اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الخميس 26 جمادى الآخرة 1441 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

ما دام

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد العاشر
الآداب والتصوف
أعمال القلوب‏
فَصْــل استلزام الخوف والرجاء للمحبة ـ أ ـ
مجموع فتاوى ابن تيمية
فَصْــل
وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه‏.‏ والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ‏}‏الآية ‏[‏الإسراء‏:‏ 57‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 218‏]‏‏.‏
ورحمته اسم جامع لكل خير‏.‏ وعذابه اسم جامع لكل شر‏.‏ ودار الرحمة الخالصة هي الجنة، ودار العذاب الخالص هي النار، وأما الدنيا فدار امتزاج، فالرجاء وإن تعلق بدخول الجنة فالجنة اسم جامع لكل نعيم، وأعلاه النظر إلى وجه اللّه، كما في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد‏:‏ يا أهل الجنة، إن لكم عند اللّه موعدًا يريد أن ينجزكموه‏.‏ فيقولون‏:‏ ما هو‏؟‏ ألم يبيض وجوهنا‏؟‏ ألم يثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه‏)‏ وهو الزيادة‏.‏
ومن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول من قال‏:‏ ما عبدتك شوقًا إلى جنتك ولا خوفًا من نارك، وإنما عبدتك شوقًا إلى رؤيتك، فإن هذا القائل ظن هو ومن تابعه أن الجنة لايدخل في مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماع ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، كما يوافقه على ذلك من ينكر رؤية اللّه من الجهمية، أو من يقربها ويزعم أنه لا تمتع بنفس رؤية اللّه، كما يقوله طائفة من المتفقهة‏.‏ فهؤلاء متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة / لا يدخل فيه إلا التمتع بالمخلوقات؛ ولهذا قال بعض من غلط من المشائخ لما سمع قوله‏:‏ ‏{‏مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏ قال فأين من يريد اللّه، وقال آخر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 111‏]‏ قال‏:‏ إذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه، وكل هذا لظنهم أن الجنة لا يدخل فيها النظر‏.‏
والتحقيق أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها النظر إلى وجه اللّه، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة، كما أخبرت به النصوص‏.‏ وكذلك أهل النار فإنهم محجوبون عن ربهم، ويدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفًا بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق نارًا أو لو لم تخلق جنة لكان يجب أن تعبد ويجب التقرب إليك والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق‏.‏
وأما عمل الحي بغير حب ولا إرادة أصلا، فهذا ممتنع وإن تخيله بعض الغالطين من النساك، وظن أن كمال العبد ألا تبقى له إرادة أصلا؛ فذاك لأنه تكلم في حال الفناء والفاني ـ الذي يشتغل بمحبوبه ـ له إرادة ومحبة ولكن لا يشعر بها، فوجود المحبة شيء، والإرادة شيء، والشعور بها شيء آخر‏.‏ فلما لم يشعروا بها ظنوا انتفاءها وهو غلط، فالعبد لا يتصور أن يتحرك قط إلا عن حب وبغض وإرادة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أصدق الأسماء حارث وهمام‏)‏‏.‏ فكل إنسان له حرث وهو العمل، وله هم وهو أصل /الإرادة، ولكن تارة يقوم بالقلب من محبة اللّه ما يدعوه إلى طاعته، ومن إجلاله والحياء منه ما ينهاه عن معصيته، كما قال عمر ـ رضي اللّه عنه‏:‏ نعم العبد صهيب، لو لم يخف اللّه لم يعصه أي‏:‏ هو لم يعصه ولو لم يخفه، فكيف إذا خافه، فإن إجلاله وإكرامه للّه يمنعه من معصيته‏.‏
فالراجي الخائف إذا تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب باحتجاب الرب عنه، والتنعم بتجليه له، فمعلوم أن هذا من توابع محبته له، فالمحبة هي التي أوجبت محبة التجلي والخوف من الاحتجاب، وإن تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق والتنعم به، فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة اللّه المستلزمة محبته، ثم إذا وجد حلاوة محبة اللّه وجدها أحلى من كل محبة؛ ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء، كما في الحديث‏:‏ ‏(‏إن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النَّفَس‏)‏ وهو يبين غاية تنعمهم بذكر اللّه ومحبته‏.‏ فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له يسوقه إلى محبة اللّه التي هي الأصل‏.‏
