك بقوم من أهل الصدقة ولو رأى عليه آثار الغنى وهو يسأل الناس آلامه تحريمها على المستغني عنها ولم ينكره عليه لجواز أن يكون في الباطن فقيراً، وإذا تعرض للمسألة ذو جلد وقوة على العمل زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمله، فإن أقام على المسألة عزره حتى يقلع عنها. وإن دعت الحالة عند إلحاح من حرمت عليه المسألة بمال أو عمل إلا أن ينفق على ذي مال جبراً من ماله ويؤجر ذا العمل وينفق عليه من أجرته لم يكن المحتسب أن يفعل ذلك بنفسه لأن هذا حكم والحكام به أحق فيرفع أمره إلى الحاكم ليتولى ذلك أو يأذن فيه.
 وإذا وجد من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف جواب أنكر عليه التصدي لما ليس هو من أهله وأظهر أمره لئلا يغتر به. ومن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار. قد مر علي بن أبي طالب عليه السلام بالحسن البصري وهو يتكلم عن الناس فاختبره، فقال له ما عماد الدين؟ فقال الورع، فقال فما آفته؟ قال الطمع، قال تكلم الآن إن شئت. وهكذا لو ابتدع بعض المنتسبين إلى العلم قولاً خرق به الإجماع وخالف فيه النص ورد قوله علماء عصره أنكره عليه وزجره عنه، فإن أقلع وتاب وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق وإذا تعرض بعض المفسرين لكتاب الله تعالى بتأويل عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة تتكلف له غمض معانيه أو تفرد بعض الرواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس أو يفسد بها التأويل كان على المحتسب إنكار ذلك والمنع منه، وهكذا إنما يصح منه إنكاره إذا تميز عنده الصحيح من الفاسد والحق من الباطن، وذلك من أحد وجهين، إما أن يكون بقوته في العلم واجتهاده فيه حتى لا يخفى ذلك عليه، وإما بأن يتفق علماء الوقت على إنكاره وابتداعه فيستعدونه فيه فيعول في الإنكار على أقاويلهم وفي المنع منه على اتفاقهم.
وأما ما تعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
فيقدم الإنكار ولا يعجل بالتأديب قبل الإنكار.
حكى إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء فرأى رجلاً يصلي مع النساء فضربه بالدرة فقال الرجل والله إن كنت أحسنت لقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني، فقال عمر أما شهدت عزمتي؛ فقال ما شهدت لك عزمة فألقى إليه الدرة وقال له اقتص قال لا أقتص اليوم، قال فاعفو عني. قال لا أعفو، فافترقا على ذلك، ثم لقيه من الغد فتغير لون عمر فقال له الرجل يا أمير المؤمنين كأني أرى ما كان مني قد أسرع فيك? فقال أجل، قال فأشهد الله إني قد عفوت عنك، وإذا رأى وقفة رجل مع إمرأة في طريق سابل لم تظهر منهما أمارات الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار فيما يجد الناس بداً من هذا.
وإن كانت الوقفة في طريق خال فخلو المكان ريبة فينكرها لا يعجل بالتأديب عليهما حذراً من أن تكون ذات محرم، وليقل إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعال، وليكن زجره بحسب الأمارات.
حتى أبو الأزهر أن ابن عائشة رأى رجلاً يكلم امرأة في طريق فقال له إن كانت حرمتك فإنه لقبيح بك أن تكلمها بين الناس، وإن لم تكن حرمتك فهو أقبح، ثم ولى عنه وجلس للناس يحدثهم. فإذا برقعة قد ألقيت في حجره مكتوب فيها من الكامل:

إن التي أبصـرتـنـي *** سحراً أكلمهـا رسـول
أدت إلـي رســـالة *** كادت لها نفسي تسـيل
من فاتر الالـحـاظ يج *** ذب خصره ردف ثقيل
متنكباً قوس الـصـبـا *** يرمي وليس له رسـيل
فلو أن أذنـك بـينـنـا *** حتى تسمع ما نـقـول
لرأيت ما استقبحت مـن *** أثري هو الحسن الجميل

فقرأها ابن عائشة ووجد مكتوباً على رأسها أبو نواس، فقال ابن عائشة مالي وللتعرض لأبي نواس، وهذا القدر من إنكار ابن عائشة كاف لمثله، ولا يكون لمن ندب للإنكار من ولاة الحسبة كافياً، وليس فيما قال أبو نواس تصريح بفجور لاحتمال أن يكون إشارة إلى ذات محرم وإن كانت شواهد حاله وفحوى كلامه ينطقان بفجوره وريبته فيكون من مثل أبي نواس منكراً وإن جاز أن لا يكون من غيره منكراً. فإذا رأى المحتسب في هذه الحال ما ينكره تأنى وتفحص وراعى شواهد الحال ولم يعجل بالإنكار قبل الاستخبار، كالذي رواه ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف بالبيت إذ رأى رجلاً يطوف وعلى عانقه امرأة مثل المهاة يعني حسناً وجمالاً وهو يقول من السريع:

فقال له عمر رضي الله عنه يا عبد الله من هذه التي وهبت لها حجك؟ قال امرأتي يا أمير المؤمنين، وإنها حمقاء مرغامة، أكول قمامة، لا يبقى لها خامة. فقال له مالك لا تطلقها؟ قال إنها حسناء لا تفرك، وأم صبيان لا تترك. قال فشأنك بها.
قال أبو زيد: المرغام المختلط، فلم يقدم عليه بالإنكار حتى استخبره فلما انتفت عنه الريبة لان له.
وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلماً أراقها عليه وأدبه، وإن كان ذمياً أدبه على إظهارها.
واختلف الفقهاء في إراقتها عليه، فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تراق عليه، لأنها عنده من أموالهم المضمونة في حقوقهم. ومذهب الشافعي أنها تراق عليهم لأنها لا تضمن عنده في حق مسلم ولا كافر.
وأما المجاهرة بإظهار النبيذ، فعند أبي حنيفة أنه من الأموال التي يقر المسلمون عليها فيمنع من إراقته ومن التأديب على إظهاره. وعند الشافعي أنه ليس بمال كالخمر وليس في إراقته غرم، فيعتبر والي الحسبة بشواهد الحال فيه فيهنى فيه عن المجاهرة ويزجر عليها إن كان لمعاقرة ولا يريقه عليه إلا أن يأمره بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد، لئلا يتوجه عليه غرم إن حوكم فيه. وأما السكران إذا تظاهر بسكره وسخف بهجره أدره على السكر والهجر تعزيراً لا حداً لقلة مراقبته وظهور سخفه.
وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشباً لتزول عن حكم الملاهي، ويؤدب المجاهرة بها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي.
وأما اللعب فليس يقصد بها المعاصي وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد. وفيها وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية بتصوير ذوات الأزواج ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه، وللمنع منها وجه، ويحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره.
"قد دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة رضي الله عنها وهي تلعب بالبنات فأقرها ولم ينكر عليها".
وحكى أن أبا سعيد الأصطخري من أصحاب الشافعي تقلد حسبة بغداد في أيام المقتدر فأزال سوق الدادي ومنع منها وقال لا يصلح إلا للنبيذ المحرم وأقر سوق اللعب ولم يمنع منها وقال قد: كانت عائشة رضي الله عنها تلعب بالبنات بمشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليها، وليس ما ذكره من اللعب بالبعيد من الاجتهاد.
وأما سوق الدادي فالأغلب من حاله أنه لا يستعمل إلا في النبيذ، وقد يجوز أن يستعمل نادراً في الدواء وهو بعيد، فبيعه عند من يرى إباحة النبيذ جائز لا يكره وعند من يرى تحريمه جائز لجواز استعماله في غيره، ومكروه اعتباراً بالأغلب من حاله، وليس منع أبي سعيد منه لتحريم بيعه عنده. وإنما منع من المظاهرة بإفراد سوقه والمجاهرة ببيعه إلحاقاً له بإباحة ما اتفق الفقهاء على إباحة مقصده ليقع لعوام الناس الفرق بينه وبين غيره من المباحات، وليس يمتنع إنكار المجاهرة ببعض المباحات كما ينكر المجاهرة بالمباح من مباشرة الأزواج والإماء.
وأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها ولا أن يهتك الأستار حذراً من الاستتار بها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله تعالى عليه".
فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارات دلت آثار ظهرت فذلك ضربان: أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا بأمر ليزني بها أو برجل ليقتله، فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات، وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والبحث في ذلك والإنكار، كالذي كان من شأن المغيرة بن شعبة.
فقد روي أنه كان تختلف إليه بالبصرة امرأة من بني هلال يقال لها أم جميل بنت محجم بن الأفقم وكان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عبيد، فبلغ ذلك أبا بكرة بن مسروح وسهل بن معبد ونافع بن الحارث وزياد بن عبيد فرصدوه حتى إذا دخلت عليه هجموا عليهما وكان من أمرهم في الشهادة عليه عند عمر رضي الله عنه ما هو مشهور فلم ينكر عليهم عمر رضي الله عنه هجومهم وإن كان حدهم القذف عند قصور الشهادة.
والضرب الثاني ما خرج عن هذا الحد وقصر عن حد هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه.
حكي أن عمر رضي الله عنه: دخل على قوم يتعاقرون على شراب ويوقدون في أخصاص فقال نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم ونهيتكم عن الإيقعاد في الأخصاص فأوقدتم، فقالوا يا أمير المؤمنين قد نهاك الله عن التجسس فتجسست ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال عمر رضي الله عنه: هاتان بهاتين، وانصرف ولم يتعرض لهم فمن سمع أصوات ملأة منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم أنكرها خارج الدار ولم يهجم عليه بالدخول، لأن المنكر ظاهر وليس على أن يكشف عما سواه من الباطن.
وأما المعاملات المنكرة كالزنا والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقاً على حظره فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر.
وأما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل له في إنكاره إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، فهل يدخل في إنكاره بحكم ولايته أم لا? على ما قدمنا من الوجهين.
وفي معنى المعاملات وإن لم تكن منها عقود المناكح المحرمة ينكرها إن اتفق العلماء على حظرها، ولا يتعرض لإنكارها إن اختلف الفقهاء فيها إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كالمتعة فربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا، ففي إنكاره لها وجهان، وليكن بدل إنكاره لها الترغيب في العقود المتفق عليها.
ومما يتعلق بالمعاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان فينكره ويمنع منه ويؤدب عليه بحسب الحال فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس منا من غش".
فإن كان هذا الغش تدليساً على المشتري ويخفى عليه فهو أغلظ الغش تحريماً وأعظمها مأثماً فالإنكار عليه أغلظ والتأديب عليه أشد، وإن كان لا يخفى على المشتري كان أخف مأثماً وألين إنكاراً، وينظر في مشتريه، فإن اشتراه ليبيعه من غيره توجه الإنكار على البائع لغشه وعلى المشتري بابتياعه، لأنه قد يبيعه لمن لا يعلم بغشه؛ فإن كان يشتريه ليستعمله خرج المشتري من جملة الإنكار وتفرد البائع وحده، وكذلك القول في تدليس الأثمان.
ويمنع من تصرية المواشي وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه فإنه نوع من التدليس.
ومما هو عمدة نظره المنع من التطفف والبخس في المكاييل والموازين والصنجات لوعيد الله تعالى عليه عند نهيه عنه، وليكن الأدب عليه أظهر والمعاقبة فيه أكثر. ويجوز له إذا استراب بموازين السوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها ولو كان له على ما عايره منها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به كان أحوط وأسلم.
فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغيرما طبع بطابعه توجه الإنكار عليهم إن كان مبخوساً من وجهين: أحدهما لمخالفته في العدول عن مطبوعه وإنكاره من الحقوق السلطانية والثاني للبخس والتطفيف في الحق وإنكاره من الحقوق الشرعية، فإن كان ما تعاملوا به من غير المطبوع سليماً من بخس ونقص توجه الإنكار عليهم بحق السلطنة وحدها لأجل المخالفة، وإن زور قوم على طابعه كان المزور فيه كالمبهرج على طابع الدراهم والدنانير فإن قرن التزوير بغش كان الإنكار عليه والتأديب مستحقاً من وجهين: أحدهما في حق السلطنية من جهة التزوير. والثاني من جهة الشرع في الغش وهو أغلظ التكوين، وإن سلم التزوير من غش تفرد بالإنكار السلطاني منهما فكان أحقهما، وإذا اتسع البلد حتى احتاج أهله فيه كيالين ووزانين ونقادين تخيرهم المحتسب ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ارتضاه من الأمناء الثقات وكانت أجورهم من بيت المال إن اتسع لها، فإن ضاق عنها قدرها لهم حتى لا يجري بينهم فيها استزادة ولا نقصان فيكون ذلك ذريعة إلى الممايلة والتحيف في مكيل أو موزون. وقد كان الأمراء يقومون باختيارهم وترتيبهم لذلك ويثبتونهم بأسمائهم في الدواوين حتى لا يختلط بهم غيرهم ممن لا تؤمن وساطته، فإن ظهر من أحد هؤلاء المختارين للكيل والوزن تحيف في تطفيف أو ممايلة في زيادة أدب وأخرج عن جملة المختارين ومنع أن يتعرض للوساطة بين الناس وكذلك القول في اختيار الدلالين يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة، وهذا مما يتولاه ولاة الحسبة إن قعد عنه الأمراء.
وأما اختيار القسام والزراع فالقضاة أحق باختيارهم من ولاة الحسبة لأنهم قد يستنابون في أموال الأيتام والغير.
وأما اختيار الحراسيين في القبائل والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعاون وإذا وقع في التطفيف تخاصم جاز أن ينظر المحتسب إن لم يكن مع الخصم فيه تجاحد وتناكر، فإن أفضى إلى تجاحد وتناكر كان القضاة أحق بالنظر فيه من ولاة الحسبة لأنهم بالأحكام أحق وكان التأديب فيه إلى المحتسب، فإن تولاه الحاكم جاز لاتصاله بحكمهم. ومما ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في الخصوص والآحاد التبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان التي لا تعرف فيه وإن كانت معروفة في غيره، فإن تراضى بها اثنان لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع، ويمنع أن يرتسم بها قوم من العموم لأنه قد يعاملهم فيها من لا يعرفها فيصير مغروراً.
وأما ما ينكر من حقوق الآدميين المحضة فمثل أن يتعدى رجل في حد لجاره أو في حريم لداره أو في وضع أجذاع على جداره فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار لأنه حق يخصه فيصح منه العفو عنه والمطالبة به، فإن خاصمه فيه كان للمحتسب النظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكل وأخذ المتعدي بإزالة تعديه وكان له تأديبه عليه بحسب شواهد الحال، فإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحق، ولو أن الجار أقر جاره على تعديه وعفا عن مطالبته بهدم ما تعدى فيه ثم عاد مطالباً بعد ذلك كان له ذلك وأخذ المتعدي بعد العفو عنه في هدم ما بناه، ولو كان قد ابتدأ البناء ووضع الأجذاع بإذن الجار ثم رجع الجار في إذنه لم يؤخذ الثاني بهدمه، لو انتشرت أغصان الشجرة إلى دار جاره كان للجار أن يستعدي المحتسب حتى يعديه على صاحب الشجرة ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره ولا تأديب عليه، لأن انتشارها ليس من فعله، ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض حتى دخلت في قرار أرض الجار لم يؤخذ بقلعها ولم يمنع الجار من التصرف في قرار أرضه وإن قطعها وإذا نصب المالك تنوراً في داره فتأذى الجار بدخانه لم يعترض عليه ولم يمنع منه، وكذلك لو نصب في داره رحى أو وضع فيها حدادين أو قصارين لم يمنع لأن للناس التصرف بأملاكهم بما أحبوا وما يجد الناس من مثل هذا بداً وإذا تعدى مستأجر على أجير في نقصان أجره أو استزادة عمل كفه عن تعديه وكان الإنكار عليه معتبراً بشواهد حاله، ولو قصر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل أو استزاده في الأجرة منعه منه وأنكره عليه إذا تخاصما إليه، فإن اختلفا وتناكرا كان الحاكم بينهما أحق.

عدد المشاهدات *:
56
عدد مرات التنزيل *:
0
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 21/02/2014 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 21/02/2014

الأحكام السلطانية والولايات الدينية

روابط تنزيل : الباب العشرون : في أحكام الحسبة : أ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  الباب العشرون : في أحكام الحسبة : أ لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الأحكام السلطانية والولايات الدينية