اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

زواج

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني
المجلد الحادي عشر
كتاب الرقاق
باب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَاب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني
(11/371)

6519- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ"
6520- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَلاَ أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ بَلَى قَالَ تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ أَلاَ أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ قَالَ إِدَامُهُمْ بَالاَمٌ وَنُونٌ قَالُوا وَمَا هَذَا قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا"
6521- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ"
قوله: "باب يقبض الله الأرض يوم القيامة" لما ذكر ترجمة نفخ الصور أشار إلى ما وقع في سورة الزمر قبل آية النفخ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الآية وفي قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} ما قد يتمسك به أن قبض السماوات والأرض يقع بعد النفخ في الصور أو معه وسيأتي. قوله: "رواه نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم" سقط هذا التعليق هنا في رواية بعض شيوخ أبي ذر وقد وصله في كتاب التوحيد ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك ويونس هو ابن يزيد. قوله: "عن أبي سلمة" كذا قال يونس وخالفه عبد الرحمن بن خالد فقال: "عن الزهري عن سعيد بن المسيب" كما تقدم في تفسير سورة الزمر وهذا الاختلاف لم يتعرض له الدار قطني في "العلل". وقد أخرج ابن خزيمة في كتاب التوحيد الطريقين وقال: هما محفوظان عن الزهري وسأشبع القول فيه إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد مع شرح الحديث إن شاء الله تعالى وأقتصر هنا على ما يتعلق بتبديل الأرض لمناسبة الحال. قوله: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه" زاد في رواية ابن وهب عن يونس "يوم القيامة" قال عياض: هذا الحديث جاء في الصحيح على ثلاثة ألفاظ. القبض والطي والأخذ. وكلها بمعنى الجمع فإن السماوات مبسوطة والأرض مدحوة ممدودة ثم رجع ذلك إلى معنى الرفع والإزالة والتبديل فعاد ذلك إلى ضم بعضها إلى بعض وإبادتها فهو تمثيل لصفة قبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وتفرقها دلالة على المقبوض
(11/372)

والمبسوط لا على البسط والقبض قد يحتمل أن يكون إشارة إلى الاستيعاب انتهى. وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. وقد اختلف في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} هل المراد ذات الأرض وصفتها أو تبديل صفتها فقط وسيأتي بيانه في شرح ثالث أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى. قوله: "عن خالد" هو ابن يزيد وفي رواية شعيب بن الليث عن أبيه "حدثني خالد بن يزيد" والسند كله بصريون إلى سعيد ومنه إلى منتهاه مدنيون. قوله: "تكون الأرض يوم القيامة" يعني أرض الدنيا "خبزة" بضم الحاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح الزاي قال الخطابي: الخبزة الطلمة بضم المهملة وسكون اللام وهو عجين يوضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها قال والناس يسمونها الملة بفتح الميم وتشديد اللام وإنما الملة الحفرة نفسها. قوله: "يتكفؤها الجبار" بفتح المثناة والكاف وتشديد الفاء المفتوحة بعدها همزة أي يميلها من كفأت الإناء إذا قلبته وفي رواية مسلم: "يكفؤها" بسكون الكاف. قوله: "كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر" قال الخطابي: يعني خبز الملة الذي يصنعه المسافر فإنها لا تدحى كما تدحى الرقاقة وإنما تقلب على الأيدي حتى تستوي وهذا على أن السفر بفتح المهملة والفاء ورواه بعضهم بضم أوله جمع سفرة وهو الطعام الذي يتخذ للمسافر ومنه سميت السفرة. قوله: "نزلا لأهل الجنة" النزل بضم النون وبالزاي وقد تسكن. ما يقدم للضيف وللعسكر يطلق على الرزق وعلى الفضل ويقال أصلح للقوم نزلهم أي ما يصلح أن ينزلوا عليه من الغذاء وعلى ما يعجل للضيف قبل الطعام وهو اللائق هنا قال الداودي: المراد الله أنه يأكل منها من سيصير إلى الجنة من أهل المحشر لا أنهم لا يأكلونها حتى يدخلوا الجنة. قلت: وظاهر الخبر يخالفه وكأنه بنى على ما أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير قال: تكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. ومن طريق أبي معشر عن محمد بن كعب أو محمد ابن قيس نحوه وللبيهقي بسند ضعيف عن عكرمة تبدل الأرض مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب. وعن أبي جعفر الباقر نحوه. وسأذكر بقية ما يتعلق بذلك في الحديث الذي بعده. ونقل الطيبي عن البيضاوي أن هذا الحديث مشكل جدا لا من جهة إنكار صنع الله وقدرته على ما يشاء بل لعدم التوقيف على قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ثبت في الآثار أن هذه الأرض تصير يوم القيامة نارا وتنضم إلى جهنم فلعل الوجه فيه أن معنى قوله خبزة واحدة أي كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا وهو نظير ما في حديث سهل يعني المذكور بعده كقرصة النقى فضرب المثل بها لاستدارتها وبياضها فضرب المثل في هذا الحديث بخبزة تشبه الأرض في معنيين: أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ والآخر بيان الخبزة التي يهيئها الله تعالى نزلا لأهل الجنة وبيان عظم مقدارها ابتداعا واختراعا. قال الطيبي: وإنما دخل عليه الإشكال لأنه رأى الحديثين في باب الحشر فظن أنهما لشيء واحد. وليس كذلك وإنما هذا الحديث من باب وحديث سهل من باب وأيضا فالتشبيه لا يستلزم المشاركة بين المشبه والمشبه به في جميع الأوصاف بل يكفي حصوله في البعض وتقريره أنه شبه أرض الحشر بالخبزة في الاستواء والبياض وشبه أرض الجنة في كونها نزلا لأهلها ومهيأة لهم تكرمة بعجالة الراكب زاده يقنع به في سفره. قلت: آخر كلامه يقرر ما قال القاضي أن كون أرض الدنيا تصير نارا محمول على حقيقته وأن كونها تصير خبزة يأكل منها أهل الموقف محمول على المجاز والآثار التي أوردتها عن سعيد بن جبير وغيره ترد عليه والأولى الحمل على الحقيقة مهما أمكن
(11/373)

وقدرة الله تعالى صالحة لذلك بل اعتقاد كونه حقيقة أبلغ وكون أهل الدنيا1 ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف بل يقلب الله لهم بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله بغير علاج ولا كلفة ويكون معنى قوله: "نزلا لأهل الجنة" أي الذين يصيرون إلى الجنة أعم من كون ذلك يقع بعد الدخول إليها أو قبله والله أعلم. قوله: "فأتى رجل" في رواية الكشميهني: "فأتاه". قوله: "من اليهود" لم أقف على اسمه. قوله: "فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك" يريد أنه أعجبه إخبار اليهودي عن كتابهم بنظير ما أخبر به من جهة الوحي وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فكيف بموافقتهم فيما أنزل عليه. قوله: "حتى بدت نواجذه" بالنون والجيم والذال المعجمة جمع ناجذ وهو آخر الأضراس ولكل إنسان أربع نواجذ. وتطلق النواجذ أيضا على الأنياب والأضراس. قوله: "ثم قال" في رواية الكشميهني: "فقال". قوله: "ألا أخبرك" في رواية مسلم: "ألا أخبركم". قوله: "بإدامهم" أي ما يؤكل به الخبز. قوله: "بالام" بفتح الموحدة بغير همز و قوله: "ونون" أي بلفظ أول السورة. قوله: "قالوا" أي الصحابة وفي رواية مسلم: "فقالوا" قوله: "ما هذا" في رواية الكشميهني: "وما هذا" بزيادة واو. قوله: "قال ثور ونون" قال الخطابي هكذا رووه لنا وتأملت النسخ المسموعة من البخاري من طريق حماد ابن شاكر وإبراهيم بن معقل والفربري فإذا كلها على نحو واحد. قلت: وكذا عند مسلم وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره قال الخطابي: فأما نون فهو الحوت على ما فسر في الحديث وأما بالام فدل التفسير من اليهودي على أنه اسم للثور وهو لفظ مبهم لم ينتظم ولا يصح أن يكون على التفرقة اسما لشيء فيشبه أن يكون اليهودي أراد أن يعمى الاسم فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين وإنما هو في حق الهجاء لام ياء هجاء لأي بوزن لعى وهو الثور الوحشي وجمعه آلاء بثلاث همزات وزن أحبال فصحفوه فقالوا بالام بالموحدة وإنما هو بالياء آخر الحروف وكتبوه بالهجاء فأشكل الأمر. هذا أقرب ما يقع لي فيه إلا أن يكون إنما عبر عنه بلسانه ويكون ذلك بلسانهم وأكثر العبرانية فيما يقوله أهل المعرفة مقلوب على لسان العرب بتقديم في الحروف وتأخير والله أعلم بصحته. وقال عياض: أورد الحميدي في اختصاره يعني الجمع بين الصحيحين هذا الحديث بلفظ باللأي بكسر الموحدة وألف وصل ولام ثقيلة بعدها همزة مفتوحة خفيفة بوزن الرحى واللأي الثور الوحشي قال: ولم أر أحدا رواه كذلك فلعله من إصلاحه وإذا كان هكذا بقيت الميم زائدة إلا أن يدعي أنها حرفت عن الياء المقصورة قال: وكل هذا غير مسلم لما فيه من التكلف والتعسف قال: وأولى ما يقال في هذا أن تبقى الكلمة على ما وقع لي الرواية ويحمل على أنها عبرانية ولذلك سأل الصحابة اليهودي عن تفسيرها ولو كان اللأي لعرفوها لأنها من لسانهم. وجزم النووي بهذا فقال: هي لفظة عبرانية معناها ثور. قوله: "يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا" قال عياض زيادة الكبد وزائدتها هي القطعة المنفردة المتعلقة بها وهي أطيبه ولهذا خص بأكلها السبعون ألفا ولعلهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب فضلوا بأطيب النزل ويحتمل أن يكون عبر بالسبعين عن العدد الكثير ولم يرد الحصر فيها وقد تقدم في أبواب الهجرة قبيل المغازي في مسائل عبد الله بن سلام أن أول طعام يأكله أهل الجنة له زيادة كبد الحوت وأن عند مسلم في حديث ثوبان "تحفة أهل الجنة زيادة
ـــــــ
1 بياض بالأصل.
(11/374)

كبد النون" وفيه: "غذاؤهم على أثرها أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" وفيه: "وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا" وأخرج ابن المبارك في "الزهد" بسند حسن عن كعب الأحبار: أن الله تعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا وإني أجزركم اليوم حوتا وثورا فيجزر لأهل الجنة". قوله: "محمد بن جعفر" أي ابن أبي كثير وأبو حازم هو سلمة بن دينار. قوله: "يحشر الناس" بضم أوله. فوله "أرض عفراء" قال الخطابي العفر بياض ليس بالناصع وقال عياض: العفر بياض يضرب إلى حمرة قليلا ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها. وقال ابن فارس: معنى عفراء خالصة البياض. وقال الداودي: شديدة البياض. كذا قال والأول هو المعتمد. قوله: "كقرصة النقي" بفتح النون كسر القاف أي الدقيق النقي من الغش والنخال قاله الخطابي. قوله: "قال سهل أو غيره ليس فيها معلم لأحد" هو موصول بالسند المذكور وسهل هو راوي الخبر وأو للشك والغير المبهم لم أقف على تسميته. ووقع هذا الكلام الأخير لمسلم من طريق خالد بن مخلد عن محمد ابن جعفر مدرجا بالحديث ولفظه: "ليس فيها علم لأحد" ومثله لسعيد بن منصور عن ابن أبي حازم عن أبيه والعلم والمعلم بمعنى واحد قال الخطابي: يريد أنها مستوية. والمعلم بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة هو الشيء الذي يستدل به على الطريق. وقال عياض: المراد أنها ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في الطرقات كالجبل والصخرة البارزة. وفيه تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها. وقال الداودي: المراد أنه لا يحوز أحد منها شيئا إلا ما أدرك منها. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: فيه دليل على عظيم القدرة والإعلام بجزئيات يوم القيامة ليكون السامع على بصيرة فيخلص نفسه من ذلك الهول لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضة النفس وحملها على ما فيه خلاصها بخلاف مجيء الأمر بغتة وفيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدا والحكمة في الصفة المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرا عن عمل المعصية والظلم وليكون تجليه سبحانه على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده فناسب أن يكون المحل خالصا له وحده. انتهى ملخصا. وفيه إشارة إلى أن أرض الدنيا اضمحلت وأعدمت وأن أرض الموقف تجددت. وقد وقع للسلف في ذلك خلاف في المراد بقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} هل معنى تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها أو تغيير صفاتها فقط وحديث الباب يؤيد الأول. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} الآية قال: تبدل الأرض أرضا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف؛ وأخرجه البيهقي من وجه آخر مرفوعا وقال: الموقوف أصح وأخرجه الطبري والحاكم من طريق عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود بلفظ: أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة ورجاله موثقون أيضا ولأحمد من حديث أبي أيوب: أرض كالفضة البيضاء قيل فأين الخلق يومئذ؟ قال: هم أضياف الله لن يعجزهم ما لديه. وللطبري من طريق سنان بن سعد عن أنس مرفوعا: يبدلها الله بأرض من فضة لم يعمل عليها الخطايا. وعن علي موقوفا نحوه. ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: أرض كأنها فضة والسماوات كذلك. وعن علي والسماوات من ذهب. وعند عبد من طريق الحكم بن أبان عن
(11/375)

عكرمة قال: بلغنا أن هذه الأرض يعني أرض الدنيا تطوى وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها. وفي حديث الصور الطويل: تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى ما كان في بطنها كان في بطنها وما كان على ظهرها كان عليها انتهى. وهذا يؤخذ منه أن ذلك يقع عقب نفخة الصعق بعد الحشر الأول ويؤيده قوله تعالى: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} . وأما من ذهب إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض دون ذاتها فمستنده ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الخلائق. ومن حديث جابر رفعه تمد الأرض مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على الزهري في صحابيه. ووقع في تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} قال: يزاد فيها وينقص منها ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم العكاظي وعزاه الثعلبي في تفسيره لرواية أبي هريرة وحكاه البيهقي عن أبي منصور الأزهري وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول الأول فيمكن الجمع بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها ويؤيده ما وقع في الحديث الذي قبله أن أرض الدنيا تصير خبزة والحكمة في ذلك ما تقدم أنها تعد لأكل المؤمنين منها في زمان الموقف ثم تصير نزلا لأهل الجنة وأما ما أخرجه الطبري من طريق المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود قال: الأرض كلها تأتي يوم القيامة فالذي قبله عن ابن مسعود أصح سندا ولعل المراد بالأرض في هذه الرواية أرض البحر فقد أخرج الطبري أيضا من طريق كعب الأحبار قال: يصير مكان البحر نارا وفي تفسير للربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب: تصير السماوات جفانا ويصير مكان البحر نارا وأخرج البيهقي في "البعث" من هذا الوجه في قوله تعالى: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} قال: يصيران غبرة في وجوه الكفار. قلت: ويمكن الجمع بأن بعضها يصير نارا وبعضها غبارا وبعضها يصير خبزة وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} أين يكون الناس حينئذ؟ قال: "على الصراط" وفي رواية الترمذي "على جسر جهنم" ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة "على متن جهنم" وأخرج مسلم أيضا من حديث ثوبان مرفوعا: "يكونون في الظلمة دون الجسر" فقد جمع بينها البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط كما سيأتي بيانه في ترجمة مستقلة وأن في قوله على الصراط مجازا لكونهم يجاوزونه لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها وكان ذلك عند الزجرة التي تقع عند نقلهم من أرض الدنيا إلى أرض الموقف ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} واختلف في السماوات أيضا فتقدم قول من قال إنها تصير جفانا وقيل إنها إذا طويت تكور شمسها وقمرها وسائر نجومها وتصير تارة كالمهل وتارة كالدهان وأخرج البيهقي في "البعث" من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: السماء تكون ألوانا كالمهل وكالدهان وواهية وتشقق فتكون حالا بعد حال وجمع بعضهم بأنها تنشق أولا فتصير كالوردة وكالدهان وواهية وكالمهل وتكور الشمس والقمر وسائر النجوم ثم تطوى السماوات وتضاف إلى الجنان ونقل القرطبي في "التذكرة" عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب "الإفصاح" أنه جمع بين هذه الأخبار بأن تبديل السماوات والأرض يقع مرتين إحداهما تبدل
(11/376)

صفاتهما فقط وذلك عند النفخة الأولى فتنثر الكواكب وتخسف الشمس والقمر وتصير السماء كالمهمل وتكشط عن الرءوس وتسير الجبال وتموج الأرض وتنشق إلى أن تصير الهيئة غير الهيئة ثم بين النفختين تطوى السماء والأرض وتبدل السماء والأرض إلى آخر كلامه في ذلك والعلم عند الله تعالى.
(11/377)

باب الحشر
...
بعض "وللنسائي والحاكم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة "قلت: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ قال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} وللترمذي والحاكم من طريق عثمان بن عبد الرحمن القرظي "قرأت عائشة {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فقالت: واسوأتاه الرجال والنساء يحشرون جميعا ينطر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال: لكل امرئ الآية وزاد: لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض" ولابن أبي الدنيا من حديث أنس قال: "سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الناس؟ قال: "حفاة عراة" . قالت: واسوأتاه قال قد نزلت على آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا: لكل امرئ الآية" وفي حديث سودة عند البيهقي والطبراني نحوه أخرجاه من طريق أبي أويس عن محمد بن أبي عياش عن عطاه بن يسار عنها وأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط من رواية عبد الجبار بن سليمان عن محمد بهذا الإسناد فقال: "عن أم سلمة" بدل سودة. قوله: "حدثنا غندر" هو محمد بن جعفر وقع كذلك في رواية مسلم عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار شيخ البخاري فيه كلاهما عنه. قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن عمرو بن ميمون" صرح يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق بسماعه من عمرو بن ميمون وسيأتي في الأيمان والنذور. قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود ووقع في رواية يوسف المذكورة "حدثني عبد الله بن مسعود". قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم" زاد مسلم عن محمد بن المثنى "نحوا من أربعين رجلا" وفي رواية يوسف المذكورة "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مضيف ظهره إلى قبة من آدم يماني" ولمسلم من رواية مالك ابن مغول عن أبي إسحاق "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسند ظهره إلى قبة من أدم" وللإسماعيلي من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق "أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بمنى إلى قبة من أدم". قوله: "أترضون" في رواية يوسف "إذ قال لأصحابه ألا ترضون" وفي رواية إسرائيل "أليس ترضون" وفي رواية مالك بن مغول "أتحبون" قال ابن التين: ذكره بلفظ الاستفهام لإرادة تقرير البشارة بذلك وذكره بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم. قوله: "قلنا نعم" في رواية يوسف "قالوا بلى" ولمسلم من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق "فكبرنا في الموضعين" ومثله في حديث أبي سعيد الآتي في الباب الذي يليه وزاد: "فحمدنا" وفي حديث ابن عباس "ففرحوا" وفي ذلك كله دلالة على أنهم استبشروا بما بشرهم به فحمدوا الله على نعمته العظمى وكبروه استعظاما لنعمته بعد استعظامهم لنقمته. قوله: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" في رواية أبي الأحوص وإسرائيل "فقال والذي نفس محمد بيده" وقال: "نصف" بدل "شطر" وفي حديث أبي سعيد "إني لأطمع" بدل "لأرجو" ووقع لهذا الحديث سبب يأتي التنبيه عليه عند شرح حديث أبي سعيد وزاد الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في نحو حديث أبي سعيد "وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة" ولا تصح هذه الزيادة لأن الكلبي واه ولكن أخرج أحمد وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة قال: "لما نزلت {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} شق ذلك على الصحابة فنزلت {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني" وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "أنتم ربع أهل الجنة أنتم ثلث أهل الجنة أنتم نصف أهل الجنة أنتم ثلثا أهل الجنة" وأخرج الخطيب في "المبهمات" من مرسل مجاهد نحو حديث الكلبي وفيه مع إرساله أبو حذيفة إسحاق بن بشر أحد
(11/287)

باب قوله عزوجل { إن زلزلة الساعة شيء عظيم }
...



عدد المشاهدات *:
13277
عدد مرات التنزيل *:
264393
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 07/11/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 07/11/2013

فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني

روابط تنزيل : بَاب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  بَاب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  بَاب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
فتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني