اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم
يوم الخميس 6 ربيع الثاني 1440 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

لا اله الا الله

لحظة من فضلك


اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم

المواد المختارة


بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد الحادي عشر
كتاب التّـصًــــــــــوُّف
في التفرقة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏
فصـــل في كون الأنبياء أفضل من الأولياء ـ أ ـ
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصـــل
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم ‏[‏أربع مراتب‏]‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏‏.‏
وفي الحديث‏:‏ ‏(‏ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر‏)‏ وأفضل الأمم أمة محمد صلى الله علية وسلم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏110‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏32 ‏]‏، وقال النبي صلى الله علية وسلم في الحديث الذي في المسند‏:‏ ‏(‏أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله‏)‏‏.‏
وأفضل أمة محمد صلى الله علية وسلم القرن الأول ‏.‏
وقد ثبت عن النبي صلى الله علية وسلم من غير وجه أنه قال‏:‏ ‏(‏خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم‏)‏ وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين أيضًا عنه صلى الله علية وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه‏)‏‏.‏
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏10‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏100‏]‏ والسابقون الأولون الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح صلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة، وفيه أنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 1، 2‏]‏، فقالوا‏:‏ يا رسول الله، أو فتح هو ‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏
وأفضل السابقين الأولين ‏[‏الخلفاء الأربعة‏]‏ وأفضلهم أبو بكر ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في ‏[‏منهاج/ أهل السنة النبوية، في نقض كلام أهل الشيعة والقدرية‏]‏‏.‏
وبالجملة، اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة، وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله علية وسلم واتباعًا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملًا به، فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد صلى الله علية وسلم أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد صلى الله علية وسلم، وأفضلهم أبو بكر ـ رضي الله عنه‏.‏
وقد ظن طائفة غالطة أن ‏[‏خاتم الأولياء‏]‏ أفضل الأولياء قياسًا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن على الحكيم الترمذى، فإنه صنف مصنفًا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك ابن عربى صاحب ‏[‏كتاب الفتوحات المكية‏]‏ و ‏[‏كتاب الفصوص‏]‏ فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال‏:‏ فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن‏.‏
/ذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ أفضل من الأولياء فكيف الأنبياء كلهم ‏؟‏ والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتى بعدهم ويدعى أنه خاتم الأولياء ‏؟‏‏!‏ وليس آخر الأولياء أفضلهم، كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد صلى الله علية وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك‏.‏ كقوله صلى الله علية وسلم‏:‏ ‏(‏أنا سيد ولد آدم ولا فخر‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏آتى باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن‏:‏ من أنت‏؟‏ فأقول‏:‏ ‏(‏محمد‏)‏، فيقول‏:‏ بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك‏)‏‏.‏
و‏[‏ليلة المعراج‏]‏ رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم فكان أحقهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏، إلى غير ذلك من الدلائل، كل منهم يأتيه الوحي من الله، لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن في نبوته محتاجًا إلى غيره، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وجاء المسيح فكملها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح؛ كالتوراة والزبور، وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين، بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدَّث، بل جمع له من الفضائل والمعارف/ والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به من الله بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر‏.‏
وهذا بخلاف ‏[‏الأولياء‏]‏ فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليًا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليًا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه‏.‏
ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد، وإذا قال‏:‏ أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة؛ فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا‏:‏ إن محمدًا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارًا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول‏:‏ إن محمدًا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن، آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ، وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة‏.‏
/فإذا ادعى المدعي أن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول‏:‏ أومن ببعض، وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين‏.‏
وهؤلاء الملاحدة يدعون أن ‏[‏الولاية‏]‏ أفضل من ‏[‏النبوة‏]‏ ويلبسون على الناس فيقولون‏:‏ ولايته أفضل من نبوته وينشدون‏:‏
مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي
ويقولون‏:‏ نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى، فضلا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون‏.‏
وكل رسول نبي ولي، فالرسول نبي ولي‏.‏ ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لولايته، وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليًا لله، ولا تكون مجردة عن ولايته، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته‏.‏
/وهؤلاء قد يقولون ـ كما يقول صاحب ‏[‏الفصوص‏]‏ ابن عربي ـ ‏:‏ إنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول؛ وذلك أنهم اعتقدوا ‏[‏عقيدة المتفلسفة‏]‏ ثم أخرجوها في قالب ‏[‏المكاشفة‏]‏، وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا‏:‏ إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبه بها، كما يقوله أرسطو وأتباعه؛ أو لها موجب بذاته كما يقوله متأخروهم‏:‏ كابن سينا وأمثاله، ولا يقولون‏:‏ إنها لرب خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات؛ بل إما أن ينكروا علمه مطلقًا، كقول أرسطو، أو يقولوا‏:‏ إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن سينا، وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معين جزئي‏:‏ الأفلاك كل معين منها جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان‏.‏
والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر في ‏[‏درء تعارض العقل والنقل‏]‏ وغيره‏.‏
فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، فإن جميع هؤلاء يقولون‏:‏ إن الله خلق السموات والأرض، وأنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من المتفلسفة/ واليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علوم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب، كثير الخطأ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة، وركبوا مذهبًا قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل؛ وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع‏.‏
وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قد بهر العالم، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم ناموس طرق العالم، ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن‏.‏ أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأولئك قد أثبتوا عقولًا عشرة يسمونها ‏[‏المجردات‏]‏ و‏[‏المفارقات‏]‏‏.‏ وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، وسموا تلك ‏[‏المفارقات‏]‏ لمفارقتها المادة وتجردها عنها، وأثبتوا الأفلاك لكل فلك نفسًا، وأكثرهم جعلوها أعراضًا، وبعضهم جعلها جواهر‏.‏
وهذه ‏[‏المجردات‏]‏ التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور/ موجودة في الأذهان لا في الأعيان، كما أثبت أصحاب أفلاطون ‏[‏الأمثال الأفلاطونية المجردة‏]‏ أثبتوا هيولي مجردة عن الصورة، ومدة وخلاء مجردين‏.‏ وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان، فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم الفاسدة، وزعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي‏:‏
الأول‏:‏ أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها من العلم بلا تعلم‏.‏
الثاني‏:‏ أن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في نفسه صورًا أو يسمع في نفسه أصواتًا كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى‏.‏
الثالث‏:‏ أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولي العالم وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة، هي قوى النفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية، دون انشقاق القمر ونحو ذلك، فإنهم ينكرون وجود هذا‏.‏
/وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع، وبينا أن كلامهم هذا أفسد الكلام، وإن هذا الذي جعلوه من الخصائص يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء، وإن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 31‏]‏، وليسوا عشرة، وليسوا أعراضًا، لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو ‏[‏العقل الأول‏]‏، وعنه صدر كل ما دونه، و‏[‏العقل الفعال العاشر‏]‏ رب كل ما تحت فلك القمر‏.‏
وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله‏.‏ وهؤلاء يزعمون أنه العقل المذكور في حديث يروى‏:‏ ‏(‏أن أول ما خلق الله العقل، فقال له‏:‏ أقبل فأقبل، فقال له‏:‏ أدبر، فأدبر، فقال‏:‏ وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي، ولك الثواب وعليك العقاب‏)‏‏.‏ ويسمونه أيضًا ‏[‏القلم‏]‏ لما روى‏:‏ ‏(‏إن أول ما خلق الله القلم‏)‏ الحديث رواه الترمذي‏.‏
والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم البستي والدارقطني وابن الجوزي وغيرهم، وليس في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع /هذا فلفظه لو كان ثابتًا حجة عليهم، فإن لفظه‏:‏ ‏(‏أول ما خلق الله تعالى العقل قال له‏)‏ ويروي ‏:‏ ‏(‏لما خلق الله العقل قال له‏)‏ فمعنى الحديث‏:‏ أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، ليس معناه أنه أول المخلوقات و ‏[‏أول‏]‏ منصوب على الظرف كما في اللفظ الآخر ‏[‏لما‏]‏ وتمام الحديث‏:‏ ‏(‏ما خلقت خلقًا أكرم علي منك‏)‏ فهذا يقتضي أنه خلق قبله غيره، ثم قال‏:‏ ‏(‏فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب‏)‏ فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي والسفلي صدر عن ذلك العقل‏.‏ فأين هذا من هذا ‏؟‏‏!‏
وسبب غلطهم أن لفظ ‏[‏العقل‏]‏ في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان، فإن ‏[‏العقل‏]‏ في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا، كما في القرآن‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 12‏]‏، ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا‏}‏‏[‏الحج‏:‏ 46‏]‏ ويراد ‏[‏بالعقل‏]‏ الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها‏.‏
وأما أولئك فـ ‏[‏العقل‏]‏ عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل، وليس هذا مطابقًا للغة الرسل والقرآن‏.‏ وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الأجسام العقل والنفوس فيسميها عالم الأمر، وقد يسمى ‏[‏العقل‏]‏ عالم الجبروت و‏[‏النفوس‏]‏ عالم الملكوت؛ و‏[‏الأجسام‏]‏ /عالم الملك، ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا، وليس الأمر كذلك‏.‏
وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسًا كثيرًا، كإطلاقهم أن ‏[‏الفلك‏]‏ محدث‏:‏ أي معلول مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم، ليس في لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثًا، والله قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل، ولا أحكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا، ولا للأعداء كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك، كما قد بسط في غير هذا الموضع‏.‏
وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون ‏[‏جبريل‏]‏ هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم ‏[‏أولياء الله‏]‏، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربي صاحب ‏[‏الفتوحات‏]‏ و‏[‏الفصوص‏]‏، فقال‏:‏ / إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول، و ‏[‏المعدن‏]‏ عنده هو العقل و ‏[‏الملك‏]‏ هو الخيال، و‏[‏الخيال‏]‏ تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه لم يكن هو من جنسه، فضلا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين‏؟‏‏!‏ والنبوة أمر وراء ذلك، فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية، فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم، فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة‏:‏ كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهم ـ رضوان الله عليهم أجمعين‏.‏

عدد المشاهدات *:
13106
عدد مرات التنزيل *:
295144
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : فصـــل في كون الأنبياء أفضل من الأولياء ـ أ ـ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  فصـــل في كون الأنبياء أفضل من الأولياء ـ أ ـ
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فصـــل في كون الأنبياء أفضل من الأولياء ـ أ ـ لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية