اختر السورة


يوم الأحد 12 صفر 1440 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

أعوذ

لحظة من فضلك


اختر السورة


المواد المختارة


بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد التاسع
كتاب المنطق
تعريف المنطق‏
سُئل شيخ الإسلام‏ عن المنطق
مجموع فتاوى ابن تيمية

/بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده‏.‏
سُئل شيخ الإسلام‏:‏ أحمد بن تيمية ـ قدس الله روحه‏:‏
ما تقولون في ‏[‏المنطق‏]‏، وهل من قال‏:‏ إنه فرض كفاية، مصيب أم مخطئ‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد للّه، أما المنطق‏:‏ فمن قال‏:‏ إنه فرض كفاية، وأن من ليس له به خبرة فليس له ثقة بشىء من علومه، فهذا القول في غاية الفساد من وجوه / كثيرة التعداد، مشتمل على أمور فاسدة، ودعاوى باطلة كثيرة، لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها‏.‏
بل الواقع ـ قديمًا وحديثًا ـ‏:‏ أنك لا تجد من يلزم نفسه أن ينظر في علومه به، ويناظر به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة، كثير العجز عن تحقيق علمه وبيانه‏.‏
فأحسن ما يحمل عليه كلام المتكلم في هذا، أن يكون قد كان هو وأمثاله في غاية الجهالة والضلالة، وقد فقدوا أسباب الهدى كلها، فلم يجدوا ما يردهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من الأمور التي هي صحيحة، فإنه بسبب بعض ذلك رجع كثير من هؤلاء عن بعض باطلهم، وإن لم يحصل لهم حق ينفعهم، وإن وقعوا في باطل آخر‏.‏ ومع هذا، فلا يصح نسبة وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجه من الوجوه؛ إذ من هذه حاله فإنما أتى من نفسه بترك ما أمر اللّه به من الحق، حتى احتاج إلى الباطل‏.‏
ومن المعلوم أن القول بوجوبه قول غلاته وجهال أصحابه‏.‏ ونفس الحذاق منهم لا يلتزمون قوانينه في كل علومهم، بل يعرضون عنها‏.‏ إما لطولها، وإما لعدم فائدتها، وإما لفسادها، وإما لعدم تميزها وما فيها من الإجمال والاشتباه‏.‏ فإن فيه مواضع كثيرة هي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل‏.‏
/ولهذا مازال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله، وينهون عنه وعن أهله حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم، فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله، حتى إن من الحكايات المشهورة التى بلغتنا‏:‏ أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال‏:‏ أخذها منه أفضل من أخذ عكا، مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرًا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاما، وأمثلهم اعتقادًا‏.‏
ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة - سواء كانت حقا أو باطلًا، إيمانًا أو كفرًا ـ لا تعلم إلا بذكاء وفطنة، فكذلك أهله قد يستجهلون من لم يشركهم في علمهم، وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم، إذا كان فيه قصور في الذكاء والبيان، وهم كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ‏.‏ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ‏.‏ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ‏.‏ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ّ‏.‏ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ‏.‏ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ‏.‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ‏.‏ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 29-36‏]‏‏.‏
فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطريق القياسية فليس يعلم، وقد لا يحصل لكثير منهم من هذه الطريق القياسية ما يستفيد / به الإيمان الواجب، فيكون كافرا زنديقًا منافقًا جاهلًا ضالًا مضلا، ظلوما كفورا، ويكون من أكابر أعداء الرسل، الذين قال اللّه فيهم‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا‏.‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا‏.‏ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان ‏:‏ 31-33‏]‏‏.‏
وربما حصل لبعضهم إيمان، إما من هذه الطريق أو من غيرها‏.‏ ويحصل له ـ أيضا ـ منها نفاق، فيكون فيه إيمان ونفاق، ويكون في حال مؤمنًا وفي حال منافقا، ويكون مرتدًا، إما عن أصل الدين، أو عن بعض شرائعه، إما ردة نفاق، وإما ردة كفر‏.‏ وهذا كثير غالب، لاسيما في الأعصار والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق‏.‏
فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقام‏.‏
ولهذا لما تفطن كثير منهم لما في هذا النفي من الجهل والضلال، صاروا يقولون‏:‏ النفوس القدسية ـ كنفوس الأنبياء والأولياء ـ تفيض عليها المعارف بدون الطريق القياسية‏.‏
وهم متفقون جميعهم على أن من النفوس من تستغني عن وزن علومها / بالموازين الصناعية في المنطق، لكن قد يقولون‏:‏ هو حكيم بالطبع‏.‏
والقياس ينعقد في نفسه بدون تعلم هذه الصناعة، كما ينطق العربي بالعربية بدون النحو، وكما يقرض الشاعر الشعر بدون معرفة العروض‏.‏ لكن استغناء بعض الناس عن هذه الموازين لا يوجب استغناء الآخرين، فاستغناء كثير من النفوس عن هذه الصناعة لا ينازع فيه أحد منهم‏.‏
والكلام هنا‏:‏ هل تستغني النفوس في علومها بالكلية عن نفس القياس المذكور، ومواده المعينة‏؟‏ فالاستغناء عن جنس هذا القياس شيء، وعن الصناعة القانونية التي يوزن بها القياس شيء آخر، فإنهم يزعمون أنه آلة قانونية تمنع مراعاتها الذهن أن يزل في فكره، وفساد هذا مبسوط مذكور في موضع غير هذا‏.‏
ونحن بعد أن تبينا عدم فائدته، وإن كان قد يتضمن من العلم ما يحصل بدونه، ثم تبينا أنا لو قدرنا أنه قد يفيد بعض الناس من العلم ما يفيده هو، فلا يجوز أن يقال‏:‏ ليس إلى ذلك العلم لذلك الشخص، ولسائر بني آدم طريق إلا بمثل القياس المنطقي؛ فإن هذا قول بلا علم، وهو كذب محقق؛ ولهذا مازال متكلمو المسلمين ـ وإن كان فيهم نوع من البدعة ـ لهم من الرد عليه وعلى أهله وبيان الاستغناء عنه، وحصول الضرر والجهل به والكفر، ما / ليس هذا موضعه؛ دع غيرهم من طوائف المسلمين وعلمائهم وأئمتهم، كما ذكره القاضي أبو بكر ابن الباقلاني في كتاب ‏]‏الدقائق‏[‏‏.‏
فأما الشعري ـ وهو ما يفيد مجرد التخييل وتحريك النفس، وذلك يظهر بأنهم جعلوا الأقيسة خمسة‏:‏ البرهاني، والخطابي، والجدلي، والشعري، والمغلطي السوفسطائي، وهو ما يشبه الحق وهو باطل، وهو الحكمة المموهة ـ فلا غرض لنا فيه هنا، ولكن غرضنا تلك الثلاثة‏.‏
قالوا‏:‏ ‏[‏الجدلي‏]‏ ما سلم المخاطب مقدماته‏.‏ والخطابي‏:‏ ما كانت مقدماته مشهورة بين الناس، والبرهاني‏:‏ ما كانت مقدماته معلومة‏.‏
وكثير من المقدمات تكون ـ مع كونها خطابية أو جدلية ـ يقينية برهانية، بل وكذلك مع كونها شعرية، ولكن هي من جهة التيقن بها تسمى‏:‏ برهانية، ومن جهة شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها تسمى‏:‏ خطابية، ومن جهة تسليم الشخص المعين لها تسمي‏:‏ جدلية‏.‏
وهذا كلام أولئك المبتدعة من الصابئة الذين لم يذكروا النبوات، ولا تعرضوا لها بنفي ولا إثبات‏.‏ وعدم التصديق للرسل واتباعهم كفر وضلال، وإن لم يعتقد تكذيبهم فالكفر والضلال أعم من التكذيب‏.‏
/وأما قول بعض المتأخرين في المشهورات‏:‏ هي المقبولات لكون صاحبها مؤيدًا بأمر يوجب قبول قوله ونحو ذلك ـ فهذه من الزيادات التي ألزمتهم إياها الحجة، ورأوا وجوب قبولها على طريقة الأولين؛ ولهذا كان غالب صابئة المتأخرين الذين هم الفلاسفة ممتزجين بالحنيفية، كما أن غالب من دخل في الفلسفة من الحنفاء مزج الحنيفية بالصبء، ولبس الحق بالباطل‏.‏ أعني بالصبء‏:‏ المبتدع الذي ليس فيه إيمان بالنبوات، كصبء صاحب المنطق وأتباعه‏.‏
وأما الصبء القديم، فذاك أصحابه منهم المؤمنون باللّه واليوم الآخر، الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏.‏ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كما أن التهود والتنصر منه ما أهله مبتدعون ضلال قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، ومنه ما كان أهله متبعين للحق، وهم الذين آمنوا باللّه واليوم الآخر وعملوا الصالحات، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏.‏
ومن قال من العلماء المصنفين في المنطق‏:‏ إن القياس الخطابي هو ما يفيد الظن، كما أن البرهاني ما يفيد العلم، فلم يعرف مقصود القوم، ولا قال حقا‏.‏ فإن كل واحد من الخطابي والجدلي قد يفيد الظن، كما أن البرهاني قد تكون مقدماته مشهورة ومسلمة‏.‏
فالتقسيم لمواد القياس وقع باعتبار الجهات التي يقبل منها، فتارة يقبل / القول؛ لأنه معلوم؛ إذ العلم يوجب القبول‏.‏ وأما كونه لا يفيد العلم فلا يوجب قبوله إلا لسبب؛ فإن كان لشهرته، فهو خطابي، ولو لم يفد علمًا ولا ظنًا‏.‏ وهو ـ أيضًا ـ خطابي إذا كانت قضيته مشهورة، وإن أفاد علما أو ظنا‏.‏ والقول في الجدلي كذلك‏.‏
ثم إنهم قد يمثلون المشهورات المقبولات التي ليست علمية بقولنا‏:‏ العلم حسن، والجهل قبيح، والعدل حسن، والظلم قبيح، ونحو ذلك من الأحكام العملية العقلية التي يثبتها من يقول بالتحسين والتقبيح، ويزعمون أنا إذا رجعنا إلى محض العقل لم نجد فيه حكما بذلك‏.‏ وقد يمثلونها بأن الموجود لابد أن يكون مباينا للموجود الآخر أو محايثا له، أو أن الموجود لابد أن يكون بجهة من الجهات، أو يكون جائز الرؤية ويزعمون أن هذا من أحكام الوهم لا الفطرة العقلية‏.‏
قالوا‏:‏ لأن العقل يسلم مقدمات يعلم بها فساد الحكم الأول‏.‏
وهذا كله تخليط ظاهر لمن تدبره‏.‏
فأما تلك القضايا التي سموها مشهورات غير معلومة، فهي من العلوم العقلية البديهية التي جزم العقول بها أعظم من جزمها بكثير من العلوم الحسابية والطبيعية، وهي كما قال أكثر المتكلمين من أهل الإسلام، بل أكثر متكلمي أهل الأرض من جميع الطوائف‏:‏ أنها قضايا بديهية عقلية، لكن / قد لا يحسنون تفسير ذلك؛ فإن حسن ذلك وقبحه هو حسن الأفعال وقبحها، وحسن الفعل هو كونه مقتضيا لما يطلبه الحي لذاته ويريده من المقاصد، وقبحه بالعكس، والأمر كذلك‏.‏
فإن العلم والصدق والعدل هي كذلك محصلة لما يطلب لذاته ويراد لنفسه من المقاصد، فحسن الفعل وقبحه هو لكونه محصلا للمقصود المراد بذاته أو منافيا لذلك‏.‏
ولهذا كان الحق يطلق تارة بمعنى النفي والإثبات فيقال‏:‏ هذا حق، أي ثابت، وهذا باطل، أي‏:‏ منتف‏.‏ وفي الأفعال بمعنى‏:‏ التحصيل للمقصود، فيقال‏:‏ هذا الفعل حق، أي‏:‏ نافع، أو محصل للمقصود، ويقال‏:‏ باطل، أي‏:‏ لا فائدة فيه ونحو ذلك‏.‏
وأما زعمهم‏:‏ أن البديهة والفطرة قد تحكم بما يتبين لها بالقياس فساده، فهذا غلط؛ لأن القياس لابد له من مقدمات بديهية فطرية؛ فإن جوز أن تكون المقدمات الفطرية البديهية غلطًا من غير تبيين غلطها إلا بالقياس، لكان قد تعارضت المقدمات الفطرية بنفسها، ومقتضى القياس الذي مقدماته فطرية‏.‏ فليس رد هذه المقدمات الفطرية لأجل تلك بأولى من العكس، بل الغلط فيما تقل مقدماته أولى، فما يعلم بالقياس وبمقدمات فطرية أقرب إلى الغلط مما يعلم بمجرد الفطرة‏.‏
/وهذا يذكرونه في نفي علو الله على العرش ونحو ذلك من أباطيلهم‏.‏
والمقصود هنا أن متقدميهم لم يذكروا المقدمات المتلقاة من الأنبياء، ولكن المتأخرون رتبوه على ذلك؛ إما بطريق الصابئة الذين لبسوا الحنيفية بالصابئة، كابن سينا ونحوه، وإما بطريق المتكلمين الذين أحسنوا الظن بما ذكره المنطقيون، وقرروا إثبات العلم بموجب النبوات به‏.‏
أما الأول، فإنه جعل علوم الأنبياء من العلوم الحدسية؛ لقوة صفاء تلك النفوس القدسية وطهارتها، وأن قوى النفوس في الحدس لا تقف عند حد، ولابد للعالم من نظام ينصبه حكيم، فيعطي النفوس المؤيدة من القوة ما تعلم به ما لا يعلمه غيرها بطريق الحدس، ويتمثل لها ما تسمعه وتراه في نفسها من الكلام ومن الملائكة ما لا يسمعه غيرها، ويكون لها من القوة العملية التي تطيعها بها هيولي العالم ما ليس لغيرها‏.‏ فهذه الخوارق في قوى العلم مع السمع والبصر، وقوة العمل والقدرة، هي النبوة عندهم‏.‏
ومعلوم أن الحدس راجع إلى قياس التمثيل ـ كما تقدم ـ وأما ما يسمع ويرى في نفسه، فهو من جنس الرؤيا، وهذا القدر يحصل مثله لكثير من عوام الناس وكفارهم، فضلا عن أولياء الله وأنبيائه، فكيف يجعل ذلك هو غاية النبوة‏؟‏ وإن كان الذي يثبتونه للأنبياء أكمل وأشرف، فهو كملك أقوى من ملك؛ ولهذا صاروا يقولون‏:‏ النبوة مكتسبة، ولم يثبتوا نزول / ملائكة من عند اللّه إلى من يختاره ويصطفيه من عباده، ولا قصد إلى تكليم شخص معين من رسله؛ كما يذكر عن بعض قدمائهم أنه قال لموسى بن عمران‏:‏ أنا أصدقك في كل شيء إلا في أن علة العلل كلمك، ما أقدر أن أصدقك في هذا؛ ولهذا صار من ضل بمثل هذا الكلام يدعي مساواة الأنبياء والمرسلين أو التقدم عليهم، وهذا كثير فى كثير من الناس الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أكمل النوع، وهم من أجهل الناس وأظلمهم وأكفرهم وأعظمهم نفاقا‏.‏
وأما المتكلمون المنطقيون فيقولون‏:‏ يعلم بهذا القياس ثبوت الصانع وقدرته وجواز إرسال الرسل، وتأييد الله لهم بما يوجب تصديقهم فيما يقولونه‏.‏ وهذه الطريقة أقرب إلى طريقة العلماء المؤمنين، وإن كان قد يكون فيها أنواع من الباطل، تارة من جهة ما تقلدوه عن المنطقيين، وتارة من جهة ما ابتدعوه هم، مما ليس هذا موضعه‏.‏
ومنطقية اليهود والنصارى كذلك، لكن الهدى والعلم والبيان في فلاسفة المسلمين ومتكلميهم أعظم منه في أهل الكتابين؛ لما في تينك الملتين من الفساد‏.‏
ولكن الغرض تقرير جنس النبوات؛ فإن أهل الملل متفقون عليها، لكن اليهود والنصارى آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، والصابئة الفلاسفة ونحوهم آمنوا ببعض صفات الرسالة دون بعض، فإذا اتفق متفلسف من أهل / الكتاب جمع الكفرين؛ الكفر بخاتم المرسلين، والكفر بحقائق صفات الرسالة في جميع المرسلين، فهذا هذا‏.‏
فيقال لهم ـ مع علمهم بتفاوت قوى بني آدم في الإدراك ـ‏:‏ ما المانع من أن يخرق سمع أحدهم وبصره، حتى يسمع ويرى من الأمور الموجودة في الخارج ما لا يراه غيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء ـ وحق لها أن تئط ـ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد‏)‏، فهذا إحساس بالظاهر أو الباطن لما هو في الخارج‏.‏
وكذلك العلوم الكلية البديهية، قد علمتم أنها ليس لها حد في بني آدم، فمن أين لكم أن بعض النفوس يكون لها من العلوم البديهية ما يختص بها وحدها أو بها وبأمثالها ما لا يكون من البديهيات عندكم‏؟‏ وإذا كان هذا ممكنا ـ وعامة أهل الأرض على أنه واقع لغير الأنبياء ـ دع الأنبياء ـ فمثل هذه العلوم ليس في منطقكم طريق إليها؛ إذ ليست من المشهورات ولا الجدليات، ولا موادها عندكم يقينية، وأنتم لا تعلمون نفيها، وجمهور أهل الأرض من الأولين والآخرين على إثباتها، فإن كذبتم بها، كنتم ـ مع الكفر والتكذيب بالحق وخسارة الدنيا والآخرة ـ تاركين لمنطقكم أيضا، وخارجين عما أوجبتموه على أنفسكم؛ أنكم لا تقولون إلا بموجب القياس، إذ ليس لكم بهذا النفي قياس / ولا حجة تذكر؛ ولهذا لم تذكروا عليه حجة؛ وإنما اندرج هذا النفي في كلامكم بغير حجة‏.‏
وإن قلتم‏:‏ بل هي حق، اعترفتم بأن من الحق ما لا يوزن بميزان منطقكم‏.‏ وإن قلتم‏:‏ لا ندري أحق هي أم باطل‏؟‏ اعترفتم بأن أعظم المطالب وأجلها لا يوزن بميزان المنطق‏.‏
فإن صدقتم لم يوافقكم المنطق، وإن كذبتم لم يوافقكم المنطق، وإن ارتبتم لم ينفعكم المنطق‏.‏
ومن المعلوم أن موازين الأموال لا يقصد أن يوزن بها الحطب والرصاص دون الذهب والفضة‏.‏ وأمر النبوات وما جاءت به الرسل أعظم في العلوم من الذهب في الأموال‏.‏ فإذا لم يكن في منطقكم ميزان له، كان الميزان ـ مع أنه ميزان ـ عائلا جائرًا، وهو أيضا عاجز‏.‏ فهو ميزان جاهل ظالم؛ إذ هو إما أن يرد الحق ويدفعه فيكون ظالما، أو لا يزنه ولا يبين أمره فيكون جاهلا، أو يجتمع فيه الأمران فيرد الحق ويدفعه ـ وهو الحق الذي ليس للنفوس عنه عوض، ولا لها عنه مندوحة، وليست سعادتها إلا فيه ولا هلاكها إلا بتركه ـ فكيف يستقيم ـ مع هذا ـ أن تقولوا‏:‏ إنه وما وزنتموه به من المتاع الخسيس الذي أنتم في وزنكم إياه به ظالمون عائلون، لم تزنوا بالقسطاس المستقيم، و لم تستدلوا بالآيات البينات‏:‏ هو معيار العلوم الحقيقية، والحكمة اليقينية، / التي فاز بالسعادة عالمها، وخاب بالشقاوة جاهلها، ورأس مال السادة، وغاية العالم المنصف منكم أن يعترف بعجز ميزانكم عنه‏.‏
وأما عوام علمائكم فيكذبون به ويردونه، وإن كان منطقكم يرد عليهم، فلستم بتحريف أمر منطقكم أحسن حالا من اليهود والنصارى في تحريف كتاب اللّه، الذي هو في الأصل حق هاد، لا ريب فيه، فهذا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏
وأيضًا، هم متفقون على أنه لا يفيد إلا أمورًا كلية مقدرة في الذهن، لا يفيد العلم بشيء موجود محقق في الخارج إلا بتوسط شىء آخر غيره‏.‏ والأمور الكلية الذهنية ليست هي الحقائق الخارجية، ولا هي ـ أيضًا ـ علما بالحقائق الخارجية؛ إذ لكل موجود حقيقة يتميز بها عن غيره، هو بها هو، وتلك ليست كلية، فالعلم بالأمر المشترك لا يكون علما بها، فلا يكون في القياس المنطقي علم تحقيق شىء من الأشياء وهو المطلوب‏.‏
وأيضًا، هم يطعنون في قياس التمثيل، إنه لا يفيد إلا الظن، وربما تكلموا على بعض الأقيسة الفرعية، أو الأصلية التي تكون مقدماتها ضعيفة أو مظنونة، مثل كلام السهروردى المقتول على الزندقة صاحب ‏[‏التلويحات‏]‏ و‏[‏الألواح‏]‏ و ‏[‏حكمة الإشراق‏]‏‏.‏ وكان في فلسفته مستمدًا من الروم الصابئين والفرس / المجوس‏.‏ وهاتان المادتان هما مادتا القرامطة الباطنية، ومن دخل ويدخل فيهم من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم، وهم ممن دخل في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه‏)‏، قالوا‏:‏ فارس والروم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن‏؟‏‏!‏‏)‏‏.‏
والمقصود أن ذكر كلام السهروردي هذا على قياس ضربه، وهو أن يقال‏:‏ السماء محدثة، قياسًا على البيت، بجامع ما يشتركان فيه من التأليف، فيحتاج أن يثبت أن علة حدوث البناء هو التأليف، وأنه موجود في الفرع‏.‏
والتحقيق‏:‏ أن ‏[‏قياس التمثيل‏]‏ أبلغ في إفادة العلم واليقين من ‏[‏قياس الشمول‏]‏، وإن كان علم قياس الشمول أكثر فذاك أكبر، فقياس التمثيل في القياس العقلي كالبصر في العلم الحسي، وقياس الشمول كالسمع في العلم الحسي‏.‏ ولا ريب أن البصر أعظم وأكمل، والسمع أوسع وأشمل، فقياس التمثيل بمنزلة البصر، كما قيل‏:‏ من قاس ما لم يره بما رأى‏.‏ وقياس الشمول يشابه السمع من جهة العموم‏.‏
ثم إن كل واحد من القياسين ـ في كونه علميًا أو ظنيًا ـ يتبع مقدماته، / فقياس التمثيل في الحسيات وكل شيء؛ إذا علمنا أن هذا مثل هذا، علمنا أن حكمه حكمه، وإن لم نعلم علة الحكم، وإن علمنا علة الحكم استدللنا بثبوتها على ثبوت الحكم، فبكل واحد من العلم بقياس التمثيل وقياس التعليل يعلم الحكم‏.‏
وقياس التعليل هو في الحقيقة من نوع قياس الشمول، لكنه امتاز عنه بأن الحد الأوسط ـ الذي هو الدليل فيه ـ هو علة الحكم، ويسمى قياس العلة، وبرهان العلة‏.‏ وذلك يسمى قياس الدلالة وبرهان الدلالة، وإن لم نعلم التماثل والعلة، بل ظنناها ظنًا كان الحكم كذلك‏.‏
وهكذا الأمر في قياس الشمول، إن كانت المقدمتان معلومتين كانت النتيجة معلومة، وإلا فالنتيجة تتبع أضعف المقدمات‏.‏
فأما دعواهم‏:‏ أن هذا لا يفيد العلم، فهو غلط محض محسوس، بل عامة علوم بني آدم العقلية المحضة هي من قياس التمثيل‏.‏
وأيضًا، فإن علومهم التي جعلوا هذه الصناعة ميزانًا لها بالقصد الأول، لا يكاد ينتفع بهذه الصناعة المنطقية في هذه العلوم إلا قليلا‏.‏ فإن العلوم الرياضية ـ من حساب العدد، وحساب المقدار الذهني والخارجي ـ قد علم أن الخائضين فيها من الأولين والآخرين مستقلون بها من غير التفات إلى هذه / الصناعة المنطقية واصطلاح أهلها‏.‏ وكذلك ما يصح من العلوم الطبيعية الكلية والطبية، تجد الحاذقين فيها لم يستعينوا عليها بشىء من صناعة المنطق، بل إمام صناعة الطب بقراط له فيها من الكلام الذي تلقاه أهل الطب بالقبول ووجدوا مصداقه بالتجارب، وله فيها من القضايا الكلية التي هي عند عقلاء بني آدم من أعظم الأمور، ومع هذا فليس هو مستعينًا بشيء من هذه الصناعة، بل كان قبل واضعها‏.‏
وهم وإن كان العلم الطبيعي عندهم أعلم وأعلى من علم الطب، فلا ريب أنه متصل به‏.‏ فبالعلم بطبائع الأجسام المعينة المحسوسة تعلم طبائع سائر الأجسام، ومبدأ الحركة والسكون الذي في الجسم، ويستدل بالجزء على الكل؛ ولهذا كثيرًا ما يتناظرون في مسائل، ويتنازع فيها هؤلاء وهؤلاء، كتناظر الفقهاء والمتكلمين في مسائل كثيرة تتفق فيها الصناعتان، وأولئك يدعون عموم النظر، ولكن الخطأ والغلط عند المتكلمين والمتفلسفة أكثر مما هو عند الفقهاء والأطباء، وكلامهم وعلمهم أنفع، وأولئك أكثر ضلالا وأقل نفعًا؛ لأنهم طلبوا بالقياس ما لا يعلم بالقياس، وزاحموا الفطرة والنبوة مزاحمة أوجبت من مخالفتهم للفطرة والنبوة ما صاروا به من شياطين الإنس والجن الذين يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، بخلاف الطب المحض، فإنه علم نافع، وكذلك الفقه المحض‏.‏
وأما علم ما بعد الطبيعة ـ وإن كانوا يعظمونه، ويقولون‏:‏ هو الفلسفة الأولى، وهو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه، ويسميه متأخروهم العلم / الإلهي، وزعم المعلم الأول لهم أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم ـ فالحق فيه من المسائل قليل نزر، وغالبه علم بأحكام ذهنية لا حقائق خارجية‏.‏ وليس على أكثرهم قياس منطقي؛ فإن الوجود المجرد والوجوب والإمكان والعلة المجردة والمعلول، وانقسام ذلك إلى جزء الماهية، وهو المادة والصورة، وإلى علتي وجودها‏.‏ وهما الفاعل والغاية، والكلام في انقسام الوجود إلى الجواهر والأعراض التسعة؛ التي هي‏:‏ الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع والملك، وأن يفعل وأن ينفعل، كما أنشد بعضهم فيها ‏:‏
زيد الطويل الأسود بن مالك ** في داره بالأمس كــان يتكي
في يده سيف نضاه فانتضـى ** فهذه عشر مقــولات ســواء
ليس عليها ولا على أقسامها قياس منطقي، بل غالبها مجرد استقراء، قد نوزع صاحبه في كثير منه‏.‏
فإذا كانت صناعتهم بين علوم لا يحتاج فيها إلى القياس المنطقي، وبين ما لا يمكنهم أن يستعملوا فيه القياس المنطقي، كان عديم الفائدة في علومهم، بل كان فيه من شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعة ما ضر كثيرًا من الناس، / كما سد على كثير منهم طريق العلم، وأوقعهم في أودية الضلال والجهل‏.‏ فما الظن بغير علومهم من العلوم التي لا تحد للأولين والآخرين‏.‏
وأيضًا، لا تجد أحدًا من أهل الأرض حقق علمًا من العلوم وصار إمامًا فيه مستعينًا بصناعة المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والحساب والكتاب ونحوهم يحققون ما يحققون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق‏.‏

عدد المشاهدات *:
10680
عدد مرات التنزيل *:
286537
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : سُئل شيخ الإسلام‏ عن المنطق
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  سُئل شيخ الإسلام‏ عن المنطق
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  سُئل شيخ الإسلام‏ عن المنطق  لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية