اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم
يوم الجمعة 18 ربيع الأول 1441 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

سم الله

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
الأداب و مكارم الأخلاق
كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي
الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ :الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمُرُوءَة 2
الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ :الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمُرُوءَة 2
الكتب العلمية

بسم الله الرحمن الرحيم

َ

الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمُرُوءَة 2

فَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ الْعَرَبِ: مَا الْمُرُوءَةُ فِيكُمْ ؟ قَالَ: طَعَامٌ مَأْكُولٌ، وَنَائِلٌ مَبْذُولٌ، وَبِشْرٌ مَقْبُولٌ. وَقَدْ قَالَ الاحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: فَلَوْ مُدَّ سَرْوِي بِمَالٍ كَثِيرٍ لَجُدْتُ وَكُنْتُ لَهُ بَاذِلاَ فَإِنَّ الْمُرُوءَةَ لاَ تُسْتَطَاعُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُهَا فَاضِلاَ وَأَمَّا صِيَانَتُهَا عَنْ تَحَمُّلِ الْمِنَنِ وَالاسْتِرْسَالِ فِي الاسْتِعَانَةِ؛ فَلِأَنَّ الْمِنَّةَ اسْتِرْقَاقُ الاحْرَارِ تُحْدِثُ ذِلَّةً فِي الْمَمْنُونِ عَلَيْهِ وَسَطْوَةً فِي الْمَانِّ بِهِ. وَالاسْتِرْسَالُ فِي الاسْتِعَانَةِ تَثْقِيلٌ وَمَنْ ثَقَّلَ عَلَى النَّاسِ هَانَ، وَلاَ قَدْرَ عِنْدَهُمْ لِمُهَانٍ. وَقَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ رضي الله عنه: خَدَمَك بَنُوك. فَقَالَ: أَغْنَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لِابْنِهِ الْحَسَنِ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ: يَا بُنَيَّ إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِك وَقَدْ جَعَلَك اللَّهُ حُرًّا، فَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَكْرَمُ وَأَعْظَمُ مِنْ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ كَثِيرًا. وَقَالَ زِيَادٌ لِبَعْضِ الدَّهَاقِينِ: مَا الْمُرُوءَةُ فِيكُمْ ؟ قَالَ: اجْتِنَابُ الرِّيَبِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْبُلُ مُرِيبٌ، وَإِصْلاَحُ الرَّجُلِ مَالَهُ فَإِنَّهُ مِنْ مُرُوءَتِهِ وَقِيَامِهِ بِحَوَائِجِهِ وَحَوَائِجِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْبُلُ مَنْ احْتَاجَ إلَى أَهْلِهِ وَلاَ مَنْ احْتَاجَ أَهْلُهُ إلَى غَيْرِهِ.

وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ: مَنْ عَفَّ خَفَّ عَلَى الصَّدِيقِ لِقَاؤُهُ وَأَخُو الْحَوَائِجِ وَجْهُهُ مَمْلُولُ وَأَخُوك مَنْ وَفَّرْتَ مَا فِي كِيسِهِ فَإِذَا عَبَثْتَ بِهِ فَأَنْتَ ثَقِيلُ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ لُحْمَةً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْ التَّعَاوُنِ وَلاَ يَسْتَقِلُّونَ عَنْ الْمُسَاعِدِ وَالْمُظَافِرِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ تَعَاوُنُ ائْتِلاَفٍ يَتَكَافَئُونَ فِيهِ وَلاَ يَتَفَاضَلُونَ وَرُبَّمَا كَانَ الْمُسْتَعِينُ فِيهِ مُفَضَّلًا، وَالْمُعِينُ مُسْتَفْضِلًا كَاسْتِعَانَةِ السُّلْطَانِ بِجُنْدِهِ وَالْمُزَارِعِ بِأَكَرَتِهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا بُدٌّ وَلاَ لِأَحَدٍ عَنْهُ غِنًى، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَصَوَّنُ عَنْهُ الْكِرَامُ تَعَاوُنُ التَّفْضِيلِ فَيَنْقَبِضُونَ عَنْ أَنْ يَسْتَعِينُوا لِئَلاَ يَكُونَ عَلَيْهِمْ يَدٌ، وَيُسَارِعُونَ أَنْ يُعِينُوا لاَنْ يَكُونَ لَهُمْ يَدٌ. وَمَنْ أَقْدَمَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ عَلَى الاسْتِعَانَةِ بِجَاهٍ أَوْ بِمَالٍ فَقَدْ أَوْهَى مُرُوءَتَهُ، وَاسْتَبْذَلَ صِيَانَتَهُ، وَمَنْ دَعَاهُ الاضْطِرَارُ لِنَائِبٍ أَلَمَّ أَوْ حَادِثٍ هَجَمَ إلَى الاسْتِعَانَةِ بِمَنْ يَتَنَفَّسُ بِهِ مِنْ خِنَاقِ كَرْبِهِ، وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ وِثَاقِ نَوَائِبِهِ، فَلاَ لَوْمَ عَلَى مُضْطَرٍّ. فَإِنْ أَغْنَتْهُ الاسْتِعَانَةُ بِالْجَاهِ عَنْ الاسْتِعَانَةِ بِالْمَالِ، فَلاَ عُذْرَ لَهُ فِي التَّعَرُّضِ لِلْمَالِ، وَيَعْدِلُ إلَى وُلاَةِ الامُورِ فَإِنَّ الْحَوَائِجَ عِنْدَهُمْ أَنْجَحُ وَهِيَ عَلَيْهِمْ أَسْهَلُ، وَهُمْ لِذَلِكَ مَنْدُوبُونَ، فَهُمْ لاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مُسَاوِيًا وَلِيَصْبِرَنَّ عَلَى إبْطَائِهِمْ فَإِنَّ تَرَاكُمَ الامُورِ عَلَيْهِمْ يَشْغَلُهُمْ الا عَنْ الْمُلِحِّ الصَّبُورِ.

وَلِذَلِكَ قِيلَ: قَدِّمْ لِحَاجَتِك بَعْضَ لَجَاجَتِك. وَقَالَ أَبُو سَارَةَ سُحَيْمُ بْنُ الاعْرَفِ: تُعِدُّ قَرَابَةً وَتُعِدُّ صِهْرًا وَيَسْعَدُ بِالْقَرَابَةِ مَنْ رَعَاهَا وَمَا زُرْنَاك مِنْ عَدَمٍ وَلَكِنْ يَهَشُّ إلَى الامَارَةِ مَنْ رَجَاهَا وَأَيًّا مَا فَعَلْتَ فَإِنَّ نَفْسِي تَعُدُّ صَلاَحَ نَفْسِك مِنْ غِنَاهَا فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ صَلاَحُ حَالِهِ الا بِمَالٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى نَوَائِبِهِ كَانَ لَهُ مَعَ الضَّرُورَةِ فُسْحَةٌ. لَكِنْ إنْ وَجَدَهُ قَرْضًا مَرْدُودًا لَمْ يَأْخُذْهُ صِلَةً وَجُودًا، فَإِنَّ الْقَرْضَ مُسْتَسْمَحٌ بِهِ فِي الْمُرُوآت. هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ مَا أَعْلَى اللَّهُ مِنْ قَدْرِهِ وَفَضَّلَهُ عَلَى خَلْقِهِ، قَدْ اقْتَرَضَ ثُمَّ قَضَى فَأَحْسَنَ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَعْيَاهُ رِزْقُ اللَّهِ تَعَالَى حَلالا فَلْيَسْتَدِنْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ}. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {الْمُسْتَدِينُ تَاجِرُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ}. وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنْ كُثْرٌ فَقُلْ عَطِيَّةٌ يَبْلُغْ بِهَا بَاغِي الرِّضَا بَعْضَ الرِّضَا أَوْ لَمْ يَكُنْ هِبَةٌ فَقَرْضٌ يُسِّرَتْ أَسْبَابُهُ وَكَوَاهِبٍ مَنْ أَقْرَضَا وَلَئِنْ كَانَ الدَّيْنُ رِقًّا فَهُوَ أَسْهَلُ مِنْ رِقِّ الافْضَالِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ الْبَقَاءَ وَلاَ بَقَاءَ فَلْيُبَاكِرْ الْغَدَاءَ وَلْيُخَفِّفْ الرِّدَاءَ. قِيلَ: وَمَا فِي خِفَّةِ الرِّدَاءِ مِنْ الْبَقَاءِ ؟ قَالَ: قِلَّةُ الدَّيْنِ. فَإِنْ أَعْوَزَهُ ذَلِكَ الا اسْتِسْمَاحًا فَهُوَ الرِّقُّ الْمُذِلُّ. وَلِذَلِكَ قِيلَ: لاَ مُرُوءَةَ لِمُقِلٍّ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ قَبِلَ صِلَتَك فَقَدْ بَاعَك مُرُوءَتَهُ وَأَذَلَّ لِقَدْرِك عِزَّهُ وَجَلاَلَتَهُ. وَاَلَّذِي يَتَمَاسَكُ بِهِ الْبَاقِي مِنْ مُرُوءَةِ الرَّاغِبِينَ، وَالْيَسِيرِ التَّافِهِ مِنْ صِيَانَةِ السَّائِلِينَ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ لِذِي رَغْبَةٍ مُرُوءَةٌ وَلاَ لِسَائِلٍ تَصَوُّنٌ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ هِيَ جَهْدُ الْمُضْطَرِّ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَجَافَى ضَرَعَ السَّائِلِينَ، وَأُبَّهَةَ الْمُسْتَقِلِّينَ. فَيَذِلَّ بِالضَّرَعِ وَيُحْرَمَ بِالابَّهَةِ، وَلْيَكُنْ مِنْ التَّجَمُّلِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَالُ مِثْلِهِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ. وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَنْ يُفْحِشُ زَوَالَ النِّعَمِ ؟ قَالَ: إذَا زَالَ مَعَهَا التَّجَمُّلُ.

وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الادَبِ لِعَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ: هِيَ النَّفْسُ مَا حَمَّلْتهَا تَتَحَمَّلُ وَلِلدَّهْرِ أَيَّامٌ تَجُورُ وَتَعْدِلُ وَعَاقِبَةُ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ جَمِيلَةٌ وَأَحْسَنُ أَخْلاَقِ الرِّجَالِ التَّفَضُّلُ وَلاَ عَارَ إنْ زَالَتْ عَنْ الْحُرِّ نِعْمَةٌ وَلَكِنَّ عَارًا أَنْ يَزُولَ التَّجَمُّلُ وَالثَّانِي: أَنْ يَقْتَصِرَ فِي السُّؤَالِ عَلَى مَا دَعَتْهُ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ، وَقَادَتْهُ إلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلاَ يَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الاغْتِنَامِ فَيَحْرُمُ بِاغْتِنَامِهِ، وَلاَ يُعْذَرُ فِي ضَرُورَتِهِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَلِفَ الْمَسْأَلَةَ أَلِفَهُ الْمَنْعُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْذُرَ فِي الْمَنْعِ وَيَشْكُرَ عَلَى الاجَابَةِ فَإِنَّهُ إنْ مُنِعَ فَعَمَّا لاَ يَمْلِكُ، وَإِنْ أُجِيبَ فَإِلَى مَا لاَ يَسْتَحِقُّ. فَقَدْ قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: لاَ تَغْضَبَنَّ عَلَى امْرِئٍ فِي مَالِهِ وَعَلَى كَرَائِمِ صُلْبِ مَالِكَ فَاغْضَبْ وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى سُؤَالِ مَنْ كَانَ لِلْمَسْأَلَةِ أَهْلًا، وَكَانَ النُّجْحُ عِنْدَهُ مَأْمُولًا، فَإِنَّ ذَوِي الْمُكْنَةِ كَثِيرٌ وَالْمُعِينُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {الْخَيْرُ كَثِيرٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ}. وَالْمَرْجُوُّ لِلْإِجَابَةِ مَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ خِصَالُهَا وَهِيَ ثَلاَثٌ: إحْدَاهُنَّ: كَرَمُ الطَّبْعِ فَإِنَّ الْكَرِيمَ مُسَاعِدٌ، وَاللَّئِيمَ مُعَانِدٌ. وَقَدْ قِيلَ: الْمَخْذُولُ مَنْ كَانَتْ لَهُ إلَى اللِّئَامِ حَاجَةٌ. وَالثَّانِيَةُ: سَلاَمَةُ الصَّدْرِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ إلْبٌ عَلَى نَكْبَتِك، وَحَرْبٌ فِي نَائِبَتِك.

وَقَدْ قِيلَ: مَنْ أَوْغَرْت صَدْرَهُ اسْتَدْعَيْت شَرَّهُ، فَإِنْ رَقَّ لَك بِكَرَمِ طَبْعِهِ، وَرَحِمَك بِحُسْنِ ظَفَرِهِ، فَأَعْظِمْ بِهَا مِنْحَةً أَنْ يَصِيرَ عَدُوُّك لَك رَاحِمًا. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: وَحَسْبُك مِنْ حَادِثٍ بِامْرِئٍ تَرَى حَاسِدِيهِ لَهُ رَاحِمَيْنَا وَالْخَامِسُ: ظُهُورُ الْمُكْنَةِ فَإِنَّ مَنْ سَأَلَ مَا لاَ يُمْكِنُ فَقَدْ أَحَالَ، وَكَانَ كَمُسْتَنْهِضِ الْمَسْجُونِ، وَمُسْتَسْعِفِ الْمَدْيُونِ، وَكَانَ بِالرَّدِّ خَلِيقًا، وَبِالْحِرْمَانِ حَقِيقًا. وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَنْ لاَ يَعْرِفُ لاَ حَتَّى يُقَالَ لَهُ لاَ فَهُوَ أَحْمَقُ. وَوَصَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الاهْتَمِ ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لاَ تَطْلُبْ الْحَوَائِجَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَلاَ تَطْلُبْهَا فِي غَيْرِ حِينِهَا، وَلاَ تَطْلُبْ مَا لَسْتَ لَهُ مُسْتَحِقًّا فَإِنَّك إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ حَقِيقًا بِالْحِرْمَانِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَلاَ تَسْأَلَنَّ امْرَأً حَاجَةً يُحَاوِلُ مِنْ رَبِّهِ مِثْلَهَا فَيَتْرُكَ مَا كُنْتَ حَمَّلْتَهُ وَيَبْدَأُ بِحَاجَتِهِ قَبْلَهَا فَهَذَا مَا يَخْتَصُّ بِشُرُوطِ الْمُرُوءَةِ فِي نَفْسِهِ.

وَأَمَّا شُرُوطُ الْمُرُوءَةِ فِي غَيْرِهِ فَثَلاَثَةٌ: الْمُؤَازَرَةُ وَالْمُيَاسَرَةُ وَالافْضَالُ. أَمَّا الْمُؤَازَرَةُ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الاسْعَافُ بِالْجَاهِ، وَالثَّانِي الاسْعَافُ فِي النَّوَائِبِ. فَأَمَّا الاسْعَافُ بِالْجَاهِ فَقَدْ يَكُونُ مِنْ الاعْلَى قَدْرًا، وَالانْفَذِ أَمْرًا، وَهُوَ أَرْخَصُ الْمَكَارِمِ ثَمَنًا وَأَلْطَفُ الصَّنَائِعِ مَوْقِعًا، وَرُبَّمَا كَانَ أَعْظَمَ مِنْ الْمَالِ نَفْعًا. وَهُوَ الظِّلُّ الَّذِي يَلْجَأُ إلَيْهِ الْمُضْطَرُّونَ، وَالْحِمَى الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الْخَائِفُونَ. فَإِنْ أَوَطْأَهُ اتَّسَعَ بِكَثْرَةِ الانْصَارِ وَالشِّيَعِ، وَإِنْ قَبَضَهُ انْقَطَعَ بِنُفُورِ الْغَاشِيَةِ وَالتَّبَعِ، فَهُوَ بِالْبَذْلِ يُنَمَّى وَيَزِيدُ، وَبِالْكَفِّ يَنْقُصُ وَيَبِيدُ، فَلاَ عُذْرَ لِمَنْ مُنِحَ جَاهًا أَنْ يَبْخَلَ بِهِ فَيَكُونَ أَسْوَأَ حَالا مِنْ الْبَخِيلِ بِمَالِهِ الَّذِي قَدْ يُعِدُّهُ لِنَوَائِبِهِ، وَيَسْتَبْقِيهِ لِلَذَّتِهِ، وَيَكْنِزُهُ لِذُرِّيَّتِهِ. وَبِضِدِّ ذَلِكَ مَنْ بَخِلَ بِجَاهِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَضَاعَهُ بِالشُّحِّ وَبَدَّدَهُ بِالْبُخْلِ وَحَرَمَ نَفْسَهُ غَنِيمَةَ مُكْنَتِهِ، وَفُرْصَةَ قُدْرَتِهِ، فَلَمْ يُعْقِبْهُ الا نَدَمًا عَلَى فَائِتٍ وَأَسَفًا عَلَى ضَائِعٍ وَمَقْتًا يَسْتَحْكِمُ فِي النُّفُوسِ وَذَمًّا قَدْ يَنْتَشِرُ فِي النَّاسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ وَأَحَبُّ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَيْهِ أَحْسَنُهُمْ صَنِيعًا إلَى عِيَالِهِ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: اصْنَعْ الْخَيْرَ عِنْدَ إمْكَانِهِ يَبْقَى لَك حَمْدُهُ عِنْدَ زَوَالِهِ، وَأَحْسِنْ وَالدَّوْلَةُ لَك يُحْسَنُ لَك، وَالدَّوْلَةُ عَلَيْك، وَاجْعَلْ زَمَانَ رَخَائِك عُدَّةً لِزَمَانِ بَلاَئِك. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مِنْ عَلاَمَةِ الاقْبَالِ اصْطِنَاعُ الرِّجَالِ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: بَذْلُ الْجَاهِ أَحَدُ الْحِبَاءَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ الاعْرَابِيِّ: الْعَرَبُ تَقُولُ: مَنْ أَمَّلَ شَيْئًا هَابَهُ وَمِنْ جَهِلَ شَيْئًا عَابَهُ. وَبَذْلُ الْجَاهِ قَدْ يَكُونُ مِنْ كَرَمِ النَّفْسِ وَشُكْرِ النِّعْمَةِ وَضِدُّهُ مِنْ ضِدِّهِ وَلَيْسَ بَذْلُ الْجَاهِ لِالْتِمَاسِ الْجَزَاءِ بَذْلًا مَشْكُورًا، وَإِنَّمَا هُوَ بَائِعُ جَاهِهِ وَمُعَاوِضُ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالائِهِ فَكَانَ بِالذَّمِّ أَحَقَّ. وَأَنْشَدَ بَعْضُ الادَبَاءِ لِعَلِيِّ بْنِ عَبَّاسٍ الرُّومِيِّ رحمه الله: لاَ يَبْذُلُ الْعُرْفَ حِينَ يَبْذُلُهُ كَمُشْتَرِي الْحَمْدِ أَوْ كَمُعْتَاضِهِ بَلْ يَفْعَلُ الْعُرْفَ حِينَ يَفْعَلُهُ لِجَوْهَرِ الْعُرْفِ لاَ لِأَعْرَاضِهِ وَعَلَى مَنْ أُسْعِدَ بِجَاهِهِ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ يَسْتَكْثِرُ بِهَا الشُّكْرَ وَيَسْتَمِدُّ بِهَا الْمَزِيدَ مِنْ الاجْرِ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَسْهِلَ الْمَعُونَةَ مَسْرُورًا، وَلاَ يَسْتَثْقِلَهَا كَارِهًا، فَيَكُونَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَبَرِّمًا وَلِإِحْسَانِهِ مُسْخِطًا. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ عَظُمَتْ مَئُونَةُ النَّاسِ عَلَيْهِ}. فَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ تِلْكَ الْمَئُونَةَ عَرَضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ. وَالثَّانِي: مُجَانَبَةُ الاسْتِطَالَةِ وَتَرْكُ الامْتِنَانِ فَإِنَّهُمَا مِنْ لُؤْمِ الطَّبْعِ وَضِيقِ الصَّدْرِ وَفِيهِمَا هَدْمُ الصَّنِيعِ، وَإِحْبَاطُ الشُّكْرِ. وَقَدْ قِيلَ لِلْحَكِيمِ الْيُونَانِيِّ: مَنْ أَضْيَقُ النَّاسِ طَرِيقًا وَأَقَلُّهُمْ صَدِيقًا ؟ قَالَ: مَنْ عَاشَرَ النَّاسَ بِعُبُوسِ وَجْهِهِ وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَقْرِنَ بِمَشْكُورِ سَعْيِهِ تَقْرِيعًا بِذَنْبٍ وَلاَ تَوْبِيخًا عَلَى هَفْوَةٍ فَلاَ يَفِي مَضَضُ التَّوْبِيخِ بِإِدْرَاكِ النُّجْحِ وَيَصِيرُ الشُّكْرُ وَجْدًا وَالْحَمْدُ عَيْبًا. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ}. وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ: أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ الْمَلاَمَةَ نَفْعُهَا قَلِيلٌ إذَا مَا الشَّيْءُ وَلَّى فَأَدْبَرَا وَأَمَّا الاسْعَافُ فِي النَّوَائِبِ فَلِأَنَّ الايَّامَ غَادِرَةٌ، وَالنَّوَازِلَ غَائِرَةٌ، وَالْحَوَادِثَ عَارِضَةٌ، وَالنَّوَائِبَ رَاكِضَةٌ، فَلاَ يَعْذُرُ فِيهَا الا عَلِيمٌ، وَلاَ يَسْتَنْقِذُهُ مِنْهَا الا سَلِيمٌ. وَقَدْ قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: كَفَى زَاجِرًا لِلْمَرْءِ أَيَّامُ دَهْرِهِ تَرُوحُ لَهُ بِالْوَاعِظَاتِ وَتَغْتَدِي فَإِذَا وُجِدَ الْكَرِيمُ مُصَابًا بِحَوَادِث دَهْرِهِ حَثَّهُ الْكَرْمُ وَشُكْرُ النِّعَمِ عَلَى الاسْعَافِ فِيهَا بِمَا اسْتَطَاعَ سَبِيلًا إلَيْهِ وَوَجَدَ قُدْرَةً عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: خَيْرٌ مِنْ الْخَيْرُ مُعْطِيهِ وَشَرٌّ مِنْ الشَّرِّ فَاعِلُهُ. وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: هَلْ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؟ قَالَ: مُعْطِيهِمَا. وَالاسْعَافُ فِي النَّوَائِبِ نَوْعَانِ: وَاجِبٌ وَتَبَرُّعٌ. فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَمَا اخْتَصَّ بِثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ وَهُمْ: الاهْلُ وَالاخْوَانُ وَالْجِيرَانُ. أَمَّا الاهْلُ فَلِمُمَاسَّةِ الرَّحِمِ وَتَعَاطُفِ النَّسَبِ. وَقَدْ قِيلَ: لَمْ يَسُدْ مَنْ احْتَاجَ أَهْلُهُ إلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وَإِنَّ امْرَأً نَالَ الْمُنَى ثُمَّ لَمْ يَنَلْ قَرِيبًا وَلاَ ذَا حَاجَةٍ لَزَهِيدُ وَإِنَّ امْرَأً عَادَى الرِّجَالَ عَلَى الْغِنَى وَلَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ الْغِنَى لَحَسُودُ وَأَمَّا الاخْوَانُ فَلِمُسْتَحْكَمِ الْوُدُّ وَمُتَأَكِّدُ الْعَهْدِ.

سُئِلَ الاحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ الْمُرُوءَةِ فَقَالَ: صِدْقُ اللِّسَانِ وَمُؤَاسَاةُ الاخْوَانِ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَان. وَقَالَ بَعْضُ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ: صِفَةُ الصَّدِيقِ أَنْ يَبْذُلَ لَك مَالَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَنَفْسَهُ عِنْدَ النَّكْبَةِ، وَيَحْفَظَك عِنْدَ الْمَغِيبِ. وَرَأَى بَعْضُ الْحُكَمَاءِ رَجُلَيْنِ يَصْطَحِبَانِ لاَ يَفْتَرِقَانِ فَسَأَلَ عَنْهُمَا فَقِيلَ: هُمَا صَدِيقَانِ. فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِهِمَا فَقِيرٌ وَالاخَرِ غَنِيٌّ. وَأَمَّا الْجَارُ فَلِدُنُوِّ دَارِهِ وَاتِّصَالِ مَزَارِهِ. قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: لَيْسَ حُسْنُ الْجُوَارِ كَفَّ الاذَى بَلْ الصَّبْرُ عَلَى الاذَى. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَجَارَ جَارَهُ أَعَانَهُ اللَّهُ وَأَجَارَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أَحْسَنَ إلَى جَارِهِ فَقَدْ دَلَّ عَلَى حُسْنِ نِجَارِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَلِلْجَارِ حَقٌّ فَاحْتَرِزْ مِنْ إذَائِهِ وَمَا خَيْرُ جَارٍ لاَ يَزَالُ مُؤَاذِيًا فَيَجِبُ فِي حُقُوقِ الْمُرُوءَةِ وَشُرُوطِ الْكَرَمِ فِي هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَحَمُّلُ أَثْقَالِهِمْ، وَإِسْعَافُهُمْ فِي نَوَائِبِهِمْ وَلاَ فُسْحَةَ لِذِي مُرُوءَةٍ مَعَ ظُهُورِ الْمُكْنَةِ أَنْ يَكِلَهُمْ إلَى غَيْرِهِ، أَوْ يُلْجِئَهُمْ إلَى سُؤَالِهِ، وَلْيَكُنْ سَائِلَ كَرَمِ نَفْسِهِ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِيَالُ كَرَمِهِ وَأَضْيَافُ مُرُوءَتِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَحْسُنُ أَنْ يُلْجِئَ عِيَالَهُ وَأَضْيَافَهُ إلَى الطَّلَبِ وَالرَّغْبَةِ فَهَكَذَا مَنْ عَالَهُ كَرَمُهُ وَأَضَافَتْهُ مُرُوءَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: حَقٌّ عَلَى السَّيِّدِ الْمَرْجُوِّ نَائِلُهُ وَالْمُسْتَجَارِ بِهِ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ لاَ يُنِيلَ الاقَاصِيَ صَوْبَ رَاحَتِهِ حَتَّى يَخُصَّ بِهِ الادْنَى مِنْ الْخَدَمِ إنَّ الْفُرَاتَ إذَا جَاشَتْ غَوَارِبُهُ رَوَّى السَّوَاحِلَ ثُمَّ امْتَدَّ فِي الامَمِ وَأَمَّا التَّبَرُّعُ فِيمَنْ عَدَا هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ مِنْ الْبُعَدَاءِ الَّذِينَ لاَ يُدْلُونَ بِنَسَبٍ، وَلاَ يَتَعَلَّقُونَ بِسَبَبٍ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِفَضْلِ الْكَرَمِ وَفَائِضِ الْمُرُوءَةِ فَنَهَضَ فِي حَوَادِثِهِمْ، وَتَكَفَّلَ بِنَوَائِبِهِمْ، فَقَدْ زَادَ عَلَى شُرُوطِ الْمُرُوءَةِ وَتَجَاوَزَهَا إلَى شُرُوطِ الرِّئَاسَةِ. وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: أَيُّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ النَّاسِ يُشْبِهُ أَفْعَالَ الالَهِ ؟ قَالَ: الاحْسَانُ إلَى النَّاسِ، وَإِنْ كَفَّ تَشَاغُلًا بِمَا لَزِمَ فَلاَ لَوْمَ مَا لَمْ يَلْجَأْ إلَيْهِ مُضْطَرٌّ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ بِالْكُلِّ مُعْوِزٌ وَالتَّكَفُّلَ بِالْجَمِيعِ مُتَعَذِّرٌ. فَهَذَا حُكْمُ الْمُؤَازَرَةِ.

وَأَمَّا الْمُيَاسَرَةِ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعَفْوُ عَنْ الْهَفَوَاتِ، وَالثَّانِي الْمُسَامَحَةُ فِي الْحُقُوقِ. فَأَمَّا الْعَفْوُ عَنْ الْهَفَوَاتِ: فَلِأَنَّهُ لاَ مُبَرَّأَ مِنْ سَهْوٍ وَزَلَلٍ، وَلاَ سَلِيمَ مِنْ نَقْصٍ أَوْ خَلَلٍ، وَمَنْ رَامَ سَلِيمًا مِنْ هَفْوَةٍ، وَالْتَمَسَ بَرِيئًا مِنْ نَبْوَةٍ، فَقَدْ تَعَدَّى عَلَى الدَّهْرِ بِشَطَطِهِ، وَخَادَعَ نَفْسَهُ بِغَلَطِهِ، وَكَانَ مِنْ وُجُودِ بُغْيَتِهِ بَعِيدًا وَصَارَ بِاقْتِرَاحِهِ فَرْدًا وَحِيدًا. وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: لاَ صَدِيقَ لِمَنْ أَرَادَ صَدِيقًا لاَ عَيْبَ فِيهِ.

وَقِيلَ لِأَنُوشِرْوَانَ: هَلْ مِنْ أَحَدٍ لاَ عَيْبَ فِيهِ ؟ قَالَ: مَنْ لاَ مَوْتَ لَهُ، وَإِذَا كَانَ الدَّهْرِ لاَ يُوجِدُهُ مَا طَلَبَ، وَلاَ يُنِيلُهُ مَا أَحَبَّ، وَكَانَ الْوَحِيدُ فِي النَّاسِ مَرْفُوضًا قَصِيًّا، وَالْمُنْقَطِعُ عَنْهُمْ وَحْشِيًّا، لَزِمَهُ مُسَاعِدَةُ زَمَانِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَمُيَاسَرَةُ إخْوَانِهِ فِي الصَّفْحِ وَالاغْضَاءِ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ}. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: ثَلاَثُ خِصَالٍ لاَ تَجْتَمِعُ الا فِي كَرِيمٍ: حُسْنُ الْمَحْضَرِ وَاحْتِمَالُ الزَّلَّةِ وَقِلَّةُ الْمَلاَلِ. وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ: فَعُذْرُك مَبْسُوطٌ لِذَنْبٍ مُقَدَّمٍ وَوُدُّك مَقْبُولٌ بِأَهْلٍ وَمَرْحَبِ وَلَوْ بَلَّغَتْنِي عَنْكَ أُذْنِي أَقَمْتُهَا لَدَيَّ مَقَامَ الْكَاشِحِ الْمُتَكَذِّبِ فَلَسْتُ بِتَقْلِيبِ اللِّسَانِ مُصَارِمًا خَلِيلًا إذَا مَا الْقَلْبُ لَمْ يَتَقَلَّبْ وَإِذَا كَانَ الاغْضَاءُ حَتْمًا وَالصَّفْحُ كَرَمًا تَرَتَّبَ بِحَسَبِ الْهَفْوَةِ وَتَنَزَّلُ بِقَدْرِ الذَّنْبِ. وَالْهَفَوَاتُ نَوْعَانِ: صَغَائِرُ وَكَبَائِرُ. فَالصَّغَائِرُ مَغْفُورَةٌ، وَالنُّفُوسُ بِهَا مَعْذُورَةٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَعَ أَطْوَارِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَخْلاَقِهِمْ الْمُتَفَاضِلَةِ، لاَ يَسْلَمُونَ مِنْهَا. فَكَانَ الْوَجْدُ فِيهَا مُطَّرَحًا، وَالْعَتْبُ مُسْتَقْبَحًا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ كَانَ كَمَنْ زَرَعَ زَرْعًا ثُمَّ حَصَدَهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: وَشَرُّ الاخِلاَءِ مَنْ لَمْ يَزَلْ يُعَاتِبُ طَوْرًا وَطَوْرًا يَذُمْ يُرِيك النَّصِيحَةَ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَيَبْرِيك فِي السِّرِّ بَرْيَ الْقَلَمْ وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَنَوْعَانِ: أَنْ يَهْفُوَ بِهَا خَاطِئًا، وَيَزِلَّ بِهَا سَاهِيًا، فَالْحَرَجُ فِيهَا مَرْفُوعٌ، وَالْعَتْبُ عَنْهَا مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّ هَفْوَةَ الْخَاطِرِ هَدَرٌ وَلَوْمَهُ هَذْرٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لاَ تَقْطَعْ أَخَاك الا بَعْدَ عَجْزِ الْحِيلَةِ عَنْ اسْتِصْلاَحِهِ.

وَقَالَ الاحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: حَقُّ الصَّدِيقِ أَنْ تَحْتَمِلَ لَهُ ثَلاَثًا: ظُلْمَ الْغَضَبِ، وَظُلْمَ الدَّالَّةِ، وَظُلْمَ الْهَفْوَةِ. وَحَكَى ابْنُ عَوْنٍ أَنَّ غُلاَمًا هَاشِمِيًّا عَرْبَدَ عَلَى قَوْمٍ فَأَرَادَ عَمُّهُ أَنْ يُسِيءَ بِهِ فَقَالَ: يَا عَمِّ إنِّي قَدْ أَسَأْت وَلَيْسَ مَعِي عَقْلِي فَلاَ تُسِئْ بِي وَمَعَك عَقْلُك. وَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ: لَمْ أُؤَاخِذْكَ إذْ جَنَيْتَ لِأَنِّي وَاثِقٌ مِنْك بِالاخَاءِ الصَّحِيحِ فَجَمِيلُ الْعَدُوِّ غَيْرُ جَمِيلٍ وَقَبِيحُ الصَّدِيقِ غَيْرُ قَبِيحِ فَإِنْ تَشَبَّهَ خَطَؤُهُ بِالْعَمْدِ، وَسَهْوُهُ بِالْقَصْدِ، تَثَبَّتَ وَلَمْ يَلُمْ بِالتَّوَهُّمِ فَيَكُونَ مَلُومًا، وَلِذَلِكَ قِيلَ: التَّثَبُّتُ نِصْفُ الْعَفْوِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لاَ يُفْسِدُك الظَّنُّ عَلَى صَدِيقٍ أَصْلَحَك الْيَقِينُ لَهُ. وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ هُذَيْلٍ: فَبَعْضُ الامْرِ تُصْلِحُهُ بِبَعْضٍ فَإِنَّ الْغَثَّ يَحْمِلُهُ السَّمِينُ وَلاَ تَعْجَلْ بِظَنِّك قَبْلَ خُبْرٍ فَعِنْدَ الْخُبْرِ تَنْقَطِعُ الظُّنُونُ تَرَى بَيْنَ الرِّجَالِ الْعَيْنُ فَضْلًا وَفِيمَا أَضْمَرُوا الْفَضْلُ الْمُبِينُ كَلَوْنِ الْمَاءِ مُشْتَبَهًا وَلَيْسَتْ تُخْبِرُ عَنْ مَذَاقَتِهِ الْعُيُونُ وَالثَّانِي: أَنْ يَعْتَمِدَ مَا اجْتَرَمَ مِنْ كَبَائِرِهِ، وَيَقْصِدَ مَا اجْتَرَحَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ.

وَلاَ يَخْلُو فِيمَا أَتَاهُ مِنْ أَرْبَعِ أَحْوَالٍ: فَالْحَالُ الاولَى: أَنْ يَكُونَ مَوْتُورًا قَدْ قَابَلَ عَلَى وَتْرَتِهِ وَكَافَأَ عَلَى مُسَاءَتِهِ فَاللاَئِمَةُ عَلَى مَنْ وَتَرَهُ عَائِدَةٌ، وَإِلَى الْبَادِئِ بِهَا رَاجِعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَافِئَ أَعَذْرُ، وَإِنْ كَانَ الصَّفْحُ أَجْمَلَ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إيَّاكُمْ وَالْمُشَارَّةَ فَإِنَّهَا تُمِيتُ الْغَيْرَةَ وَتُحْيِي الْغُرَّةَ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ فَعَلَ مَا شَاءَ لَقِيَ مَا لَمْ يَشَأْ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: مَنْ نَالَتْهُ إسَاءَتُك هَمَّهُ مُسَاءَتُك. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أُولِعَ بِقُبْحِ الْمُعَامَلَةِ أُوجِعَ بِقُبْحِ الْمُقَابَلَةِ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ: إذَا وَتَرْت امْرَأً فَاحْذَرْ عَدَاوَتَهُ مَنْ يَزْرَعْ الشَّوْكَ لاَ يَحْصُدْ بِهِ عِنَبَا إنَّ الْعَدُوَّ وَإِنْ أَبْدَى مُسَالَمَةً إذَا رَأَى مِنْك يَوْمًا فُرْصَةً وَثَبَا وَالاغْضَاءُ عَنْ هَذَا أَوْجَبُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمُكَافَأَةُ ذَنْبًا لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى عُقْبَى إسَاءَتِهِ، فَإِنْ وَاصَلَ الشَّرَّ وَاصَلْته الْمُكَافَأَةُ. وَقَدْ قِيلَ: بِاعْتِزَالِك الشَّرَّ يَعْتَزِلُك وَبِحُسْنِ النَّصَفَةِ يَكُونُ الْمُوَاصِلُونَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كُنْت سَبَبًا لِبَلاَئِهِ وَجَبَ عَلَيْك التَّلَطُّفُ لَهُ فِي عِلاَجِهِ مِنْ دَائِهِ. وَقَدْ قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: إذَا كُنْت لَمْ تُعْرِضْ عَنْ الْجَهْلِ وَالْخَنَا أَصَبْت حَلِيمًا أَوْ أَصَابَك جَاهِلُ وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَدُوًّا قَدْ اسْتَحْكَمَتْ شَحْنَاؤُهُ، وَاسْتَوْعَرَتْ سَرَّاؤُهُ، وَاسْتَخْشَنَتْ ضَرَّاؤُهُ، فَهُوَ يَتَرَبَّصُ بِدَوَائِرِ السَّوْءِ انْتِهَازَ فُرَصِهِ، وَيَتَجَرَّعُ بِمَهَانَةِ الْعَجْزِ مَرَارَةَ غُصَصِهِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِنَائِبَةٍ سَاعَدَهَا، وَإِذَا شَاهَدَ نِعْمَةً عَانَدَهَا، فَالْبُعْدُ مِنْهُ حَذَرًا أَسْلَمُ، وَالْكَفُّ عَنْهُ مُتَارَكَةً أَغْنَمُ، فَإِنَّهُ لاَ يُسْلَمُ مِنْ عَوَاقِبِ شَرِّهِ، وَلاَ يُفْلَتُ مِنْ غَوَائِلِ مَكْرِهِ. وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: لاَ تَعْرِضَنَّ لِعَدُوِّك فِي دَوْلَتِهِ فَإِذَا زَالَتْ كُفِيَتْ شَرَّهُ. وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ كَذَبَ مَنْ قَالَ إنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ يُطْفَأُ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُوقِدْ نَارَيْنِ وَلْيَنْظُرْ هَلْ تُطْفِئُ إحْدَاهُمَا الاخْرَى، وَإِنَّمَا يُطْفِئُ الْخَيْرُ الشَّرَّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَفَاك مِنْ اللَّهِ نَصْرًا أَنْ تَرَى عَدُوَّك يَعْصِي اللَّهَ فِيك. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُعَادِي.

وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ: وَأُقْسِمُ لاَ أَجْزِيكَ بِالشَّرِّ مِثْلَهُ كَفَى بِاَلَّذِي جَازَيْتنِي لَك جَازِيَا وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لَئِيمَ الطَّبْعِ خَبِيثَ الاصْلِ قَدْ أَغْرَاهُ لُؤْمُ الطَّبْعِ عَلَى سُوءِ الاعْتِقَادِ، وَبَعَثَهُ خُبْثُ الاصْلِ عَلَى إتْيَانِ الْفَسَادِ، فَهُوَ لاَ يَسْتَقْبِحُ الشَّرَّ وَلاَ يَكُفَّ عَنْ الْمَكْرُوهِ. فَهَذِهِ الْحَالَةُ أَطَمُّ؛ لِأَنَّ الاضْرَارَ بِهَا أَعَمُّ، وَلاَ سَلاَمَةَ مِنْ مِثْلِهِ الا بِالْبُعْدِ وَالانْقِبَاضِ، وَلاَ خَلاَصَ مِنْهُ الا بِالصَّفْحِ وَالاعْرَاضِ، فَإِنَّهُ كَالسَّبُعِ الضَّارِي فِي سَوَارِحِ الْغَنَمِ وَكَالنَّارِ الْمُتَأَجِّجَةِ فِي يَابِسِ الْحَطَبِ لاَ يَقْرَبُهَا الا تَالِفٌ وَلاَ يَدْنُو مِنْهَا الا هَالِكٌ. رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {النَّاسُ كَشَجَرَةٍ ذَاتِ جَنًى وَيُوشِكُ أَنْ يَعُودُوا كَشَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ إنْ نَاقَدْتَهُمْ نَاقَدُوكَ، وَإِنْ هَرَبْتَ مِنْهُمْ طَلَبُوكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ الْمَخْرَجُ ؟ قَالَ: أَقْرِضْهُمْ مِنْ عَرْضِك لِيَوْمِ فَاقَتِك}. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: الْعَاقِلُ الْكَرِيمُ صَدِيقُ كُلِّ أَحَدٍ الا مَنْ ضَرَّهُ، وَالْجَاهِلُ اللَّئِيمُ عَدُوُّ كُلِّ أَحَدٍ الا مَنْ نَفَعَهُ. وَقَالَ: شَرُّ مَا فِي الْكَرِيمِ أَنْ يَمْنَعَك خَيْرَهُ، وَخَيْرُ مَا فِي اللَّئِيمِ أَنْ يَكُفَّ عَنْك شَرَّهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: أَعْدَاؤُك دَاؤُك وَفِي الْبُعْدِ عَنْهُمْ شِفَاؤُك.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: شَرَفُ الْكَرِيمِ تَغَافُلُهُ عَنْ اللَّئِيمِ. وَوَصَّى بَعْضُ الْحُكَمَاءِ ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إذَا سَلِمَ النَّاسُ مِنْك فَلاَ عَلَيْك أَنْ لاَ تَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا اجْتَمَعَتْ هَاتَانِ النِّعْمَتَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ نُفَيْلَةَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ فَالْخَيْرُ مُسْتَتْبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ صَدِيقًا قَدْ اسْتَحْدَثَ نَبْوَةً وَتَغَيُّرًا، أَوْ أَخًا قَدْ اسْتَجَدَّ جَفْوَةً وَتَنَكُّرًا، فَأَبْدَى صَفْحَةَ عُقُوقِهِ، وَاطَّرَحَ لاَزِمَ حُقُوقِهِ، وَعَدَلَ عَنْ بِرِّ الاخَاءِ إلَى جَفْوَةِ الاعْدَاءِ. فَهَذَا قَدْ يَعْرِضُ فِي الْمَوَدَّاتِ الْمُسْتَقِيمَةِ كَمَا تَعْرِضُ الامْرَاضُ فِي الاجْسَامِ السَّلِيمَةِ فَإِنْ عُولِجَتْ أَقْلَعَتْ، وَإِنْ أُهْمِلَتْ أَسْقَمَتْ ثُمَّ أَتْلَفَتْ.

وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: دَوَاءُ الْمَوَدَّةِ كَثْرَةُ التَّعَاهُدِ. وَقَالَ كُشَاجِمُ: أَقِلْ ذَا الْوُدِّ عَثَرْتَهُ وَقِفْهُ عَلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَهْ وَلاَ تُسْرِعْ بِمَعْتَبَةٍ إلَيْهِ فَقَدْ يَهْفُو وَنِيَّتُهُ سَلِيمَهْ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى أَنَّ مُتَارَكَةَ الاخْوَانِ إذَا نَفَرُوا أَصْلَحُ، وَاطِّرَاحَهُمْ إذَا فَسَدُوا أَوْلَى، كَأَعْضَاءِ الْجَسَدِ إذَا فَسَدَتْ كَانَ قَطْعُهَا أَسْلَمَ فَإِنْ شَحَّ بِهَا سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ، وَكَالثَّوْبِ إذَا خَلِقَ كَانَ اطِّرَاحُهُ بِالْجَدِيدِ لَهُ أَجْمَلَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: رَغْبَتُك فِيمَنْ يَزْهَدُ فِيك ذُلُّ نَفْسٍ، وَزُهْدُك فِيمَنْ يَرْغَبُ فِيك صِغَرُ هِمَّةٍ. وَقَدْ قَالَ بَزَرْجَمْهَرُ: مَنْ تَغَيَّرَ عَلَيْك فِي مَوَدَّتِهِ فَدَعْهُ حَيْثُ كَانَ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ. وَقَالَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُبْزُ أَرُزِّيٍّ: صِلْ مَنْ دَنَا وَتَنَاسَ مَنْ بَعُدَا لاَ تُكْرِهَنَّ عَلَى الْهَوَى أَحَدَا قَدْ أَكْثَرَتْ حَوَّاءُ إذْ وَلَدَتْ فَإِذَا جَفَا وَلَدٌ فَخُذْ وَلَدَا فَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ قَلَّ وَفَاؤُهُ، وَضَعُفَ إخَاؤُهُ، وَسَاءَتْ طَرَائِقُهُ، وَضَاقَتْ خَلاَئِقُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلُ الاحْتِمَالِ، وَلاَ صَبْرٌ عَلَى الادْلاَلِ، فَقَابَلَ عَلَى الْجَفْوَةِ، وَعَاقَبَ عَلَى الْهَفْوَةِ، وَاطَّرَحَ سَالِفَ الْحُقُوقِ، وَقَابَلَ الْعُقُوقَ بِالْعُقُوقِ، فَلاَ بِالْفَضْلِ أَخَذَ وَلاَ إلَى الْعَفْوِ أَخْلَدَ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ قَدْ تَطْغَى عَلَيْهِ فَتُرْدِيهِ، وَأَنَّ جِسْمَهُ قَدْ يَسْقَمُ عَلَيْهِ فَيُؤْلِمُهُ وَيُؤْذِيهِ، وَهُمَا أَخَصُّ بِهِ وَأَحْنَى عَلَيْهِ مِنْ صَدِيقٍ قَدْ تَمَيَّزَ بِذَاتِهِ، وَانْفَصَلَ بِأَدَوَاتِهِ فَيُرِيدُ مِنْ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ مَا لاَ يَجِدُهُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. هَذَا عَيْنُ الْمُحَالِ وَمَحْضُ الْجَهْلِ مَعَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ بَقِيَ فَرْدًا وَانْقَلَبَ الصَّدِيقُ فَصَارَ عَدُوًّا. وَعَدَاوَةُ مَنْ كَانَ صَدِيقًا أَعْظَمُ مِنْ عَدَاوَةِ مَنْ لَمْ يَزَلْ عَدُوًّا. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {أَوْصَانِي رَبِّي بِسَبْعٍ: الاخْلاَصُ فِي السِّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ وَأَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَأَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطْقِي ذِكْرًا وَنَظَرِي عِبْرَةً}.

وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لاَ تَتْرُكْ صَدِيقَك الاوَّلَ فَلاَ يَطْمَئِنَّ إلَيْك الثَّانِي، يَا بُنَيَّ اتَّخَذَ أَلْفَ صَدِيقٍ وَالالْفُ قَلِيلٌ وَلاَ تَتَّخِذْ عَدُوًّا وَاحِدًا وَالْوَاحِدُ كَثِيرٌ. وَقِيلَ لِلْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ: مَا تَقُولُ فِي الْعَفْوِ وَالْعُقُوبَةِ ؟ قَالَ: هُمَا بِمَنْزِلَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ فَتَمَسَّكْ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ. وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ: إذَا أَنْتَ لَمْ تَسْتَقْبِلْ الامْرَ لَمْ تَجِدْ بِكَفَّيْكَ فِي إدْبَارِهِ مُتَعَلِّقَا إذَا أَنْتَ لَمْ تَتْرُكْ أَخَاكَ وَزَلَّةً إذَا زَلَّهَا أَوْشَكْتُمَا أَنْ تَفَرَّقَا فَإِذَا كَانَ الامْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ فَمِنْ حُقُوقِ الصَّفْحِ الْكَشْفُ عَنْ سَبَبِ الْهَفْوَةِ لِيَعْرِفَ الدَّاءَ فَيُعَالِجَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الدَّاءَ لَمْ يَقِفْ عَلَى الدَّوَاءِ كَمَا قَدْ قَالَ الْمُتَنَبِّي: فَإِنَّ الْجُرْحَ يَنْفِرُ بَعْدَ حِينٍ إذَا كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى فَسَادِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلاَ يَخْلُو حَالُ السَّبَبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِمِلَلٍ أَوْ زَلَلٍ. فَإِنْ كَانَ لِمِلَلٍ فَمَوَدَّاتُ الْمَلُولِ ظِلُّ الْغَمَامِ وَحُلْمُ النِّيَامِ. وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: لاَ تَأْمَنَنَّ لِمَلُولٍ، وَإِنْ تَحَلَّى بِالصِّلَةِ وَعِلاَجُهُ أَنْ يُتْرَكَ عَلَى مَلَلِهِ فَيَمَلَّ الْجَفَاءَ كَمَا مَلَّ الاخَاءَ. وَإِنْ كَانَ لِزَلَلٍ لُوحِظَتْ أَسْبَابُهُ فَإِنْ كَانَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي التَّأْوِيلِ وَشُبْهَةٌ تَئُولُ إلَى جَمِيلٍ حَمَلَهُ عَلَى أَجْمَلِ تَأْوِيلِهِ وَصَرَفَهُ إلَى أَحْسَنِ جِهَةٍ، كَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ صَدِيقَانِ لَهُ فَعَرَجَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا وَطَوَاهُ الاخَرُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ عَرَجَ عَلَيْنَا هَذَا بِفَضْلِهِ، وَطَوَانَا ذَاكَ بِثِقَتِهِ بِنَا.

وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الادَبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد الاصْفَهَانِيِّ: وَتَزْعُمُ لِلْوَاشِينَ أَنِّي فَاسِدٌ عَلَيْكَ وَأَنِّي لَسْتُ فِيمَا عَهِدْتَنِي وَمَا فَسَدَتْ لِي يَعْلَمُ اللَّهُ نِيَّةٌ عَلَيْكَ وَلَكِنْ خُنْتَنِي فَاتَّهَمْتَنِي غَدَرْتَ بِعَهْدِي عَامِدًا وَأَخَفْتَنِي فَخِفْتُ وَلَوْ آمَنْتَنِي لاَمِنْتَنِي. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِزَلَلِهِ فِي التَّأْوِيلِ مَدْخَلٌ نَظَرَ بَعْدَ زَلَلِهِ فَإِنْ ظَهَرَ نَدَمُهُ وَبَانَ خَجَلُهُ فَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالْخَجَلُ إنَابَةٌ، وَلاَ ذَنْبَ لِتَائِبٍ وَلاَ لَوْمَ عَلَى مُنِيبٍ، وَلاَ يُكَلَّفُ عُذْرًا عَمَّا سَلَفَ، فَيُلْجَأَ إلَى ذُلِّ التَّحْرِيفِ، أَوْ خَجَلِ التَّعْنِيفِ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إيَّاكُمْ وَالْمَعَاذِرَ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَفَاجِرُ}. وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: كَفَى بِمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ تُهْمَةً.

 

الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ :الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمُرُوءَة 1

الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ :الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمُرُوءَة 3

 


عدد المشاهدات *:
14681
عدد مرات التنزيل *:
73258
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 13/05/2007 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 13/05/2007

الكتب العلمية

روابط تنزيل : الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ :الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمُرُوءَة 2
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ :الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمُرُوءَة 2 لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية