محرك البحث :





يوم الإثنين 23 ربيع الأول 1439 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

سم الله

لحظة من فضلك



اختر السورة



المواد المختارة

8 : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟قَالَ: "الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ" .قَالَ: مَا الإِسْلاَمُ؟ قالَ: "الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ." قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الأَمَةُ رَبَّهَا؛ وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ". ثُمَّ تَلاَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية. ثُمَّ أَدْبَرَ. فَقَالَ: رُدُّوهُ. فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ". قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِك كُلَّهُ مِنْ الإِيمَانِ"
بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمهم الله تعالى
المجلد الأول
الإخلاص وإحضار النية
باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية
1- وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ متفق على صحته؛ (6) رواه إماما المحدثين : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة الجعفي البخاري ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النيسابوري ـ رضي الله عنهما ـ في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمهم الله تعالى
لما كان هذا الباب في الإخلاص ، إخلاص النية لله عز وجل، وأنه ينبغي أن تكون النية مخلصة لله في كل قول، وفي كل فعل، وعلى كل حال، ذكر المؤلف من الآيات ما يتعلق بهذا المعنى، وذكر ـ رحمه الله ـ من الأحاديث ما يتعلق به أيضاً، وصدر هذا بحديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ٍما نوى)):
هاتان الجملتان اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ فيهما:
فقال بعض العلماء: إنهما جملتان بمعنى واحد ، وإن الجملة الثانية تأكيد للجملة الأولى.
ولكن هذا ليس بصحيح، وذلك لأن الأصل في الكلام أن يكون تأسيسا لا توكيداً ، ثم إنهما عند التأمل يتبين أن بينهما فرقاً عظيماً؛ فالأولى سبب، والثانية نتيجة:
الأولى: سبب يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن كل عمل لابد فيه من نية، فكل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار، فلابد فيه من نية، ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملاً إلا بنية؛ حتى قال بعض العلماء: ((لو كلفنا الله عملاً بلا نية ، لكان من تكليف ما لا يطاق!)).
وهذا صحيح ؛ كيف تعمل وأنت في عقلك، وأنت مختار غير مكره، كيف تعمل عملاً بلا نية؟ ! هذا مستحيل؛ لأن العمل ناتج عن إرادة وقدرة ، والإرادة هي النية.
إذن: فالجملة الأولى معناها أنه ما من عامل إلا وله نية، ولكن النيات تختلف اختلافاً عظيماً، وتتباين تبايناً بعيداً كما بين السماء والأرض.
من الناس من نيته في القمة في أعلى شيء، ومن الناس من نيته في القمامة في أخس شيء وأدنى شيء؛ حتى إنك لترى الرجلين يعملان عملاً واحداً يتفقان في ابتدائه وانتهائه وفي أثنائه، وفي الحركات والسكنات، والأقوال والأفعال، وبينهما كما بين السماء والأرض، وكل ذلك باختلاف النية.
إذن : الأساس أنه ما من عمل إلا بنية، ولكن النيات تختلف وتتابين.
نتيجة ذلك قال: ((وإنما لكل امريءٍ ما نوى))؛ فكل امريء له ما نوى: إنْ نوى الله والدار الآخرة في أعماله الشرعية ، حصل له ذلك، وإن نوى الدنيا ، قد تحصل وقد لا تحصل.
قال الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)(الاسراء: الآية18) ما قال: عجلنا له ما يريد ؛ بل قال: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) ، لا ما يشاء هو؛ (لِمَنْ نُرِيدُ) لا لكل إنسان ، فقيد المعجل والمعجل له؛ فمن الناس: من يعطى ما يريد من الدنيا، ومنهم: من يعطى شيئاً منه، ومنهم: من لا يعطى شيئاً أبدًا.
أما: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ (الإسراء:19) لابد أن يجني ثمرات هذا العمل الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة.
إذن ((إنما لكل امرئ ما نوى)).
وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات...إلخ)) هذه الجملة والتي قبلها ميزان لكل عمل؛ لكنه ميزان الباطن، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))(7) ميزان للأعمال الظاهرة.
ولهذا قال أهل العلم : ((هذان الحديثان يجمعان الدين كله)) حديث عمر: ((إنما الأعمال بالنيات)) ميزان للباطن ، وحديث عائشة : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا)) ميزان للظاهر.
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً يطبق هذا الحديث عليه، قال: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)):
((الهجرة)): أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلى دار الإسلام . مثل أن يكون رجل في أمريكا ـ وأمريكا دار كفر ـ فيسلم، ولا يتمكن من إظهار دينه هناك، فينتقل منها إلى البلاد الإسلامية، فهذه هي الهجرة.
وإذا هاجر الناس ، فهم يختلفون في الهجرة.
الأول: منهم من يهاجر ، ويدع بلده إلى الله ورسوله ؛ يعني إلى شريعة الله التي شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هذا هو الذي ينال الخير،، وينال مقصوده؛ ولهذا قال: ((فهجرته إلى الله ورسوله))؛ أي فقد أدرك ما نوى.
الثاني من المهاجرين: هاجر لدنيا يصيبها ، يعني : رجل يحب جمع المال، فسمع أن بلاد الإسلام مرتعاً خصباً لاكتساب الأموال، فهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام؛ من أجل المال فقط، لا يقصد أن يستقيم دينه، ولا يهتم بدينه، ولكن همه المال.
الثالث: رجل هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام؛ يريد امرأة يتزوجها، قيل له: لا نزوجك إلا في بلاد الإسلام، ولا تسافر بها إلى بلد الكفر ، فهاجر من بلده ـ بلد الكفرـ إلى بلاد الإسلام ؛ من أجل أن يتزوج هذه المرأة.
فمريد الدنيا ومريد المرأة، لم يهاجر إلى الله ورسوله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ((فهجرته إلى ما هاجر إليه))، وهنا قال ((إلى ما هاجر إليه)) ولم يقل ((فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها)) فلماذا؟
قيل: لطول الكلام؛ لأنه إذا قال: فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ صار الكلام طويلاً ، فقال: ((هجرته إلى ما هاجر إليه))
وقيل : بل لم ينص عليهما؛ احتقاراً لهما، وإعراضاً عن ذكرهما؛فلأنهما حقيران؛ أي: الدنيا، والزوجة. ونية الهجرة ـ التي هي من أفضل الأعمال - لإرادة الدنيا والمرأة؛ نية منحطة سافلة، قال: ((فهجرته إلى ما هاجر إليه)) فلم يذكر ذلك احتقاراً ، لأنها نية فاسدة منحطة.
وعلى كل حال ، سواء هذا أو هذا أو الجميع؛ فإن هذا الذي نوى بهجرته الدنيا، أو المرأة التي ينكحها ، لا شك أن نيته سافلة منحطة هابطة، بخلاف الأول الذي هاجر إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

أقسام الهجرة :
الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل ، وتكون للمكان.
القسم الأول : هجرة المكان : فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي، ويكثر فيه الفسوق، وربما يكون بلد كفر إلى بلد لا يوجد فيه ذلك.
وأعظمه الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم أنه يجب على الإنسان أن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان غير قادر على إظهار دينه.
وأما إذا كان قادراً على إظهار دينه، ولا يُعارَضُ إذا أقام شعائر الإسلام؛ فإن الهجرة لا تجب عليه، ولكنها تستحب ، وبناءً على ذلك يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان ؛ إذا لم يستطع إقامة دينه فيه؛ وجب عليه مغادرته ، والهجرة منه.
فذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام، ومن بلاد المسلمين ؛ فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر ؛ لما في ذلك من الخطر على دينه ، وعلى أخلاقه، ولما في ذلك من إضاعة ماله، ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار،ونحن مأمورون بأن نغيظ الكفار بكل ما نستطيع ، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:123]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَطَئونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: الآية120] .
فالكافر أيا كان، سواء كان من النصارى، أو من اليهود، أو من الملحدين ، وسواء تسمى بالإسلام أم لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين جميعاً، مهما تلبس بما يتلبس به؛ فإنه عدو!!
فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على المسلمين شبهاً في دينهم،وشبهاً في رسولهم، وشبهاً في كتابهم، وشبهاً في أخلاقهم، وفي كل شيء يوردون الشبهة؛ ليبقى الإنسان شاكا متذبذبا ، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين؛ فإنه لم يقم بالواجب ، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره - الإيمان بهذه - يجب أن يكون يقيناً ؛ فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر.
فالكفار يدخلون على المسلمين الشك، حتى إن بعض زعمائهم صرح قائلاً: لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم من دينه إلى دين النصارى، ولكن يكفي أن تشكِّكوه في دينه؛ لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين، وهذا كاف، أنتم أخرجوه من هذه الحظيرة التي فيها الغلبة والعزة والكرامة ويكفي. أما أن تحاولوا أن تدخلوه في دين النصارى - المبني علي الضلال والسفاهة - فهذا لا يمكن ، لأن النصارى ضالون ، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم(8) ، وإن كان دين المسيح عليه الصلاة والسلام دين حق، لكنه دين الحق في وقته قبل أن ينسخ برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الهدى والحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
الشرط الثاني: أن يكون عنده دينٌ يَحمِيه من الشهوات؛ لأن الإنسان يدفع به الشبهات. الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس؛ لأنه يجد زهرة الدنيا، هناك شهوات ، من خمر، وزنى، ولواط. كل إجرام موجود في بلاد الكفر.فإذا ذهب إلى هذه البلاد يُخشى عليه أن ينزلق في هذه الأوحال، إلا إذا كان عنده دين يحميه .فلابد أن يكون عند الإنسان دين يحميه من الشهوات.
الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك؛ مثل أن يكون مريضاً؛يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجاً إلى علم لا يوجد في بلد الإسلام تخصص فيه؛ فيذهب إلى هناك ويتعلم ، أو يكون الإنسان محتاجاً إلى تجارة، يذهب ويتجر ويرجع. المهم أنه لابد أن يكون هناك حاجة ولهذا أرى أنَّ الذين يسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط. أرى أنهم آثمون ، وأن كل قِرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم، وإضاعة لمالهم، وسيحاسبون عنه يوم القيامة؛ حين لا يجدون مكاناً يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه، حين لا يجدون إلا أعمالهم، لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم ، ويتلفون أموالهم، ويفسدون أخلاقهم، وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم، ومِن عَجَبٍ أن هؤلاء يذهبون إلى بلاد الكفر التي لا يسمع فيها صوت مؤذن، ولا ذكر ذاكر، وإنما يسمع فيها أبواق اليهود، ونواقيس النصارى، ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم، فيحصل في هذا شرٌّ كثيرٌّ، نسأل الله العافية والسلامة.
وهذا من البلاء الذي يحل الله به النكبات،والنكبات التي تأتينا، والتي نحن الآن نعيشها كلها بسبب الذنوب والمعاصي ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:30] . نحن غافلون ، نحن آمنون في بلادنا. كأن ربنا غافل عنان كأنه لا يعلم ، كأنه لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
والناس يعصرون في هذه الحوداث، ولكن قلوبهم قاسية والعياذ بالله! وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:76] . أخذناهم بالعذاب، ونزل بهم، ومع ذلك ما استكانوا إلى الله، وما تضرعوا إليه بالدعاء، وما خافوا من سَطْوتِه، ولكن قست القلوب-نسأل الله العافية- وماتت؛ حتى أصبحت الحوادث المصيريَّةُ تمر على القلب وكأنها ماء بارد ، نعوذ بالله من موت القلب وقسوته، وإلا لو كان الناس في عقل، وفي قلوب حية، ما صاروا على هذا الوضع الذي نحن عليه الآن، مع أننا في وضع نُعتَبَر أننا في حال حرب مدمرة مهلكة، حرب غازات الأعصاب والجنود وغير ذلك، ومع هذا لا تجد أحداً حرَّك ساكناً إلا أن يشاء الله، هذا لا شك أنه خطأ ، إن أناسا في هذه الظروف العصيبة ذهبوا بأهليهم يتنزَّهون في بلاد الكفر، وفي بلاد الفسق وفي بلاد المجون والعياذ بالله !
والسفر إلى بلاد الكفر للدعوة يجوز؛ إذا كان له أثر وتأثير هناك فإنه جائز، لأنه سفر لمصلحة، وبلاد الكفر كثيرٌ من عوامهم قد عُمِّيَ عليهم الإسلام، لا يدرون عن الإسلام شيئاً، بل قد ضُلِّلوا، وقيل لهم إن الإسلام دين وحشيَّةٍ وهمجيَّةٍ ورعاع، ولا سيما إذا سمع الغرب بمثل هذه الحوادث التي حصلت على أيدي من يقولون إنهم مسلمون، سيقولون أين الإسلام؟! هذه وحشيَّةٍ!! وحوشٌ ضاريةٌ يعدو بعضها على بعض ويأكل بعضها بعضا، فينفر الناس من الإسلام بسبب أفعال المسلمين، نسأل الله أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم.
القسم الثاني: هجرة العمل، وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))(9) فتهجر كل ما حرم الله عليك ، سواء كان مما يتعلَّق بحقوق الله، أو ما يتعلَّق بحقوق عباد الله ؛ فتجهر السب والشتم والقتل والغش وأكل المال بالباطل وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وكل شيء حرَّم الله تهجره، حتى لو أن نفسك دعتكَ إلى هذا وألحَّت عليك، فاذكر أن الله حرَّم ذلك حتى تهجره وتبعد عنه.
القسم الثالث: هجرة العامل، فإن العامل قد تجب هجرته أحياناً، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية ؛ الذي لا يبالي بها؛ فإنه يُشرعُ هَجْره إذا كان في هَجْرهِ فائدة ومصلحة.
والمصلحة والفائدة أنه إذا هُجر عَرف قدر نفسه، ورجع عن المعصية.
ومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء؛ فيهجره الناس، فإذا هجروه تاب من هذا ورَجَع وندِم، ورجل ثانٍ يتعامل بالربا ، فيهجره الناس، ولا يسلِّمون عليه، ولا يكلمونه؛ فإذا عرف هذا خجلَ من نفسه وعاد إلى صوابه، ورجل ثالث-وهو أعظمهم-لا يصلِّي ؛ فهذا مرتدٌ كافرٌ - والعياذ بالله -؛ يجب أن يُهجر؛ فلا يُردُّ عليه السلام، ولا يسلَّم عليه، ولا تجاب دعوته حتى إذا عرف نفسه ورجع إلى الله وعاد إلى الإسلام انتفع بذلك.
أما إذا كان الهجر لا يُفيد ولا ينفع وهو من أجل معصية، لا من أجل كفر، لأن الهجر إذا كان للكفر فإنه يُهجر. والكافر المرتد يُهجر على كل حال - أفاد أم لم يفد - لكنَّ صاحب المعصية التي دون الكفر إذا لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يحلُّ هجره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))(10).
ومن المعلوم أن المعاصي التي دون الكفر عند أهل السنة والجماعة لا تخرج من الإيمان.
فيبقى النظر بعد ذلك؛ هل الهجر مفيد أو لا ؟ فإن أفاد، وأوجب أن يدع الإنسان معصيته فإنه يُهجر، ودليل ذلك قصة كعب بن مالك - رضي الله عنه ، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم - الذين تختلفوا عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم(11) وأمر المسلمين بهجرهم، لكنهم انتفعوا في ذلك انتفاعاً عظيماً ولجأوا إلى الله، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتابوا وتاب الله عليهم.
هذه أنواع الهجرة: هجرة المكان ، وهجرة العَمَل، وهجرة العامِل.



(6) أخرجه البخاري ، كتاب بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم (1) ، ومسلم، كتاب الجهاد، باب قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنية)) رقم (1907).
(7) الحديث بهذا اللفظ أخرجه مسلم، كتاب الأقضية ، باب نقض الأحكام الباطلة، رقم (1718)، ورواه البخاري بلفظ: (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)) كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود، رقم ( 2697).
(8) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة فاتحة الكتاب، رقم(2953،2954 ) بلفظ: (( اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال))، وأحمد (4/378) بلفظ: (( إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى)). وقال الترمذي: حسن غريب، وهو في صحيح الجامع آخر حديث.
(9) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق ، باب الانتهاء عن المعاصي، رقم (6484) ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، رقم (41).
(10) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة رقم ( 6077)، ومسلم كتاب البر والصلة، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي، رقم ( 2560).
(11) إشارة إلى حديث كعب بن مالك في قصة تخلُّفِه عن غزوة تبوك أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم( 4418)، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم ( 2769).

عدد المشاهدات *:
3206
عدد مرات التنزيل *:
12473
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 21 ماي 2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 10/04/2015

شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمهم الله تعالى

روابط تنزيل : 1- وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ متفق على صحته؛ (6) رواه إماما المحدثين : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة الجعفي البخاري ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النيسابوري ـ رضي الله عنهما ـ في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  1- وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي  ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ متفق على صحته؛ (6) رواه إماما المحدثين : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة الجعفي البخاري ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النيسابوري ـ رضي الله عنهما ـ في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  1- وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي  ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ متفق على صحته؛ (6) رواه إماما المحدثين : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة الجعفي البخاري ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النيسابوري ـ رضي الله عنهما ـ في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة. لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
تبادل
شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمهم الله تعالى