وهذا كله ينبني على أصل المحبة، فيقال‏:‏ قد نطق الكتاب والسنة بذكر محبة العباد المؤمنين، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 165‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 24‏]‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان‏:‏ أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للّه، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقى في النار‏)‏‏.‏
/بل محبة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجبت لمحبة اللّه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏، وكما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين‏)‏، وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال‏:‏ واللّه يا رسول اللّه لأنت أحب إلىَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال‏:‏ ‏(‏لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك‏)‏، فقال‏:‏ واللّه لأنت أحب إلىَّ من نفسي، قال‏:‏ ‏(‏الآن يا عمر‏)‏‏.‏
وكذلك محبة صحابته وقرابته، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لا يبغض الأنصار رجل يؤمن باللّه واليوم الآخر‏)‏، وقال على ـ رضي اللّه عنه‏:‏ إنه لعهد النبي الأمي إلىَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق‏.‏ وفي السنن أنه قال للعباس‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم للّه ولقرابتي‏)‏ يعني‏:‏ بني هاشم، وقد روى حديث عن ابن عباس مرفوعًا أنه قال‏:‏ ‏(‏أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحب اللّه، وأحبوا أهل بيتي لأجلي‏)‏‏.‏
وأما محبة الرب ـ سبحانه ـ لعبده فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 125‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 195‏]‏، ‏{‏وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‏}‏‏[‏الحجرات‏:‏ 9‏]‏، ‏{‏فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 7‏]‏، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 76‏]‏‏.‏
وأما الأعمال التي يحبها اللّه من الواجبات والمستحبات الظاهرة والباطنة فكثيرة معروفة، وكذلك حبه لأهلها وهم المؤمنون أولياء اللّه المتقون‏.‏
وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشائخ الدين المتبعون، وأئمة التصوف إن اللّه ـ سبحانه ـ محبوب لذاته محبة حقيقية، بل هي أكمل محبة، فإنها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 165‏]‏ وكذلك هو ـ سبحانه ـ يحب عباده المؤمنين محبة حقيقية‏.‏
وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين، زعمًا منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد اللّه القسري أمير العراق والمشرق بواسط‏.‏ خطب الناس يوم الأضحى فقال‏:‏ أيها الناس، ضَحُّوا تقبل اللّه ضحاياكم، فإني مُضَحّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم / موسي تكليمًا، ثم نزل فذبحه، وكان قد أخذ هذا المذهب عنه الجهم بن صفوان فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول الجهمية، فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوا إلى الموافقة لهم على ذلك‏.‏
وأصل قولهم هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلًا، وهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ وهم يعبدون الكواكب ويبنون الهياكل للعقول والنجوم وغيرها، وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلًا، وموسى كليما، لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب كما قيل‏:‏
قد تخللت مسلك الروح مني ** وبذا سمى الخليل خليلًا
ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل اللّه‏)‏ يعني‏:‏ نفسه، وفي رواية‏:‏ ‏(‏إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏إن اللّه اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم /خليلًا‏)‏، فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلًا، وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس بها أبو بكر الصديق ـ رضي اللّه عنه‏.‏ مع أنه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصًا كما قال لمعاذ‏:‏ ‏(‏واللّه إني لأحبك‏)‏ وكذلك قوله للأنصار‏.‏ وكان زيد بن حارثة حب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكذلك ابنه أسامة حبه، وأمثال ذلك‏.‏ وقال له عمرو بن العاص‏:‏ أي الناس أحب إليك ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏عائشة‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فمن الرجال‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أبوها‏)‏، وقال لفاطمة ابنته ـ رضي اللّه عنها‏:‏ ‏(‏ألا تحبين ما أحب‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ بلى، قال‏:‏ ‏(‏فأحبي عائشة‏)‏‏.‏ وقال للحسن‏:‏ ‏(‏اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه‏)‏ وأمثال هذا كثير‏.‏
فوصف نفسه بمحبة أشخاص وقال‏:‏ ‏(‏إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا‏)‏، فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة بحيث هي من كمالها وتخللها المحب حتى يكون المحبوب بها محبوبًا لذاته لا لشيء آخر؛ إذ المحبوب لشيء غيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة والمزاحمة لتخللها المحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب‏.‏
فالخلة تنافى المزاحمة، وتقدم الغير بحيث يكون المحبوب محبوبًا لذاته / محبة لا يزاحمه فيها غيره، وهذه محبة لا تصلح إلا للّّه، فلا يجوز أن يشركه غيره فيما يستحقه من المحبة، وهو محبوب لذاته وكل ما يحب غيره ـ إذا كان محبوبًا بحق ـ فإنما يحب لأجله، وكل ما أحب لغيره فمحبته باطلة، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان للّه تعالى‏.‏ وإذا كانت الخلة كذلك فمن المعلوم أن من أنكر أن يكون اللّه محبوبًا لذاته ينكر مخاللته‏.‏ وكذلك أيضًا إن أنكر محبته لأحد من عباده فهو ينكر أن يتخذه خليلًا بحيث يحب الرب ويحبه العبد على أكمل ما يصلح للعباد‏.‏
وكذلك تكليمه لموسى أنكروه؛ لإنكارهم أن تقوم به صفة من الصفات أو فعل من الأفعال، فكما ينكرون أن يتصف بحياة أو قدرة أو علم أو أن يستوى أو أن يجيء فكذلك ينكرون أن يتكلم أو يكلم، فهذا حقيقة قولهم‏.‏ ‏{‏كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 118‏]‏‏.‏
لكن لما كان الإسلام ظاهرًا والقرآن متلوا، لا يمكن جحده لمن أظهر الإسلام، أخذوا يلحدون في أسماء اللّه ويحرفون الكلم عن مواضعه فتأولوا محبة العباد له بمجرد محبتهم لطاعته أو التقرب إليه، وهذا جهل عظيم؛ فإن محبة المتقرب إلى المتقرب إليه تابع لمحبته وفرع عليه، فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب التقرب إليه؛ إذ التقرب وسيلة، ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود، فيمتنع أن تكون الوسيلة إلى الشيء المحبوب هي المحبوب دون الشيء المقصود بالوسيلة‏.‏
/وكذلك العبادة والطاعة، إذا قيل في المطاع المعبود‏:‏ إن هذا يحب طاعته وعبادته، فإن محبته ذلك تبع لمحبته، وإلا فمن لا يحب لا يحب طاعته وعبادته، ومن كان لا يعمل لغيره إلا لعوض يناله منه أو لدفع عقوبة فإنه يكون معاوضًا له أو مفتديًا منه لا يكون محبًا له‏.‏ ولا يقال إن هذا يحبه ويفسر ذلك بمحبة طاعته وعبادته، فإن محبة المقصود وإن استلزمت محبة الوسيلة أو غير محبة الوسيلة، فإن ذلك يقتضى أن يعبر بلفظين‏:‏ محبة العوض والسلامة عن محبة العمل‏.‏ أما محبة اللّه فلا تعلق لها بمجرد محبة العوض، ألا ترى أن من استأجر أجيرًا بعوض لا يقال‏:‏ إن الأجير يحبه بمجرد ذلك‏.‏ بل قد يستأجر الرجل من لا يحبه بحال بل من يبغضه، وكذلك من افتدى نفسه بعمل من عذاب معذب لا يقال‏:‏ إنه يحبه بل يكون مبغضًا له‏.‏ فعلم أن ما وصف اللّه به عباده المؤمنين من أنهم يحبونه يمتنع ألا يكون معناه إلا مجرد محبة العمل الذي ينالون به بعض الأغراض المخلوقة من غير أن يكون ربهم محبوبًا أصلا‏.‏
وأيضًا، فلفظ العبادة متضمن للمحبة مع الذل كما تقدم؛ ولهذا كانت محبة القلب للبشر على طبقات‏:‏
أحدها‏:‏ العلاقة‏:‏ وهو تعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة‏:‏ وهو انصباب القلب إليه، ثم الغرام‏:‏ وهو الحب اللازم، ثم العشق وآخر / المراتب هو التتيم‏:‏ وهو التعبد للمحبوب، والمتيم المعبود، وتيم اللّه عبد اللّه فإن المحب يبقى ذاكرًا معبدًا مذللًا لمحبوبه‏.‏
وأيضًا، فاسم الإنابة إليه يقتضى المحبة أيضًا، وما أشبه ذلك من الأسماء، كما تقدم‏.‏
وأيضًا، فلو كان هذا الذي قالوه حقًا من كون ذلك مجازًا لما فيه من الحذف والإضمار، فالمجاز لا يطلق إلا بقرينة تبين المراد‏.‏ ومعلوم أن ليس في كتاب اللّه وسنة رسوله ما ينفي أن يكون اللّه محبوبًا، وألا يكون المحبوب إلا الأعمال لا في الدلالة المتصلة ولا المنفصلة بل ولا في العقل أيضًا‏.‏ وأيضًا‏:‏ فمن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه، فيجب أن يصح إطلاق القول بأن اللّه لا يُحِبّ ولا يُحَبّ، كما أطلق إمامهم الجعد ابن درهم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ومعلوم أن هذا ممتنع بإجماع المسلمين، فعلم دلالة الإجماع على أن هذا ليس مجازًا، بل هي حقيقة‏.‏
و أيضًا، فقد فرق بين محبته ومحبة العمل له في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 24‏]‏، كما فرق بين محبته ومحبة رسوله في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ فلو كان المراد بمحبته ليس إلا محبة العمل لكان هذا تكريرًا، أو من باب عطف الخاص على العام، وكلاهما على خلاف ظاهر الكلام الذي لا يجوز المصير إليه إلا بدلالة تبين المراد‏.‏ وكما أن / محبته لا يجوز أن تفسر بمجرد محبة رسوله، فكذلك لا يجوز تفسيرها بمجرد محبة العمل له، وإن كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة العمل له‏.‏
وأيضًا، فالتعبير بمحبة الشيء عن مجرد محبة طاعته لا عن محبة نفسه أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا، فحمل الكلام عليه تحريف محض أيضا‏.‏ وقد قررنا في مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير اللّه محبوبًا مرادًا لذاته كما لا يجوز أن يكون غير اللّه موجودًا بذاته، بل لا رب إلا اللّه، ولا إله إلا هو المعبود، الذي يستحق أن يحب لذاته ويعظم لذاته، كمال المحبة والتعظيم‏.‏
وكل مولود يولد على الفطرة فإنه ـ سبحانه ـ فطر القـلوب على أنه ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهى إليه إلا اللّه وحده، وإن كل ما أحبه المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور ومسموع وملموس يجد من نفسه أن قلبه يطلب شيئًا سواه، ويحب أمرًا غيره يتألهه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من هذه الأجناس؛ ولهذا قال اللّه تعالى في كتابه‏:‏ ‏{‏أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ‏}‏‏[‏الرعد‏:‏ 28‏]‏، وفي الحديث الصحيح عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قال‏:‏ ‏(‏إني خلقت عبادي حنفاءَ فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا‏)‏، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج / البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء‏)‏، ثم يقول أبو هريرة‏:‏ اقرؤوا إن شئتم‏:‏ ‏{‏فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 30‏]‏‏.‏
وأيضًا، فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فاللّه هو المستحق له على الكمال، وكل ما في غيره من محبوب فهو منه ـ سبحانه وتعالى ـ فهو المستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال‏.‏ وإنكار محبة العبد لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلهًا معبودًا، كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربًا خالقًا فصار إنكارها مستلزمًا لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين‏.‏ وهذا هو قول أهل التعطيل والجحود‏.‏
ولهذا اتفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى وعيسى ـ صلوات اللّه عليهما وسلامه ـ أن أعظم الوصايا أن تحب اللّه بكل قلبك وعقلك وقصدك، وهذا هو حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم التي هي أصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن، وإنكار ذلك هو مأخوذ عن المشركين والصابئين أعداء إبراهيم الخليل، ومن وافقهم على ذلك من متفلسف ومتكلم ومتفقه ومبتدع أخذه عن هؤلاء، وظهر ذلك في القرامطة الباطنية من الإسماعيلية؛ ولهذا قال الخليل إمام الحنفاء ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ‏.‏ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ ‏.‏ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 75ـ77‏]‏ ، وقال أيضًا‏:‏ ‏{‏لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 76‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ‏.‏ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 88، 89‏]‏ وهو السليم من الشرك‏.‏
وأما قولهم‏:‏ إنه لا مناسبة بين المحدث والقديم توجب محبته له وتمتعه بالنظر إليه‏.‏ فهذا الكلام مجمل، فإن أرادوا بالمناسبة أنه ليس بينهما توالد فهذا حق، وإن أرادوا أنه ليس بينهما من المناسبة ما بين الناكح والمنكوح والآكل والمأكول أو نحو ذلك فهذا أيضًا حق، وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما توجب أن يكون أحدهما محبًا عابدًا والآخر معبودًا محبوبًا فهذا هو رأس المسألة، فالاحتجاج به مصادرة على المطلوب، ويكفي في ذلك المنع‏.‏
ثم يقال‏:‏ بل لا مناسبة تقتضي المحبة الكاملة إلا المناسبة التي بين المخلوق والخالق، الذي لا إله غيره، الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله، وله المثل الأعلى في السموات والأرض‏.‏ وحقيقة قول هؤلاء جحد كون اللّه معبودًا في الحقيقة؛ ولهذا وافق على هذه المسألة طوائف من الصوفية المتكلمين الذين ينكرون أن يكون اللّه محبًا في الحقيقة، فأقروا بكونه محبوبًا ومنعوا كونه محبًا؛ لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول أولئك المتكلمة، فأخذوا عن الصوفية مذهبهم في المحبة وإن كانوا قد يخلطون فيه، وأصل إنكارها إنما هو قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية، فأما محبة الرب عبده فهم لها أشد إنكارًا‏.‏ ومنكروها قسمان‏:‏
/قسم يتأولونها بنفس المفعولات التي يحبها العبد فيجعلون محبته نفس خلقه‏.‏
وقسم يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات‏.‏ وقد بسطنا الكلام في ذلك في قواعد الصفات والقدر وليس هذا موضعها‏.‏
ومن المعلوم أنه قد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على أن اللّه يحب ويرضى ما أمر بفعله من واجب ومستحب، وإن لم يكن ذلك موجودًا، وعلى أنه قد يريد وجود أمور يبغضها ويسخطها من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر، وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 205‏]‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 7‏]‏‏.‏
والمقصود هنا إنما هو ذكر محبة العباد لإلههم‏.‏
وقد تبين أن ذلك هو أصل أعمال الإيمان، ولم يتبين بين أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان نزاع في ذلك، وكانوا يحركون هذه المحبة بما شرع اللّه أن تحرك به من أنواع العبادات الشرعية، كالعرفان الإيماني والسماع الفرقاني، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ‏}‏إلى آخر السورة ‏[‏الشورى‏:‏ 52، 53‏]‏‏.‏

عدد المشاهدات *:
12040
عدد مرات التنزيل *:
356624
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : فَصْــل استلزام الخوف والرجاء للمحبة ـ أ ـ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  فَصْــل استلزام الخوف والرجاء للمحبة ـ أ ـ
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فَصْــل استلزام الخوف والرجاء للمحبة ـ أ ـ لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية