اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم
يوم الإثنين 19 ربيع الثاني 1441 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

مصرف

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
الأداب و مكارم الأخلاق
كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزّ
الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزّ
الكتب العلمية

بسم الله الرحمن الرحيم

َوَالامْرُ الثَّانِي: أَنْ يُقَصِّرَ عَنْ طَلَبِ كِفَايَتِهِ، وَيَزْهَدَ فِي الْتِمَاسِ مَادَّتِهِ. وَهَذَا التَّقْصِيرُ قَدْ يَكُونُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: فَيَكُونُ تَارَةً كَسَلًا، وَتَارَةً تَوَكُّلًا، وَتَارَةً زُهْدًا وَتَقَنُّعًا. فَإِنْ كَانَ تَقْصِيرُهُ لِكَسَلٍ فَقَدْ حُرِمَ ثَرْوَةُ النَّشَاطِ، وَمَرَحُ الاغْتِبَاطِ، فَلَنْ يَعْدَمَ أَنْ يَكُونَ كَلًّا قَصِيًّا، أَوْ ضَائِعًا شَقِيًّا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {كَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ، وَكَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا}. وَقَالَ بَزَرْجَمْهَرُ: إنْ كَانَ شَيْءٌ فَوْقَ الْحَيَاةِ فَالصِّحَّةُ. وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِثْلَهَا فَالْغِنَى، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ فَوْقَ الْمَوْتِ فَالْمَرَضُ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِثْلَهُ فَالْفَقْرُ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْقَبْرُ خَيْرٌ مِنْ الْفَقْرِ.

وَوُجِدَ فِي نِيلِ مِصْرَ مَكْتُوبٌ عَلَى حَجَرٍ: عُقْبُ الصَّبْرِ نَجَاحٌ وَغِنًى وَرِدَاءُ الْفَقْرِ مِنْ نَسْجِ الْكَسَلِ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: أَعُوذُ بِك اللَّهُمَّ مِنْ بَطَرِ الْغِنَى وَمِنْ نَكْهَةِ الْبَلْوَى وَمِنْ ذِلَّةِ الْفَقْرِ وَمِنْ أَمَلٍ يَمْتَدُّ فِي كُلِّ شَارِفٍ يُرْجِعُنِي مِنْهُ بِحَظِّ يَدٍ صِفْرِ إذَا لَمْ تُدَنِّسْنِي الذُّنُوبُ بِعَارِهَا فَلَسْتُ أُبَالِي مَا تَشَعَّثَ مِنْ أَمْرِي وَإِذَا كَانَ تَقْصِيرُهُ لِتَوَكُّلٍ فَذَلِكَ عَجْزٌ قَدْ أَعْذَرَ بِهِ نَفْسَهُ، وَتَرْكُ حَزْمٍ قَدْ غَيَّرَ اسْمَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالتَّوَكُّلِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحِيَلِ وَالتَّسْلِيمِ إلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ الاعْوَازِ. وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: {ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَذَكَرَ فِيهِ خَيْرًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ مَعَنَا حَاجًّا فَإِذَا نَزَلْنَا مُنْزِلًا لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى نَرْحَلَ، فَإِذَا ارْتَحَلْنَا لَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى نَنْزِلَ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: فَمَنْ كَانَ يَكْفِيهِ عَلَفَ نَاقَتِهِ وَصُنْعَ طَعَامِهِ ؟ قَالُوا كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: كُلُّكُمْ خَيْرٌ مِنْهُ}.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَيْسَ مِنْ تَوَكُّلِ الْمَرْءِ إضَاعَتُهُ لِلْحَزْمِ، وَلاَ مِنْ الْحَزْمِ إضَاعَةُ نَصِيبِهِ مِنْ التَّوَكُّلِ. وَإِنْ كَانَ تَقْصِيرُهُ لِزُهْدٍ وَتَقَنُّعٍ فَهَذِهِ حَالُ مَنْ عَلِمَ بِمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ بِتَبِعَاتِ الْغِنَى وَالثَّرْوَةِ، وَخَافَ عَلَيْهَا بَوَائِقَ الْهَوَى وَالْقُدْرَةِ، فَآثَرَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَزَجَرَ النَّفْسَ عَنْ رُكُوبِ الْهَوَى. فَقَدْ رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ شَمْسُهُ الا وَعَلَى جَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُمَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ الا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إلَى رَبِّكُمْ إنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى}.

وَرَوَى زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رضي الله عنهم أجمعين - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {انْتِظَارُ الْفَرْجِ مِنْ اللَّهِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ، وَمَنْ رَضِيَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَلِيلِ مِنْ الرِّزْقِ رَضِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْعَمَلِ}. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: مِنْ نُبْلِ الْفَقْرِ أَنَّك لاَ تَجِدُ أَحَدًا يَعْصِي اللَّهَ لِيَفْتَقِرَ. فَأَخَذَهُ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ فَقَالَ: يَا عَائِبَ الْفَقْرِ الا تَزْدَجِرْ عَيْبُ الْغَنِيِّ أَكْثَرُ لَوْ تَعْتَبِرْ مِنْ شَرَفِ الْفَقْرِ وَمِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْغِنَى إنْ صَحَّ مِنْك النَّظَرْ أَنَّك تَعْصِي لِتَنَالَ الْغِنَى وَلَسْتَ تَعْصِي اللَّهَ كَيْ تَفْتَقِرْ وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: دَلِيلُك أَنَّ الْفَقْرَ خَيْرٌ مِنْ الْغِنَى وَأَنَّ قَلِيلَ الْمَالِ خَيْرٌ مِنْ الْمُثْرِي لِقَاؤُك مَخْلُوقًا عَصَى اللَّهَ بِالْغِنَى وَلَمْ تَرَ مَخْلُوقًا عَصَى اللَّهَ بِالْفَقْرِ وَهَذِهِ الْحَالُ إنَّمَا تَصِحُّ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ فَأَطَاعَتْهُ، وَصَدَّقَهَا فَأَجَابَتْهُ، حَتَّى لاَنَ قِيَادُهَا، وَهَانَ عِنَادُهَا. وَعَلِمَتْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالْقَلِيلِ لَمْ يَقْنَعْ بِالْكَثِيرِ، كَمَا كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنهما: يَا أَخِي، مَنْ اسْتَغْنَى بِاَللَّهِ اكْتَفَى، وَمَنْ انْقَطَعَ إلَى غَيْرِهِ تَعَنَّى، وَمَنْ كَانَ مِنْ قَلِيلِ الدُّنْيَا لاَ يَشْبَعُ، لَمْ يُغْنِهِ مِنْهَا كَثْرَةُ مَا يَجْمَعُ، فَعَلَيْك مِنْهَا بِالْكَفَافِ، وَأَلْزَمْ نَفْسَك الْعَفَافِ، وَإِيَّاكَ وَجَمْعَ الْفُضُولِ، فَإِنَّ حِسَابَهُ يَطُولُ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: هَيْهَاتَ مِنْك الْغِنَى إنْ لَمْ يُقْنِعْك مَا حَوَيْت. فَأَمَّا مَنْ أَعْرَضَتْ نَفْسُهُ عَنْ قَبُولِ نُصْحِهِ، وَجَمَحَتْ بِهِ عَنْ قَنَاعَةِ زُهْدِهِ، فَلَيْسَ إلَى إكْرَاهِهَا سَبِيلٌ وَلاَ لِلْحَمْلِ عَلَيْهَا وَجْهٌ الا بِالرِّيَاضَةِ وَالْمُرُوءَةِ. وَأَنْ يَسْتَنْزِلَهَا إلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لاَ تَنْفِرُ مِنْهُ فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ أَنْزَلَهَا إلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ؛ لِتَنْتَهِيَ بِالتَّدْرِيجِ إلَى الْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَتَسْتَقِرُّ بِالرِّيَاضَةِ وَالتَّمْرِينِ عَلَى الْحَالِ الْمَحْبُوبَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ الْمَكْرُوهَ يَسْهُلُ بِالتَّمْرِينِ. فَهَذَا حُكْمُ مَا فِي الامْرِ الثَّانِي مِنْ التَّقْصِيرِ عَنْ طَلَبِ الْكِفَايَةِ.

وَأَمَّا الامْرُ الثَّالِثُ: فَهُوَ أَنْ لاَ يَقْنَعَ بِالْكِفَايَةِ وَيَطْلُبَ الزِّيَادَةَ وَالْكَثْرَةَ، فَقَدْ يَدْعُو إلَى ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: مُنَازَعَةُ الشَّهَوَاتِ الَّتِي لاَ تُنَالُ الا بِزِيَادَةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ الْمَادَّةِ، فَإِذَا نَازَعَتْهُ الشَّهْوَةُ طَلَبَ مِنْ الْمَالِ مَا يُوَصِّلُهُ. وَلَيْسَ لِلشَّهَوَاتِ حَدٌّ مُتَنَاهٍ فَيَصِيرُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى أَنَّ مَا يَطْلُبُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ. وَمَنْ لَمْ يَتَنَاهَ طَلَبُهُ اسْتَدَامَ كَدُّهُ وَتَعَبُهُ، وَمَنْ اسْتَدَامَ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ لَمْ يَفِ الْتِذَاذَهُ بِنَيْلِ شَهَوَاتِهِ بِمَا يُعَانِيهِ مِنْ اسْتِدَامَةِ كَدِّهِ وَإِتْعَابِهِ، مَعَ مَا قَدْ لَزِمَهُ مِنْ ذَمِّ الانْقِيَادِ لِمُغَالَبَةِ الشَّهَوَاتِ، وَالتَّعَرُّضِ لِاكْتِسَابِ التَّبِعَاتِ، حَتَّى يَصِيرَ كَالْبَهِيمَةِ الَّتِي قَدْ انْصَرَفَ طَلَبُهَا إلَى مَا تَدْعُو إلَيْهِ شَهْوَتُهَا، فَلاَ تَنْزَجِرُ عَنْهُ بِعَقْلٍ وَلاَ تَنْكَفُّ عَنْهُ بِقَنَاعَةٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْوَتِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ شَرًّا وَكَلَهُ إلَى نَفْسِهِ}. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنَّك إنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَك هَمَّهُ وَفَرْجَك نَالا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا وَالسَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَطْلُبَ الزِّيَادَةَ وَيَلْتَمِسَ الْكَثْرَةَ لِيَصْرِفَهَا فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَيَتَقَرَّبَ بِهَا فِي جِهَاتِ الْبِرِّ، وَيَصْطَنِعَ بِهَا الْمَعْرُوفَ، وَيُغِيثَ بِهَا الْمَلْهُوفَ. فَهَذَا أَعْذَرُ وَبِالْحَمْدِ أَحْرَى وَأَجْدَرُ، إذَا انْصَرَفَتْ عَنْهُ تَبِعَاتُ الْمَطَالِبِ، وَتَوَقَّى شُبُهَاتِ الْمَكَاسِبِ، وَأَحْسَنَ التَّقْدِيرَ فِي حَالَتَيْ فَائِدَتِهِ وَإِفَادَتِهِ عَلَى قَدْرِ الزَّمَانِ، وَبِقَدْرِ الامْكَانِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ آلَةٌ لِلْمَكَارِمِ وَعَوْنٌ عَلَى الدِّينِ وَمُتَأَلِّفٌ لِلْإِخْوَانِ، وَمَنْ فَقَدَهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا قَلَّتْ الرَّغْبَةُ فِيهِ وَالرَّهْبَةُ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ بِمَوْضِعِ رَهْبَةٍ وَلاَ رَغْبَةٍ اسْتَهَانُوا بِهِ.

وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ حِسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا هَذَا الْمَالُ}. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْخَيْرُ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ الْمَالُ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٍ} يَعْنِي الْمَالَ وَ: {أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} يَعْنِي الْمَالَ: {فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} يَعْنِي مَالا. وَقَالَ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ عليه السلام: إنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ يَعْنِي الْمَالَ. وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَالَ خَيْرًا إذَا كَانَ فِي الْخَيْرِ مَصْرُوفًا؛ لِأَنَّ مَا أَدَّى إلَى الْخَيْرِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فَقَالَ السُّدِّيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الاخِرَةِ الْجَنَّةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: فِي الدُّنْيَا الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ وَفِي الاخِرَةِ الْجَنَّةُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ خَوَاتِمُ اللَّهِ فِي الارْضِ لاَ تُؤْكَلُ وَلاَ تُشْرَبُ حَيْثُ قَصَدْتَ بِهَا قَضَيْتَ حَاجَتَك. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي حَمْدًا وَمَجْدًا فَإِنَّهُ لاَ حَمْدَ الا بِفِعَالٍ وَلاَ مَجْدَ الا بِمَالٍ. وَقَدْ قِيلَ لِأَبِي الزِّنَادِ: لِمَ تُحِبُّ الدَّرَاهِمَ وَهِيَ تُدِينُك مِنْ الدُّنْيَا ؟ فَقَالَ: هِيَ وَإِنْ أَدْنَتْنِي مِنْهَا فَقَدْ صَانَتْنِي عَنْهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَصْلَحَ مَالَهُ فَقَدْ صَانَ الاكْرَمَيْنِ: الدِّينُ وَالْعِرْضُ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ اسْتَغْنَى كَرُمَ عَلَى أَهْلِهِ. وَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَرْبَابِ الامْوَالِ بِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَتَحَرَّكَ لَهُ وَأَكْرَمَهُ فَقِيلَ لَهُ: بَعْدَ ذَلِكَ أَكَانَتْ لَك إلَى هَذَا حَاجَةٌ ؟ قَالَ لاَ. وَلَكِنِّي رَأَيْت ذَا الْمَالِ مَهِيبًا. وَسَأَلَ رَجُلٌ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدَ وَعَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ فِي عَشْرِ دِيَاتٍ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيَّ دِيَةٌ.

وَقَالَ عَتَّابٌ: الْبَاقِي عَلَيَّ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: نِعْمَ الْعَوْنُ الْيَسَارُ عَلَى الْمَجْدِ. وَقَالَ الاحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: فَلَوْ كُنْتُ مُثْرًى بِمَالٍ كَثِيرٍ لَجُدْتُ وَكُنْتُ لَهُ بَاذِلاَ فَإِنَّ الْمُرُوءَةَ لاَ تُسْتَطَاعُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُهَا فَاضِلًا وَكَانَ يُقَالُ: الدَّرَاهِمُ مَرَاهِمُ؛ لِأَنَّهَا تُدَاوِي كُلَّ جُرْحٍ، وَيَطِيبُ بِهَا كُلُّ صُلْحٍ. وَقَالَ ابْنُ الْجَلاَلِ: رُزِقْتُ مَالا وَلَمْ أُرْزَقْ مُرُوءَتَهُ وَمَا الْمُرُوءَةُ الا كَثْرَةُ الْمَالِ إذَا أَرَدْتُ رُقَى الْعَلْيَاءِ يُقْعِدُنِي عَمَّا يُنَوِّهُ بِاسْمِي رِقَّةُ الْحَالِ وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ الْفَقْرُ مَخْذَلَةٌ، وَالْغِنَى مَجْدَلَةٌ، وَالْبُؤْسُ مَرْذَلَةٌ، وَالسُّؤَالُ مَبْذَلَةٌ.

وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: أُقِيمُ بِدَارِ الْحَزْمِ مَا دَامَ حَزْمُهَا وَأَحْرَى إذَا حَالَتْ بِأَنْ أَتَحَوَّلاَ فَإِنِّي وَجَدْتُ النَّاسَ الا أَقَلَّهُمْ خِفَافَ عُهُودٍ يُكْثِرُونَ التَّثَقُّلاَ بَنِي أُمِّ ذِي الْمَالِ الْكَثِيرِ يَرَوْنَهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا سَيِّدَ الامْرِ جَحْفَلاَ وَهُمْ لِمُقِلِّ الْمَالِ أَوْلاَدُ عِلَّةٍ وَإِنْ كَانَ مَحْضًا فِي الْعَشِيرَةِ مِخْوَلاَ وَقَالَ بِشْرٌ الضَّرِيرُ: كَفَى حُزْنًا أَنِّي أَرُوحُ وَأَغْتَدِي وَمَا لِي مِنْ مَالٍ أَصُونُ بِهِ عِرْضِي وَأَكْثَرُ مَا أَلْقَى الصَّدِيقَ بِمَرْحَبًا وَذَلِكَ لاَ يَكْفِي الصَّدِيقَ وَلاَ يُرْضِي وَقَالَ آخَرُ: أَجَلَّك قَوْمٌ حِينَ صِرْتَ إلَى الْغِنَى وَكُلُّ غَنِيٍّ فِي الْعُيُونِ جَلِيلُ وَلَيْسَ الْغِنَى الا غِنًى زَيَّنَ الْفَتَى عَشِيَّةَ يُقْرِي أَوْ غَدَاةَ يُنِيلُ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْضِيلِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ مَا أَحْوَجَ مِنْ الْفَقْرِ مَكْرُوهٌ، وَمَا أَبْطَرَ مِنْ الْغِنَى مَذْمُومٌ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى تَفْضِيلِ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ مُقْتَدِرٌ وَالْفَقِيرَ عَاجِزٌ، وَالْقُدْرَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَجْزِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ النَّبَاهَةِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ تَارِكٌ وَالْغَنِيَّ مُلاَبِسٌ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ مُلاَبَسَتِهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ السَّلاَمَةِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الامْرَيْنِ بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى؛ لِيَصِلَ إلَى فَضِيلَةِ الامْرَيْنِ، وَيَسْلَمَ مِنْ مَذَمَّةِ الْحَالَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى تَفْضِيلَ الاعْتِدَالِ، وَأَنَّ خِيَارَ الامُورِ أَوْسَاطُهَا. وَقَدْ مَضَى شَوَاهِدُ كُلِّ فَرِيقٍ فِي مَوْضِعِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ. وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَطْلُبَ الزِّيَادَةَ وَيَقْتَنِيَ الامْوَالَ؛ لِيَدَّخِرَهَا لِوَلَدِهِ، وَيَخْلُفُهَا عَلَى وَرَثَتِهِ، مَعَ شِدَّةِ ضَنِّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَفِّهِ عَنْ صَرْفِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، إشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنْ كَدْحِ الطَّلَبِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، وَهَذَا شَقِيٌّ بِجَمْعِهَا، مَأْخُوذٌ بِوِزْرِهَا، قَدْ اسْتَحَقَّ اللَّوْمَ مِنْ وُجُوهٍ لاَ تَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ. مِنْهَا: سُوءُ ظَنِّهِ بِخَالِقِهِ أَنَّهُ لاَ يَرْزُقُهُمْ الا مِنْ جِهَتِهِ. وَقَدْ قِيلَ: قَتَلَ الْقُنُوطُ صَاحِبَهُ، وَفِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ رَاحَةُ الْقُلُوبِ.

وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: كَيْفَ تَبْقَى عَلَى حَالَتِكَ وَالدَّهْرُ فِي إحَالَتِكَ. وَمِنْهَا: الثِّقَةُ بِبَقَاءِ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ مَعَ نَوَائِبِ الزَّمَانِ وَمَصَائِبِهِ. وَقَدْ قِيلَ: الدَّهْرُ حَسُودٌ لاَ يَأْتِي عَلَى شَيْءٍ الا غَيَّرَهُ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْمَالُ مَلُولٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الدُّنْيَا إنْ بَقِيَتْ لَك لاَ تَبْقَى لَهَا. وَمِنْهَا: مَا حُرِمَ مِنْ مَنَافِعِ مَالِهِ، وَسُلِبَ مِنْ وُفُورِ حَالِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّمَا مَالُك لَك أَوْ لِلْوَارِثِ أَوْ لِلْجَائِحَةِ فَلاَ تَكُنْ أَشْقَى الثَّلاَثَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ اطْرَحْ كَوَاذِبَ آمَالِك: وَكُنْ وَارِثَ مَالِك. وَمِنْهَا: مَا لَحِقَهُ مِنْ شَقَاءِ جَمْعِهِ، وَنَالَهُ مِنْ عَنَاءِ كَدِّهِ، حَتَّى صَارَ سَاعِيًا مَحْرُومًا، وَجَاهِدًا مَذْمُومًا. وَقَدْ قِيلَ: رُبَّ مَغْبُوطٍ بِمَسَرَّةٍ هِيَ دَاؤُهُ، وَمَرْحُومٍ مِنْ سَقَمٍ هُوَ شِفَاؤُهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَمَنْ كَلَّفَتْهُ النَّفْسُ فَوْقَ كَفَافِهَا فَمَا يَنْقَضِي حَتَّى الْمَمَاتِ عَنَاؤُهُ وَمِنْهَا: مَا يُؤَاخَذُ بِهِ مِنْ وِزْرِهِ وَآثَامِهِ، وَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ مِنْ تَبِعَاتِهِ وَأَجْرَامِهِ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا ثَقُلَ بُكَاءُ وَلَدِهِ عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: جَادَ لَكُمْ هِشَامٌ بِالدُّنْيَا وَجُدْتُمْ عَلَيْهِ بِالْبُكَاءِ، وَتَرَكَ لَكُمْ مَا كَسَبَ وَتَرَكْتُمْ عَلَيْهِ مَا اكْتَسَبَ، مَا أَسْوَأُ حَالِ هِشَامٍ إنْ لَمْ يَغْفِرْ اللَّهُ لَهُ. فَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ فَقَالَ: تَمَتَّعْ بِمَالِك قَبْلَ الْمَمَاتِ وَالا فَلاَ مَالَ إنْ أَنْتَ مُتَّا شَقِيتَ بِهِ ثُمَّ خَلَّفْتَهُ لِغَيْرِك بُعْدًا وَسُحْقًا وَمَقْتَا فَجَادُوا عَلَيْك بِزُورِ الْبُكَاءِ وَجُدْتَ عَلَيْهِمْ بِمَا قَدْ جَمَعْتَا وَأَرْهَنْتَهُمْ كُلَّ مَا فِي يَدَيْك وَخَلَّوْك رَهْنًا بِمَا قَدْ كَسَبْتَا وَرُوِيَ أَنَّ {الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِّنِي.

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَلِيلٌ يَكْفِيك خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُرْدِيك، يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ النَّبِيِّ نَفْسٌ تُنْجِيهَا خَيْرٌ مِنْ إمَارَةٍ لاَ تُحْصِيهَا، يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إنَّ الامَارَةَ أَوَّلُهَا نَدَامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا مَلاَمَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الا مَنْ عَدَلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ تَعْدِلُونَ مَعَ الاقَارِبِ}. وَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رحمه الله: إنِّي أَخَافُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُهُ. فَقَالَ: إنَّك خَلَّفْتَ مَالَك وَلَوْ قَدَّمْتَهُ لَسَرَّك اللُّحُوقِ بِهِ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ كَثْرَةُ مَالِ الْمَيِّتِ تُعَزِّي وَرَثَتَهُ عَنْهُ. فَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ الرُّومِيِّ فَقَالَ وَزَادَ: أَبْقَيْتَ مَالَك مِيرَاثًا لِوَارِثِهِ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا أَبْقَى لَك الْمَالُ الْقَوْمُ بَعْدَك فِي حَالٍ تَسُرُّهُمْ فَكَيْفَ بَعْدَهُمْ حَالَتْ بِك الْحَالُ مَلُّوا الْبُكَاءَ فَمَا يُبْكِيكَ مِنْ أَحَدٍ وَاسْتَحْكَمَ الْقَوْلُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْقَالُ وَلَّتْهُمْ عَنْك دُنْيَا أَقْبَلَتْ لَهُمْ وَأَدْبَرَتْ عَنْك وَالايَّامُ أَحْوَالُ وَالسَّبَبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَجْمَعَ الْمَالَ وَيَطْلُبَهُ اسْتِحْلالا لِجَمْعِهِ، وَشَغَفًا بِاحْتِرَامِهِ. فَهَذَا أَسْوَأُ النَّاسِ حَالا فِيهِ، وَأَشَدُّهُمْ حُزْنًا لَهُ، قَدْ تَوَجَّهَتْ إلَيْهِ سَائِرُ الْمَلاَوِمِ حَتَّى صَارَ وَبَالا عَلَيْهِ وَمَذَامَّ.

{وَفِي مِثْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: تَبًّا لِلذَّهَبِ تَبًّا لِلْفِضَّةِ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: أَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَصْحَابَك قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُ ؟ فَقَالَ: لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ}. وَرَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: {مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: كَيَّةٌ. ثُمَّ مَاتَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارَانِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم كَيَّتَانِ}. وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ عَلَى عَهْدِهِ مَنْ تَرَكَ أَمْوَالا جَمَّةً، وَأَحْوَالا ضَخْمَةً، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا كَانَ فِي هَذَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا تَظَاهَرَا بِالْقَنَاعَةِ وَاحْتَجْنَا مَا لَيْسَ بِهِمَا إلَيْهِ حَاجَةٌ فَصَارَ مَا احْتَجْنَاهُ وِزْرًا عَلَيْهِمَا، وَعِقَابًا لَهُمَا.

وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا كُنْتَ ذَا مَالٍ وَلَمْ تَكُنْ ذَا نَدًى فَأَنْتَ إذًا وَالْمُقْتِرُونَ سَوَاءُ عَلَى أَنَّ فِي الامْوَالِ يَوْمًا تِبَاعَةً عَلَى أَهْلِهَا وَالْمُقْتِرُونَ بَرَاءُ وَأَنْشَدْتُ عَنْ الرَّبِيعِ لِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه: إنَّ الَّذِي رُزِقَ الْيَسَارَ وَلَمْ يُصِبْ حَمْدًا وَلاَ أَجْرًا لَغَيْرُ مُوَفَّقِ وَالْجِدُّ يُدْنِي كُلَّ شَيْءٍ شَاسِعٍ وَالْجِدُّ يَفْتَحُ كُلَّ بَابٍ مُغْلَقِ وَأَحَقُّ خَلْقِ اللَّهِ بِالْهَمِّ امْرُؤٌ ذُو هِمَّةٍ عُلْيَا وَعَيْشٍ ضَيِّقِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الاحْمَقِ فَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَجْدُودًا حَوَى عُودًا فَأَوْرَقَ فِي يَدَيْهِ فَحَقِّقْ وَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَخْذُولًا أَتَى مَاءً لِيَشْرَبَهُ فَجَفَّ فَصَدِّقْ اللُّبُّ الْعَقْلُ. تَقُولُ: لَبِيبٌ ذُو لُبٍّ. وَالْجِدُّ فِي اللُّغَةِ الْحَظُّ، وَهُوَ الْبَخْتُ، وَالْجَدُّ أَيْضًا الْعَظَمَةُ. وَمِنْهُ قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا}. وَالْجَدُّ مَصْدَرُ جَدَّ الشَّيْءُ إذَا قُطِعَ وَالْجِدُّ بِالْكَسْرِ الانْكِمَاشُ فِي الامُورِ أَيْ الاجْتِهَادُ فِيهَا، وَهُوَ أَيْضًا الْحَقُّ ضِدُّ الْهَزْلِ. وَبِالْحَاءِ إذَا مَنَعَ الرِّزْقَ وَمَجْدٌ مَجْدُودٍ لاَ يُقَالُ فِيهِمَا الا بِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَآفَةُ مَنْ بُلِيَ بِالْجَمْعِ وَالاسْتِكْثَارِ، وَمُنِيَ بِالامْسَاكِ وَالادِّخَارِ، حَتَّى انْصَرَفَ عَنْ رُشْدِهِ فَغَوَى، وَانْحَرَفَ عَنْ سُنَنِ قَصْدِهِ فَهَوَى، أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ حُبُّ الْمَالِ وَبُعْدُ الامَلِ فَيَبْعَثُهُ حُبُّ الْمَالِ عَلَى الْحِرْصِ فِي طَلَبِهِ، وَيَدْعُوهُ بُعْدُ الامَلِ عَلَى الشُّحِّ بِهِ. وَالْحِرْصُ وَالشُّحُّ أَصْلٌ لِكُلِّ ذَمٍّ، وَسَبَبٌ لِكُلِّ لُؤْمٍ؛ لِأَنَّ الشُّحَّ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ، وَيَبْعَثُ عَلَى الْقَطِيعَةِ وَالْعُقُوقِ.

وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {شَرُّ مَا أُعْطَى الْعَبْدُ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْغَنِيُّ الْبَخِيلُ كَالْقَوِيِّ الْجَبَانِ. وَأَمَّا الْحِرْصُ فَيَسْلُبُ فَضَائِلَ النَّفْسِ؛ لِاسْتِيلاَئِهِ عَلَيْهَا، وَيَمْنَعُ مِنْ التَّوَفُّرِ عَلَى الْعِبَادَةِ؛ لِتَشَاغُلِهِ عَنْهَا، وَيَبْعَثُ عَلَى التَّوَرُّطِ فِي الشُّبُهَاتِ؛ لِقِلَّةِ تَحَرُّزِهِ مِنْهَا. وَهَذِهِ الثَّلاَثُ خِصَالُ هُنَّ جَامِعَاتُ الرَّذَائِلِ، سَالِبَاتُ الْفَضَائِلِ، مَعَ أَنَّ الْحَرِيصَ لاَ يَسْتَزِيدُ بِحِرْصِهِ زِيَادَةً عَلَى رِزْقِهِ سِوَى إذْلاَلِ نَفْسِهِ، وَإِسْخَاطِ خَالِقِهِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {الْحَرِيصُ الْجَاهِدُ وَالْقَنُوعُ الزَّائِدُ يَسْتَوْفِيَانِ أَكْلَهُمَا غَيْرُ مُنْتَقِصٍ مِنْهُ شَيْءٌ، فَعَلاَمَ التَّهَافُتُ فِي النَّارِ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْحِرْصُ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَاَللَّهِ مَا عَرَفْتُ مِنْ وَجْهِ رَجُلٍ حِرْصًا فَرَأَيْتُ أَنَّ فِيهِ مُصْطَنَعًا. وَقَالَ آخَرُ: الْحَرِيصُ أَسِيرُ مَهَانَةٍ لاَ يُفَكُّ أَسْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْمَقَادِيرُ الْغَالِبَةُ لاَ تُنَالُ بِالْمُغَالَبَةِ، وَالارْزَاقُ الْمَكْتُوبَةُ لاَ تُنَالُ بِالشِّدَّةِ وَالْمُطَالَبَةِ، فَذَلِّلْ لِلْمَقَادِيرِ نَفْسَك وَاعْلَمْ بِأَنَّك غَيْرُ نَائِلٍ بِالْحِرْصِ الا حَظَّك. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: رُبَّ حَظٍّ أَدْرَكَهُ غَيْرُ طَالِبِهِ، وَدُرٍّ أَحْرَزَهُ غَيْرُ جَالِبِهِ.

وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الادَبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ: يَا أَسِيرَ الطَّمَعِ الْكَاذِبِ فِي غِلِّ الْهَوَانِ إنَّ عِزَّ الْيَأْسِ خَيْرٌ لَك مِنْ ذُلِّ الامَانِي سَامِحْ الدَّهْرَ إذَا عَزَّ وَخُذْ صَفْوَ الزَّمَانِ إنَّمَا أُعْدِمَ ذُو الْحِرْصِ وَأُثْرِيَ ذُو الْتَوَانِي وَلَيْسَ لِلْحَرِيصِ غَايَةٌ مَقْصُودَةٌ يَقِفُ عِنْدَهَا، وَلاَ نِهَايَةٌ مَحْدُودَةٌ يَقْنَعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ بِالْحِرْصِ إلَى مَا أَمَّلَ أَغْرَاهُ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْحِرْصِ وَالامَلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَأَى إضَاعَةَ الْغِنَى لُؤْمًا، وَالصَّبْرَ عَلَيْهِ حَزْمًا، وَصَارَ بِمَا سَلَفَ مِنْ رَجَائِهِ أَقْوَى رَجَاءً وَأَبْسَطَ أَمَلًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَيَبْقَى مَعَهُ خَصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَالامَلُ}. وَقِيلَ لِلْمَسِيحِ عليه السلام: مَا بَالُ الْمَشَايِخِ أَحْرِصُ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ الشَّبَابِ ؟ قَالَ:؛ لِأَنَّهُمْ ذَاقُوا مِنْ طَعْمِ الدُّنْيَا مَا لَمْ يَذُقْهُ الشَّبَابُ. وَلَوْ صَدَقَ الْحَرِيصُ نَفْسَهُ وَاسْتَنْصَحَ عَقْلَهُ لَعَلِمَ أَنَّ مِنْ تَمَامِ السَّعَادَةِ وَحُسْنِ التَّوْفِيقِ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَنَاعَةَ بِالْقَسْمِ.

وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {اقْتَصِدُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ مَا رُزِقْتُمُوهُ أَشَدُّ طَلَبًا لَكُمْ مِنْكُمْ لَهُ وَمَا حُرِمْتُمُوهُ فَلَنْ تَنَالُوهُ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}. وَرُوِيَ {أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ - هَبَطَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: اقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَى}. فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ بِأَدَبِ اللَّهِ تَعَالَى تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتِ}.

وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: رُدُّوا أَبْصَارَكُمْ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا شُغْلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَأْوِيلِ قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قَالَ: بِالْقَنَاعَةِ. وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: مَنْ بَاعَ الْحِرْصَ بِالْقَنَاعَةِ ظَفَرَ بِالْغِنَى وَالثَّرْوَةِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قَدْ يَخِيبُ الْجَاهِدُ السَّاعِي، وَيَظْفَرُ الْوَادِعُ الْهَادِي. فَأَخَذَهُ الْبُحْتُرِيُّ فَقَالَ: لَمْ أَلْقَ مَقْدُورًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ فِي الْحَظِّ إمَّا نَاقِصًا أَوْ زَائِدَا وَعَجِبْتُ لِلْمَحْدُودِ يُحْرَمُ نَاصِبًا كَلَفًا وَلِلْمَجْدُودِ يَغْنَمُ قَاعِدَا مَا خَطْبُ مَنْ حُرِمَ الارَادَةَ قَاعِدًا خَطْبُ الَّذِي حُرِمَ الارَادَةَ جَاهِدَا وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ مَنْ قَنَعَ كَانَ غَنِيًّا وَإِنْ كَانَ مُقْتِرًا، وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ كَانَ فَقِيرًا وَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ إذَا طَلَبْتَ الْعِزَّ فَاطْلُبْهُ بِالطَّاعَةِ، وَإِذَا طَلَبْتَ الْغِنَى فَاطْلُبْهُ بِالْقَنَاعَةِ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنَّ نَصْرُهُ، وَمَنْ لَزِمَ الْقَنَاعَةَ زَالَ فَقْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: الْقَنَاعَةُ عِزُّ الْمُعْسِرِ، وَالصَّدَقَةُ حِرْزُ الْمُوسِرِ.

وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: إنِّي أَرَى مَنْ لَهُ قُنُوعٌ يُدْرِكُ مَا نَالَ أَوْ تَمَنَّى وَالرِّزْقُ يَأْتِي بِلاَ عَنَاءٍ وَرُبَّمَا فَاتَ مَنْ تَعَنَّى وَالْقَنَاعَةُ قَدْ تَكُونُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ. فَالْوَجْهُ الاوَّلُ: أَنْ يَقْنَعَ بِالْبُلْغَةِ مِنْ دُنْيَاهُ، وَيَصْرِفَ نَفْسَهُ عَنْ التَّعَرُّضِ لِمَا سِوَاهُ. وَهَذَا أَعْلَى مَنَازِلِ الْقَنَاعَةِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: إذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا غَنِيًّا فَلاَ تَكُنْ عَلَى حَالَةٍ الا رَضِيتَ بِدُونِهَا وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ لاَ تَتَجَاوَزُ رَغْبَتُهُ مِنْ الدُّنْيَا بُلْغَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الرِّضَى بِالْكَفَافِ يُؤَدِّي إلَى الْعَفَافِ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: يَا رُبَّ ضَيِّقٍ أَفْضَلِ مِنْ سَعَةٍ، وَعَنَاءٍ خَيْرٍ مِنْ دَعَةٍ. وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الادَبِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهِهِ -: أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ وَأَيُّ غِنًى أَعَزُّ مِنْ الْقَنَاعَهْ فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِك رَأْسَ مَالٍ وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَهْ تَحَرَّزْ حِينَ تَغْنَى عَنْ بِخَيْلٍ وَتَنَعَّمْ فِي الْجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَهْ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِ الْقَنَاعَةُ إلَى الْكِفَايَةِ، وَيَحْذِفُ الْفُضُولَ وَالزِّيَادَةَ. وَهَذِهِ أَوْسَطُ حَالِ الْمُقْتَنِعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَا مِنْ عَبْدٍ الا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِزْقِهِ حِجَابٌ، فَإِنْ قَنَعَ وَاقْتَصَدَ أَتَاهُ رِزْقُهُ، وَإِنْ هَتَكَ الْحِجَابَ لَمْ يَزِدْ فِي رِزْقِهِ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَا فَوْقَ الْكَفَافِ إسْرَافٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ رَضِيَ بِالْمَقْدُورِ قَنَعَ بِالْمَيْسُورِ.

وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ: تَطْلُبُ الاكْثَرَ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ تَبْلُغُ الْحَاجَةَ مِنْهَا بِالاقَلِّ وَأَنْشَدْتُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُدَبَّرِ: إنَّ الْقَنَاعَةَ وَالْعَفَافَ لَيُغْنِيَانِ عَنْ الْغِنَى فَإِذَا صَبَرْتَ عَنْ الْمُنَى فَاشْكُرْ فَقَدْ نِلْتَ الْمُنَى وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِ الْقَنَاعَةُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا سَنَحَ فَلاَ يَكْرَهُ مَا أَتَاهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَلاَ يَطْلُبُ مَا تَعَذَّرَ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. وَهَذِهِ الْحَالُ أَدْنَى مَنَازِلِ أَهْلِ الْقَنَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ. أَمَّا الرَّغْبَةُ؛ فَلِأَنَّهُ لاَ يَكْرَهُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا سَنَحَتْ. وَأَمَّا الرَّهْبَةُ؛ فَلِأَنَّهُ لاَ يَطْلُبُ الْمُتَعَذَّرَ عَنْ نُقْصَانِ الْمَادَّةِ إذَا تَعَذَّرَتْ. وَفِي مِثْلِهِ قَالَ ذُو النُّونِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: مَنْ كَانَتْ قَنَاعَتُهُ سَمِينَةً طَابَتْ لَهُ كُلُّ مَرَقَةٍ.

وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {الدُّنْيَا دُوَلٌ فَمَا كَانَ مِنْهَا لَك أَتَاك عَلَى ضَعْفِك، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْك لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِك، وَمَنْ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ مِمَّا فَاتَ اسْتَرَاحَ بَدَنُهُ، وَمَنْ رَضِيَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَرَّتْ عَيْنُهُ}. وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ الاعْرَجُ وَجَدْتُ شَيْئَيْنِ: شَيْئًا هُوَ لِي لَنْ أَعْجَلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَلَوْ طَلَبْتُهُ بِقُوَّةِ السَّمَوَاتِ وَالارْضِ، وَشَيْئًا هُوَ لِغَيْرِي وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ أَنَلْهُ فِيمَا مَضَى وَلاَ أَنَالُهُ فِيمَا بَقِيَ يَمْنَعُ الَّذِي لِي مِنْ غَيْرِي كَمَا يَمْنَعُ الَّذِي لِغَيْرِي مِنِّي، فَفِي أَيِّ هَذَيْنِ أُفْنِي عُمْرِي وَأُهْلِكُ نَفْسِي.

وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ: لاَ تَأْخُذُونِي بِالزَّمَانِ وَلَيْسَ لِي تَبَعًا وَلَسْتُ عَلَى الزَّمَانِ كَفِيلاَ مَنْ كَانَ مَرْعَى عَزْمِهِ وَهُمُومِهِ رَوْضَ الامَانِي لَمْ يَزَلْ مَهْزُولاَ لَوْ جَارَ سُلْطَانُ الْقُنُوعِ وَحُكْمِهِ فِي الْخَلْقِ مَا كَانَ الْقَلِيلُ قَلِيلاَ الرِّزْقُ لاَ تَكْمَدْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي وَلَمْ تَبْعَثْ عَلَيْهِ رَسُولاَ وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الادَبِ لِابْنِ الرُّومِيِّ: جَرَى قَلَمُ الْقَضَاءِ بِمَا يَكُونُ فَسِيَّانِ التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ جُنُونٌ مِنْك أَنْ تَسْعَى لِرِزْقٍ وَيُرْزَقُ فِي غِشَاوَتِهِ الْجَنِينُ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ مَسْئُولٍ، وَأَفْضَلَ مَأْمُولٍ، أَنْ يُحْسِنَ إلَيْنَا التَّوْفِيقَ فِيمَا مَنَحَ، وَيَصْرِفَ عَنَّا الرَّغْبَةَ فِيمَا مَنَعَ؛ اسْتِكْفَافًا لِتَبِعَاتِ الثَّرْوَةِ، وَمُوبِقَاتِ الشَّهْوَةِ. رَوَى شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَبِي الْجِذْعِ، عَنْ أَعْمَامِهِ وَأَجْدَادِهِ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِينَ لَمْ يُعْطُوا حَتَّى يَبْطَرُوا، وَلَمْ يُقْتِرُوا حَتَّى يَسْأَلُوا} وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ: عِنْدِي مِنْ الايَّامِ مَا لَوْ أَنَّهُ أَضْحَى بِشَارِبٍ مُرْقِدٍ مَا غَمَّضَا لاَ تَطْلُبَنَّ الرِّزْقَ بَعْدَ شِمَاسِهِ فَتَرُومَهُ شِبَعًا إذَا مَا غَيَّضَا مَا عُوِّضَ الصَّبْرَ امْرُؤٌ الا رَأَى مَا فَاتَهُ دُونَ الَّذِي قَدْ عُوِّضَا.

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لِنَافِذِ قُدْرَتِهِ وَبَالِغِ حِكْمَتِهِ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :سُلْطَانٌ قَاهِرٌ تَتَأَلَّفُ مِنْ رَهْبَتِهِ الاهْوَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا : عَدْلٌ شَامِلٌ يَدْعُو إلَى الالْفَةِ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :أَمْنٌ عَامٌّ و خِصْبُ دَار و أَمَلٌ فَسِيحٌ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالُ الانْسَانِ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :وَأَمَّا النَّسَبُ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :وَأَمَّا الْمُصَاهَرَةُ مِنْهَا

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :وَأَمَّا الْمُؤَاخَاةُ بِالْمَوَدَّةِ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :وَأَمَّا الْمُؤَاخَاةُ بِالْمَوَدَّة ـ تتمة ـ ة

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :وَأَمَّا الْبِرُّ وَعَلَيْك

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :الْبَذْلُ وَالْعَطَاءُ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا : الْمَعْرُوفُ وَعَلَيْك

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :الْمَادَّةُ الْكَافِيَةُ

الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ


عدد المشاهدات *:
9023
عدد مرات التنزيل *:
75307
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 12/05/2007 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 12/05/2007

الكتب العلمية

روابط تنزيل : الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزّ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا :أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزّ لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية