اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم
يوم الأربعاء 6 ربيع الأول 1440 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

الدعاء

لحظة من فضلك


اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم

المواد المختارة


بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
الجزء الثاني
توحيد الربوبية
فصل‏: الأصول التي يعتمدها الاتحادية
فصـل‏: ‏زعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية أن فرعون كان مؤمنا
مجموع فتاوى ابن تيمية
/ فصـل‏:‏
وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية ـ الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته ـ أن فرعون كان مؤمنا، وأنه لا يدخل النار، وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على عذابه، بل فيه ما ينفيه، كقوله‏:‏ ‏{‏أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏46‏]‏، قالوا‏:‏ فإنما أدخل آله دونه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏98‏]‏، قالوا‏:‏ إنما أوردهم ولم يدخلها، قالوا‏:‏ ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، ووضع جبريل الطين في فمه لا يرد إيمان قلبه‏.‏
وهذا القول كفر معلوم فساده بالاضطرار من دين الإسلام، لم يسبق ابن عربي إليه ـ فيما أعلم ـ أحد من أهل القبلة، بل ولا من اليهود، ولا من النصارى، بل جميع أهل الملل مطبقون على كفر فرعون‏.‏
فهذا عند الخاصة والعامة أبين من أن يستدل عليه بدليل، فإنه لم يكفر أحد بالله، ويدعى لنفسه الربوبية والإلهية مثل فرعون‏.‏
ولهذا ثنى الله قصته في القرآن في مواضع، فإن القصص إنما هي أمثال/ مضروبة للدلالة على الإيمان، وليس في الكفار أعظم من كفره، والقرآن قد دل على كفره وعذابه في الآخرة في مواضع‏:‏
أحدها‏:‏ قوله تعالى في القصص‏:‏ ‏{‏ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏32‏:‏ 42‏]‏‏.‏
فأخبر ـ سبحانه ـ أنه أرسله إلى فرعون وقومه، وأخبر أنهم كانوا قومًا فاسقين، وأخبر أنهم‏:‏ قالوا‏:‏ ‏{‏مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏، وأخبر أن فرعون قال‏:‏ ‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 38‏]‏، وأنه أمر باتخاذ الصرح ليطلع إلى إله موسى، وأنه يظنه كاذبا، وأخبر أنه استكبر فرعون وجنوده، وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله، وأنه أخذ فرعون وجنوده فنبذهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وأنه جعلهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأنه أتبعهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين‏.‏
فهذا نص في أن فرعون من الفاسقين المكذبين لموسى، الظالمين الداعين إلى النار، الملعونين في الدنيا بعد غرقهم، المقبوحين في الدار الآخرة‏.‏ وهذا نص في أن فرعون بعد غرقه ملعون، وهو في الآخرة مقبوح غير منصور، وهذا إخبارعن غاية العذاب، وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عليها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏45، 46‏]‏، وهذا إخبار عن فرعون وقومه، أنه حاق بهم سوء العذاب في البرزخ، وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب، وهذه الآية إحدى ما استدل به العلماء على عذاب البرزخ‏.‏
وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال لما سمعوا آل فرعون، فظنوا أن فرعون خارج منهم، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل فرعون داخل في آل فرعون بلا نزاع بين أهل العلم بالقرآن واللغة، يتبين ذلك بوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن لفظ آل فلان في الكتاب والسنة يدخل فيها ذلك الشخص، مثل قوله في الملائكة الذين ضافوا إبراهيم‏:‏ ‏{‏إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَالَ‏}‏ يعني لوطا‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏58، 62‏]‏، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عليهمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 34‏]‏ ثم قال بعد ذلك‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 41، 42‏]‏‏.‏
ومعلوم أن لوطا داخل في آل لوط في هذه المواضع، وكذلك فرعون داخل في آل فرعون المكذبين المأخوذين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قولوا‏:‏ اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلىت على آل إبراهيم‏)‏، / وكذلك قوله‏:‏ ‏(‏كما باركت على آل إبراهيم فإبراهيم داخل في ذلك، وكذلك قوله للحسن‏:‏ ‏(‏إن الصدقة لا تحل لآل محمد‏)‏‏.‏
وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى قال‏:‏ كان القوم إذا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة يصلي عليهم، فأتى أبي بصدقة فقال‏:‏ ‏(‏اللهم صل على آل أبي أوفى‏)‏، وأبو أوفى هو صاحب الصدقة‏.‏
ونظير هذا الاسم أهل البيت، فإن الرجل يدخل في أهل بيته، كقول الملائكة، ‏{‏رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عليكم أَهْلَ الْبَيْتِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏73‏]‏، وقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏سلمان منا أهل البيت‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 33‏]‏، وذلك لأن آل الرجل من يؤول إليه، ونفسه ممن يؤول إليه، وأهل بيته هم من يأهله، وهو ممن يأهل أهل بيته‏.‏
فقد تبين أن الآية، التي ظنوا أنها حجة لهم، هي حجة عليهم، في تعذيب فرعون مع سائر آل فرعون في البرزخ، وفي يوم القيامة، ويبين ذلك‏:‏ أن الخطاب في القصة كلها إخبار عن فرعون وقومه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعلى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عليها غُدُوًّا وَعَشِيًّا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 32‏:‏ 48‏]‏‏.‏
فأخبر عقب قوله‏:‏ ‏{‏أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ‏}‏ عن محاجتهم في النار، وقول الضعفاء للذين استكبروا، وقول المستكبرين للضعفاء‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُلٌّ فِيهَا‏}‏ ومعلوم أن فرعون هو رأس المستكبرين، وهو الذي استخف قومه فأطاعوه، ولم يستكبر أحد استكبار فرعون، فهو أحق بهذا النعت والحكم من جميع قومه‏.‏
الموضع الثاني ـ وهو حجة عليهم لا لهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏97‏:‏ 99‏]‏، فأخبر أنه يقدم قومه ولم يقل‏:‏ يسوقهم، وأنه أوردهم النار‏.‏ ومعلوم أن المتقدم إذا أورد المتأخرىن النار، كان هو أول من يردها، وإلا لم يكن قادما، بل كان سائقا، يوضح ذلك أنه قال‏:‏ ‏{‏وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏99‏]‏، فعلم أنه وهم يردون النار، وأنهم جميعا ملعونون في الدنيا والآخرة‏.‏
وما أخلق المحاج عن فرعون أن يكون بهذه المثابة فإن المرء مع من أحب ‏{‏وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أولىاء بَعْضٍ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏73‏]‏، وأيضا‏:‏ فقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 98‏]‏، يقول‏:‏ هلا آمن قوم فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس ‏؟‏
/ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 82‏:‏ 85‏]‏، فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل، أنهم آمنوا عند رؤية البأس، وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ، وأن هذه سنة الله الخالية في عباده‏.‏
وهذا مطابق لما ذكره الله في قوله لفرعون‏:‏ ‏{‏آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 91‏]‏، فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار أي‏:‏ الآن تؤمن وقد عصيت قبل‏؟‏ فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعًا أو مقبولا فمن قال‏:‏ إنه نافع مقبول فقد خالف نص القرآن، وخالف سنة الله التي قد خلت في عباده‏.‏
يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولا، لدفع عنه العذاب كما دفع عن قوم يونس، فإنهم لما قبل إيمانهم متعوا إلى حين، فإن الإغراق هو عذاب على كفره، فإذا لم يكن كافرًا لم يستحق عذابًا‏.‏
وقوله بعد هذا‏:‏ ‏{‏فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏92‏]‏ يوجب أن يعتبر من خلفه، ولو كان إنما مات مؤمنا لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه وإغراقه، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ابن مسعود بقتل أبي جهل قال‏:‏ ‏(‏هذا فرعون هذه الأمة‏)‏، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى‏.‏
/ فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر، فكيف يكون قد مات مؤمنا‏؟‏ ومعلوم أن من مات مؤمنا‏:‏ لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبي حاتم، عن عوف بن مالك، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة‏:‏ ‏(‏يأتي مع قارون، وفرعون وهامان، وأبي بن خلف‏)‏‏.‏
/ سئل الشيخ الإمام الرباني شيخ الإسلام ـ بحـر العلوم إمام الأئمة ناصر السنة، علامة الورى، وارث الأنبياء ـ أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية عن كلمات وجدت بخط من يوثق به، ذكرها عنه جماعة من الناس، فيهم من انتسب إلى الدين‏.‏
فمن ذلك‏:‏قال بعض السلف‏:‏إن الله لطف ذاته فسماها حقا، وكثـفها فسماها خلقا‏.‏
وقال الشيخ نجم الدين بن إسرائيل‏:‏ إن الله ظهر في الأشياء حقيقة، واحتجب بها مجازًا، فمن كان من أهل الحق والجمع، شهدها مظاهر ومجالى، ومن كان من أهل المجاز والفرق، شهدها ستورًا وحجبًا‏.‏ قال‏:‏ وقال في قصيدة له‏:‏
لقد حق لي رفض الوجود وأهله ** وقد علقت كفاي جمعا بموجدي
/ ثم بعد مدة غير البيت بقوله‏:‏
لقد حق لي عشق الوجود وأهله
فسألته عن ذلك فقال‏:‏ مقام البداية أن يرى الأكوان حجبًا فيرفضها، ثم يراها مظاهر ومجالى فيحق له العشق لها، كما قال بعضهم‏:‏
أقبل أرضًا سار فيها جِمالها ** فكيف بدار دار فيها جَمالها
قال‏:‏ وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبي نواس‏:‏
رق الزجاج وراقت الخمر ** وتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمـر ولا قــدح ** وكأنما قدح ولا خمر
لبس صورة العالم، فظاهره خلقه، وباطنه حقه‏.‏
وقال بعض السلف‏:‏ عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى، الله فقط والكثرة وهم‏.‏
قال الشيخ قطب الدين ابن سبعين‏:‏ رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك‏.‏ الله فقط والكثرة وهم‏.‏
وقال الشيخ محيى الدين ابن عربي‏:‏
يا صورة أُنس سرها معنائي ** ما خلقك للأمر تـرى لولائي
شئناك فأنشأناك خلقا بشرا ** لتشهدنا فـي أكمـل الأشيـاء
/ وفيه‏:‏ طلب بعض أولاد المشايخ من والده الحج، فقال له الشيخ‏:‏ يا بني، طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين‏.‏
قال‏:‏ وقيل عن رابعة العدوية‏:‏ إنها حجت فقالت‏:‏ هذا الصنم المعبود في الأرض، والله ما ولجه الله ولا خلا منه‏.‏
وفيه للحلاج‏:‏
سبحان من أظهر ناسوته ** سـر سنا لاهوتــه الثاقـب
ثـم بـدا مستـترا ظاهـرا ** في صورة الآكل والشارب
قال‏:‏ وله‏:‏
عقد الخلائق في الإله عقائدا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
وله أيضا‏:‏
بيني وبينك إنيٌّ تزاحمني ** فارفع بحقك إنيي من البين
قال‏:‏ وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول‏:‏ وبهذه الإنيةِ التي طلب الحلاج رفعها تصرفت الأغيار في دمه، ولذلك قال السلف‏:‏ الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنيةُ بالمعنى فرفعت له صورة‏.‏
وفيه لمحيى الدين ابن عربي‏:‏
والله ما هي إلا حيرة ظهرت ** وبي حلفت وإن المقسم الله
وقال فيه‏:‏ المنقول عن عيسى ـ عليه السلام ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله ـ تبارك / وتعالى ـ اشتاق بأن يرى ذاته المقدسة، فخلق من نوره آدم ـ عليه السلام ـ وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها، وإني أنا ذلك النور، وآدم المرآة‏.‏ قال ابن الفارض في قصيدته السلوك‏:‏
وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى ** بغير مــراء في المــرآة الصقيلـــة
أغيــرك فيهــا لاح أم أنـت ناظـــر ** إليك بها عند انعكاس الأشعــة ‏؟‏
قال‏:‏ وقال ابن إسرائيل‏:‏ الأمر أمران‏:‏ أمر بواسطة، وأمر بغير واسطة، فالأمر الذي بالوسائط رده من شاء الله وقبله من شاء الله، والأمر الذي بغير واسطة لا يمكن رده، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 40‏]‏‏.‏
فقال له فقير‏:‏ إن الله قال لآدم بلا واسطة‏:‏ لا تقرب الشجرة، فقرب وأكل‏.‏ فقال‏:‏ صدقت، وذلك أن آدم إنسان كامل، ولذلك قال شيخنا على الحريري‏:‏ آدم صفي الله تعالى، كان توحيده ظاهرًا وباطنًا، فكان قوله لآدم‏:‏ ‏(‏لا تقرب الشجرة‏)‏ ظاهرًا، وكان أمره ‏[‏كل‏]‏ باطنا، فأكل فكذلك قوله تعالى‏.‏ وإبليس كان توحيده ظاهرًا، فأمر بالسجود لآدم، فرآه غيرًا فلم يسجد، فغير الله عليه وقال‏:‏ ‏{‏اخْرُجْ مِنْهَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏18‏]‏
وقال شخص لسيدي‏:‏ يا سيدي حسن، إذا كان الله يقول لنبيه‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 128‏]‏، إيش نكون نحن‏؟‏ فقال سيدي له‏:‏ ليس الأمر كما تقول أو تظن، فقوله له‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏ عين الإثبات للنبي/ صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏71‏]‏، ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏10‏]‏
وفيه لأوحد الدين الكرماني‏:‏
ما غبت عن القلب ولا عن عيني ** ما بينكم وبيننا من بين
وقال غيره‏:‏
لا تحسب بالصلاة والصوم تنال ** قربا ودنوا من جمال وجلال
فارق ظلم الطبع وكن متحدًا ** بالله وإلا كُلُّ دعواك محال
وغيره للحلاج‏:‏
إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ** وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
يشاهد حقًا حين يشهده الهــوى ** بـأن صـلاة العارفـين مـن الكفــر
وللشيخ نجم الدين ابن إسرائيل‏:‏
الكون يناديك ألا تسمعني ** من ألف أشتاتـي ومـن فرقنـي
انظـر لتراني منظرًا معتبرًا ** ما فيَّ سوى وجود من أوجدني
وله أيضا‏:‏
ذرات وجود الكون للحق شهود ** أن ليس لموجود سوى الحق وجود
والكـون وإن تكثـرت عــدتـه ** منـه وإلـى عـلاه يبـدو ويعــود
/ وله أيضا‏:‏
برئت إليك من قولي وفعلى ** ومن ذاتي بــراءة مستقيــل
وما أنا في طراز الكون شيء ** لأني مثل ظــل مستحيــل
وللعفيف التلمساني‏:‏
أحـن إليه وهو قلبي وهـل يـرى ** سواي أخو وجد يحن لقلبه‏؟‏
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري ** ومـا بُعده إلا لإفــراط قربـه
وقال بعض السلف‏:‏ التوحيد لا لسان له، والألسنة كلها لسانه‏.‏
ومن ذلك أيضا‏:‏ التوحيد لا يعرفه إلا الواحد، ولا تصح العبارة عن الواحد، وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغيره ومن أثبت غيرا فلا توحيد له‏.‏
قال‏:‏ وسمعت الشيخ محمد بن بشر النواوي يقول‏:‏ ورد سيدنا الشيخ على الحريري إلى جامع نوى، قال الشيخ محمد‏:‏ فجئت إليه، فقبلت الأرض بين يديه، وجلست، فقال‏:‏ يا بني، وقفت مع المحبة مدة فوجدتها غير المقصود، لأن المحبة لا تكون إلا من غير لغير، وغير ما ثم، ثم وقفت مع التوحيد مدة فوجدته كذلك، لأن التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب، ولو أنصف الناس ما رأوا عبدًا ولا معبودًا‏.‏
وفيه‏:‏ سمعت من الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل مما أسر إلى أنه سمع من/ شيخنا، الشيخ على الحريري، في العام الذي توفى فيه، قال‏:‏ يا نجم، رأيت لهاتي الفوقانية فوق السموات، وحنكي تحت الأرضين، ونطق لساني بلفظة لو سمعت مني ما وصل إلى الأرض من دمي قطرة‏.‏
فلما كان بعد ذلك بمدة، قال شخص في حضرة سيدي الشيخ حسن بن على الحريري‏:‏ يا سيدي حسن، ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله مثل فرعون ونمروذ وأمثالهما، فقال‏:‏ إن هذه المقالة لا يقولها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله، فقلت له‏:‏ صدقت، وذلك أنه قد سمعت جدك يقول‏:‏ رأيت كذا وكذا، فذكر ما ذكره الشيخ نجم الدين عن الشيخ‏.‏
وفيه قال بعض السلف‏:‏ من كان عين الحجاب على نفسه فلا حجاب ولا محجوب‏.


عدد المشاهدات *:
10091
عدد مرات التنزيل *:
291762
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : فصـل‏: ‏زعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية أن فرعون كان مؤمنا
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  فصـل‏: ‏زعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية أن فرعون كان مؤمنا
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فصـل‏: ‏زعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية أن فرعون كان مؤمنا لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية