شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمهم الله تعالى
المجلد الثالث
ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة
باب بر الوالدين وصلة الأرحام
7/318 ـ وعنه رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلى ، وأحلم عنهم ويجهلون على فقال : (( لئن كنت كما قلت ، فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك )) رواه مسلم (139) .
(( وتسفهم )) بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء ، (( والمل )) بفتح الميم ، وتشديد اللام وهو الرماد الحار : أي كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الآلم ، ولا شيء على هذا المحسن إليهم ، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه ، وإدخالهم الأذى عليه والله أعلم .
8/319 ـ وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره ؛ فليصل رحمه )) متفق عليه (140) .
ومعنى (( ينسأ له في أثره )) : أي يؤخر له في أجله وعمره .
9/320 ـ وعنه قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ، ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت هذه الآية : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران:92 ] ، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الله تبارك وتعالى يقول : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) وإن أحب مالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله تعالى ، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى ، فضعها يا رسول الله ، حيث أراك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ! وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الآقربين )) فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه . متفق عليه(141) .
وسبق بيان ألفاظه في باب الإنفاق مما يحب .
10/321 ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى . قال : (( فهل لك من والديك أحد حي ؟ )) قال : نعم بل كلاهما قال : (( فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ )) قال : نعم . قال : (( فارجع إلى والديك ، فأحسن صحبتهما )) متفق عليه (142) ، وهذا لفظ مسلم .
وفي رواية لهما : جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: (( أحي والداك ؟ قال : نعم قال،:(( ففيهما جاهد ))(143)
11/322 ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمة وصلها )) رواه البخاري (144) .
و (( قطعت )) بفتح القاف والطاء . و (( رحمة )) مرفوع .
12/ 323 ـ وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني : وصله الله ، ومن قطعني ؛ قطعه الله )) متفق عليه (145) .
شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمهم الله تعالى
هذه الأحاديث في بيان فضيلة صلة الرحم ، وأن الإنسان الواصل ليس المكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم ، ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها ، فتكون صلته لله لا مكافأة لعباد الله ، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحاً عن الناس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((ليس الواصل بالمكافئ )) يعني بالذي إذا وصله أقاربه وصلهم مكافأة لهم ، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها .
وكذلك أيضاً في هذه الأحاديث أن الرحم متعلقة بالعرش ، تقول : (( من وصلني ؛ وصله الله ومن قطعني ؛ قطعه الله )) ، وهذا يحتمل أن يكون خبراً وأن يكون دعاءً ، يعني يحتمل أن الرحم تخبر بهذا أو تدعو الله عز وجل به ، وعلى كل حال فهو دليل على عظم شأن الرحم وصلتها ، وأنها تحت العرش تدعو بهذا الدعاء ، أو تخبر بهذا الخبر .
ثم ذكر المؤلف حديث الرجل الذي كان يحسن إلى قرابته فيسيئون إليه ، ويصلهم فيقطعونه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن كنت )) : يعني كما تقول (( فكأنما تسفهم الملَ )) ، والملّ: هو الرماد الحار ، وتسفهم : يعني تجعله في أفواههم ، والمعنى : أنك كأنما ترغمهم بهذا الرماد الحار عقوبة لهم ، ولا يزال لك من الله عليهم ظهير ، يعني عون عليهم مادمت على ذلك ، أي تصلهم وهم يقطعونك .
فكل هذه الأحاديث وما شابهها تدل على أنه يجب على الإنسان أن يصل رحمه وأقاربه بقدر ما يستطيع ، وبقدر ما جرى به العرف ، ويحذر من قطيعة الرحم .
(139) رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ، رقم 0 2558 ) .
(140) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم ، رقم (5986 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ، رقم ( 2557 ) .
(141) رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب الزكاة على الأقارب ، رقم ( 1461 ) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب إثم مانع الزكاة ، رقم (988) .
(142) رواه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد بإذن الأبوين ، رقم ( 3004 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب الوالدين . . . ، رقم ( 2549 ) [ 6 ] .
(143) رواه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد بإذن الأبوين ، رقم ( 3004 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب بر الوالدين وأنهما أحق به ، رقم (2549) [5 ] .
(144) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب ليس الواصل بالمكافئ ، رقم ( 5991 ) .
(145) رواه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من وصل وصله الله ، رقم ( 5989 ) ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ، رقم ( 2555 ) .
عدد المشاهدات *:
813439
عدد مرات التنزيل *:
248210
حجم الخط :
* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 21 ماي 2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة
- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 19/04/2015
شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمهم الله تعالى
روابط تنزيل : 7/318 ـ وعنه رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلى ، وأحلم عنهم ويجهلون على فقال : (( لئن كنت كما قلت ، فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك )) رواه مسلم (139) .
(( وتسفهم )) بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء ، (( والمل )) بفتح الميم ، وتشديد اللام وهو الرماد الحار : أي كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الآلم ، ولا شيء على هذا المحسن إليهم ، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه ، وإدخالهم الأذى عليه والله أعلم .
8/319 ـ وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره ؛ فليصل رحمه )) متفق عليه (140) .
ومعنى (( ينسأ له في أثره )) : أي يؤخر له في أجله وعمره .
9/320 ـ وعنه قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ، ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت هذه الآية : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران:92 ] ، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الله تبارك وتعالى يقول : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) وإن أحب مالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله تعالى ، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى ، فضعها يا رسول الله ، حيث أراك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ! وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الآقربين )) فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه . متفق عليه(141) .
وسبق بيان ألفاظه في باب الإنفاق مما يحب .
10/321 ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى . قال : (( فهل لك من والديك أحد حي ؟ )) قال : نعم بل كلاهما قال : (( فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ )) قال : نعم . قال : (( فارجع إلى والديك ، فأحسن صحبتهما )) متفق عليه (142) ، وهذا لفظ مسلم .
وفي رواية لهما : جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: (( أحي والداك ؟ قال : نعم قال،:(( ففيهما جاهد ))(143)
11/322 ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمة وصلها )) رواه البخاري (144) .
و (( قطعت )) بفتح القاف والطاء . و (( رحمة )) مرفوع .
12/ 323 ـ وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني : وصله الله ، ومن قطعني ؛ قطعه الله )) متفق عليه (145) .