اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الإثنين 23 جمادى الآخرة 1441 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد السابع والعشرون
كتاب الزيارة وشد الرحال إليها
فصل في قبور الأنبياء و الصالحين
سئل: عن المشهد المنسوب إلى الحسين ـ رضي الله عنه ـ بمدينة القاهرة ‏هل هو صحيح؟
مجموع فتاوى ابن تيمية
وسئل شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ـ عن المشهد المنسوب إلى الحسين ـ رضي الله عنه ـ بمدينة القاهرة ‏:‏
هل هو صحيح أم لا ‏؟‏
وهل حمل رأس الحسين إلى دمشق، ثم إلى مصر، أم حمل إلى المدينة من جهة العراق‏؟‏
وهل لما يذكره بعض الناس من جهة المشهد الذي كان بعسقلان صحة أم لا‏؟‏
ومن ذكر أمر رأس الحسين، ونقله إلى المدينة النبوية دون الشام ومصر‏؟‏
ومن جزم من العلماء المتقدمين والمتأخرين بأن مشهد عسقلان ومشهد القاهرة مكذوب، وليس بصحيح‏؟‏
وليبسطوا القول في ذلك لأجل مسيس الضرورة والحاجة إليه، / مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد لله، بل المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ الذي بالقاهرة كذب مختلق، بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم، الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم‏.‏ ولا يعرف عن عالم مسمي معروف بعلم وصدق أنه قال‏:‏ إن هذا المشهد صحيح‏.‏ وإنما يذكره بعض الناس قولا عمن لا يعرف، علي عادة من يحكي مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب‏.‏
فإنهم ينقلون أحاديث وحكايات، ويذكرون مذاهب ومقالات‏.‏ وإذا طالبتهم بمن قال ذلك ونقله، لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها‏.‏ ولم يسموا أحدًا معروفا بالصدق في نقله، ولا بالعلم في قوله، بل غاية ما يعتمدون عليه أن يقولوا‏:‏ أجمعت الطائفة الحقة‏.‏ وهم عند أنفسهم الطائفة الحقة، الذين هم عند أنفسهم المؤمنون، وسائر الأمة سواهم كفار‏.‏
ويقولون‏:‏ إنما كانوا علي الحق لأن فيهم الإمام المعصوم، والمعصوم عند الرافضة الإمامية الاثني عشرية‏:‏هو الذي يزعمون أنه دخل إلى/سرداب سامرا بعد موت أبيه الحسن بن علي العسكري سنة ستين ومائتين، وهو إلى الآن غائب، لم يعرف له خبر، ولا وقع له أحد علي عين ولا أثر‏.‏
وأهل العلم بأنساب أهل البيت يقولون‏:‏ إن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب‏.‏ ولا ريب أن العقلاء كلهم يعدون مثل هذا القول من أسفه السفه، واعتقاد الإمامة والعصمة في مثل هذا، مما لا يرضاه لنفسه إلا من هو أسفه الناس وأضلهم وأجهلهم وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا‏.‏
والمقصود هنا بيان جنس المقولات والمنقولات عند أهل الجهل والضلالات‏.‏
فإن هؤلاء عند الجهال الضلال يزعمون أن هذا المنتظر كان عمره عند موت أبيه إما سنتين، أو ثلاثًا، أو خمسًا، علي اختلاف بينهم في ذلك‏.‏
وقد علم بنص القرآن والسنة المتواترة، وإجماع الأمة‏:‏ أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله‏.‏ فيكون هو نفسه محضونًا مكفولا لآخر يستحق كفالته في نفسه، وماله تحت من يستحق النظر والقيام عليه من ذمي أو غيره‏.‏ وهو قبل السبع طفل لا يؤمر / بالصلاة‏.‏ فإذا بلغ العشر ولم يصل، أدب علي فعلها‏.‏ فكيف يكون مثل هذا إماما معصومًا، يعلم جميع الدين، ولا يدخل الجنة إلا من آمن به‏؟‏‏!‏
ثم بتقدير وجوده، وإمامته وعصمته، إنما يجب على الخلق أن يطيعوا من يكون قائما بينهم؛ يأمرهم بما أمرهم الله به ورسوله، وينهاهم عما نهاهم عنه الله ورسوله‏.‏ فإذا لم يروه ولم يسمعوا كلامه، لم يكن لهم طريق إلى العلم بما يأمر به وما ينهى عنه‏.‏ فلا يجوز تكليفهم طاعته؛ إذ لم يأمرهم بشيء سمعوه وعرفوه، وطاعة من لا يأمر ممتنعة لذاتها‏.‏ وإن قدر أنه يأمرهم، ولكن لم يصل إليهم أمره، ولا يتمكنون من العلم بذلك، كانوا عاجزين غير مطيقين لمعرفة ما أمروا به، والتمكن من التعلم شرط في طاعة الأمر، ولا سيما عند الشيعة المتأخرين‏.‏ فإنهم من أشد الناس منعًا لتكليف ما لا يطاق؛ لموافقتهم المعتزلة في القدر والصفات أيضا‏.‏
وإن قيل‏:‏إن ذلك بسبب ذنوبهم؛ لأنهم أخافوه أن يظهر‏.‏
قيل‏:‏ هب أن أعداءه أخافوه، فأي ذنب لأوليائه ومحبيه‏؟‏ وأي منفعة لهم من الإيمان به، وهو لا يعلمهم شيئًا، ولا يأمرهم بشيء‏؟‏
ثم كيف جاز له ـ مع وجوب الدعوة عليه ـ أن يغيب هذه /الغيبة التي لها الآن أكثر من أربعمائة وخمسين سنة‏.‏
وما الذي سوغ له هذه الغيبة، دون آبائه الذين كانوا موجودين قبل موتهم، كعلي والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسي بن جعفر، وعلي بن موسي، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي العسكري‏؟‏‏!‏
فإن هؤلاء كانوا موجودين يجتمعون بالناس‏.‏ وقد أخذ عن علي والحسن والحسين وعلي ابن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد من العلم ما هو معروف عند أهله، والباقون لهم سير معروفة، وأخبار مكشوفة‏.‏ فما باله استحل هذا الاختفاء هذه المدة الطويلة أكثر من أربعمائة سنة‏.‏ وهو إمام الأمة، بل هو علي زعمهم هاديها وداعيها ومعصومها، الذي يجب عليها الإيمان به‏.‏ ومن لم يؤمن به فليس بمؤمن عندهم‏؟‏
فإن قالوا‏:‏ الخوف‏.‏
قيل‏:‏ الخوف علي آبائه كان أشد، بلا نزاع بين العلماء‏.‏ وقد حبس بعضهم، وقتل بعضهم‏.‏ ثم الخوف إنما يكون إذا حارب‏.‏ فأما إذا فعل كما كان يفعل سلفه من الجلوس مع المسلمين وتعليمهم لم يكن عليه خوف‏.‏
/وبيان ضلال هؤلاء طويل‏.‏
وإنما المقصود بيانه هنا‏:‏ أنهم يجعلون هذا أصل دينهم‏.‏
ثم يقولون‏:‏ إذا اختلفت الطائفة الحقة علي قولين، أحدهما‏:‏ يعرف قائله، والآخر‏:‏ لا يعرف قائله، كان القول الذي لا يعرف قائله هو الحق، هكذا وجدته في كتب شيوخهم، وعللوا ذلك‏:‏ بأن القول الذي لا يعرف قائله يكون من قائليه الإمام المعصوم‏.‏ وهذا نهاية الجهل والضلال‏.‏
وهكذا كل ما ينقلونه من هذا الباب‏.‏ ينقلون سيرًا أو حكايات وأحاديث، إذا ما طالبتهم بإسنادها لم يحيلوك علي رجل معروف بالصدق، بل حسب أحدهم أن يكون سمع ذلك من آخر مثله، أو قرأه في كتاب ليس فيه إسناد معروف، وإن سموا أحدًا، كان من المشهورين بالكذب والبهتان‏.‏ لا يتصور قط أن ينقلوا شيئا مما لا يعرف عند علماء السنة إلا وهو عن مجهول لا يعرف، أو عن معروف بالكذب‏.‏
ومن هذا الباب نقل الناقل‏:‏ أن هذا القبر الذي بالقاهرة ـ مشهد الحسين رضي الله عنه ـ بل وكذلك مشاهد غير هذا مضافة إلى قبر الحسين ـ رضي الله عنه ـ فإنه معلوم باتفاق الناس‏:‏ أن هذا / المشهد بني عام بضع وأربعين وخمسمائة، وأنه نقل من مشهد بعسقلان، وأن ذلك المشهد بعسقلان كان قد أحدث بعد التسعين والأربعمائة‏.‏
فأصل هذا المشهد القاهري‏:‏ هو ذلك المشهد العسقلاني‏.‏ وذلك العسقلاني محدث بعد مقتل الحسين بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة، وهذا القاهري محدث بعد مقتله بقريب من خمسمائة سنة‏.‏ وهذا مما لم يتنازع فيه اثنان ممن تكلم في هذا الباب من أهل العلم، علي اختلاف أصنافهم، كأهل الحديث، ومصنفي أخبار القاهرة، ومصنفي التواريخ‏.‏ وما نقله أهل العلم طبقة عن طبقة‏.‏ فمثل هذا مستفيض عندهم‏.‏ وهذا بينهم مشهور متواتر، سواء قيل‏:‏ إن إضافته إلى الحسين صدق أو كذب، لم يتنازعوا أنه نقل من عسقلان في أواخر الدولة العبيدية‏.‏
وإذا كان أصل هذا المشهد القاهري منقول عن ذلك المشهد العسقلاني باتفاق الناس وبالنقل المتواتر، فمن المعلوم أن قول القائل‏:‏ إن ذلك الذي بعسقلان هو مبني علي رأس الحسين ـ رضي الله عنه ـ قول بلا حجة أصلا‏.‏ فإن هذا لم ينقله أحد من أهل العلم الذين من شأنهم نقل هذا‏.‏ لا من أهل الحديث، ولا من علماء الأخبار والتواريخ، ولا من العلماء المصنفين في النسب؛ نسب قريش، أو نسب بني هاشم ونحوه‏.‏
/وذلك المشهد العسقلاني، أحدث في آخر المائة الخامسة، لم يكن قديما، ولا كان هناك مكان قبله أو نحوه مضاف إلى الحسين، ولا حجر منقوش ولا نحوه مما يقال‏:‏ إنه علامة علي ذلك‏.‏
فتبين بذلك أن إضافة مثل هذا إلى الحسين قول بلا علم أصلا‏.‏ وليس مع قائل ذلك ما يصلح أن يكون معتمدًا، لا نقل صحيح ولا ضعيف، بل لا فرق بين ذلك وبين أن يجيء الرجل إلى بعض القبور التي بأحد أمصار المسلمين، فيدعي أن في واحد منها رأس الحسين، أو يدعي أن هذا قبر نبي من الأنبياء ، أو نحو ذلك مما يدعيه كثير من أهل الكذب والضلال‏.‏
ومن المعلوم أن مثل هذا القول غير منقول باتفاق المسلمين‏.‏
وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء‏:‏ أن يدعي أنه رأي منامًا، أو أنه وجد بذلك القبر علامة تدل علي صلاح ساكنه؛ إما رائحة طيبة، وإما توهم خرق عادة ونحو ذلك، وإما حكاية عن بعض الناس‏:‏ أنه كان يعظم ذلك القبر‏.‏
فأما المنامات فكثير منها، بل أكثرها كذب، وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأي منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أن فيه أثر نبي ونحو ذلك‏.‏ ويكون كاذبًا‏.‏ /وهذا الشيء منتشر‏.‏ فرائي المنام غالبا ما يكون كاذبًا، وبتقدير صدقه، فقد يكون الذي أخبره بذلك شيطان‏.‏ والرؤيا المحضة التي لا دليل يدل علي صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق‏.‏ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الرؤيا ثلاثة‏:‏ رؤيا من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان‏)‏‏.‏
فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة‏.‏ فلابد من تمييز كل نوع منها عن نوع‏.‏
ومن الناس ـ حتى من الشيوخ الذي لهم ظاهر علم وزهد ـ من يجعل مستنده في مثل ذلك حكاية يحكيها عن مجهول، حتى إن منهم من يقول‏:‏ حدثني أخي الخضر أن قبر الخضر بمكان كذا‏.‏ ومن المعلوم الذي بيناه في غير هذا الموضع أن كل من ادعي أنه رأي الخضر، أو رأي من رأي الخضر أو سمع شخصا رأي الخضر أو ظن الرائي أنه الخضر‏:‏ أن كل ذلك لا يجوز إلا علي الجهلة المخرفين، الذين لا حظ لهم من علم ولا عقل ولا دين، بل هم من الذين لا يفقهون ولا يعقلون‏.‏
وأما ما يذكر من وجود رائحة طيبة، أو خرق عادة أو نحو ذلك مما يتعلق بالقبر، فهذا لا يدل علي تعينه‏.‏ وأنه فلان أو فلان، بل /غاية ما يدل عليه ـ إذا ثبت ـ أنه دليل علي صلاح المقبور، وأنه قبر رجل صالح أو نبي‏.‏
وقد تكون تلك الرائحة مما صنعه بعض السوقة‏.‏ فإن هذا مما يفعله طائفة من هؤلاء، كما حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان، وكان أحدهما قد اتخذ قبرًا تجبي إليه أموال ممن يزوره وينذر له من الضلال، فعمد الآخر إلى قبر، وزعم أنه رأي في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف، وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة‏.‏
وقد حدثني جيران القبر الذي بجبل لبنان بالبقاع، الذي يقال‏:‏ إنه قبر نوح، وكان قد ظهر قريبا في أثناء المائة السابعة، وأصله‏:‏ أنهم شموا من قبر رائحة طيبة ووجدوا عظاما كبيرة، فقالوا‏:‏ هذه تدل علي كبير خلق البنية‏.‏ فقالوا ـ بطريق الظن ـ‏:‏ هذا قبر نوح‏.‏ وكان بالبقعة موتي كثيرون من جنس هؤلاء‏.‏
وكذلك هذا المشهد العسقلاني، قد ذكر طائفة أنه قبر بعض الحواريين أو غيرهم من أتباع عيسي ابن مريم‏.‏ وقد يوجد عند قبور الوثنيين من جنس ما يوجد عند قبور المؤمنين، بل إن زعم الزاعم أنه قبر الحسين ظن وتخرص‏.‏ وكان من الشيوخ المشهورين بالعلم والدين / بالقاهرة من ذكروا عنه أنه قال‏:‏ هو قبر نصراني‏.‏
وكذلك بدمشق بالجانب الشرقي مشهد يقال‏:‏ إنه قبر أبي بن كعب‏.‏ وقد اتفق أهل العلم علي أن أبيا لم يقدم دمشق‏.‏ وإنما مات بالمدينة‏.‏ فكان بعض الناس يقول‏:‏ إنه قبر نصراني‏.‏ وهذا غير مستبعد‏.‏ فإن اليهود والنصارى هم السابقون في تعظيم القبور والمشاهد؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه‏:‏ ‏(‏لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ يحذر ما فعلوا‏.‏
والنصارى أشد غلوًا في ذلك من اليهود، كما في الصحيحين عن عائشة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة ـ رضي الله عنهما ـ كنيسة بأرض الحبشة، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات، بنوا علي قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة‏)‏‏.‏
والنصارى كثيرًا ما يعظمون آثار القديسين منهم‏.‏ فلا يستبعد أنهم ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم علي تعظيمه‏.‏ كيف لا وهم قد أضلوا كثيرًا من جهال المسلمين، حتى صاروا يعَمِّدون أولادهم، ويزعمون أن ذلك يوجب طول العمر للولد، وحتى جعلوهم يزورون ما يعظمونه من الكنائس والبيع، وصار كثير من /جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصاري، كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصاري ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهبانهم ونحوهم‏؟‏‏!‏
والذين يعظمون القبور والمشاهد لهم شبه شديد بالنصاري، حتى إني لما قدمت القاهرة اجتمع بي بعض معظميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصاري، حتى بينت له فساد ذلك، وأجبته عما يدعيه من الحجة، وبلغني بعد ذلك أنه صنف كتابا في الرد علي المسلمين، وإبطال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأحضره إلى بعض المسلمين، وجعل يقرؤوه علي لأجيب عن حجج النصاري وأبين فسادها‏.‏
وكان من أواخر ما خاطبت به النصراني‏:‏ أن قلت له‏:‏ أنتم مشركون، وبينت من شركهم ما هم عليه من العكوف علي التماثيل والقبور وعبادتها، والاستغاثة بها‏.‏
قال لي‏:‏ نحن ما نشرك بهم ولا نعبدهم‏.‏ وإنما نتوسل بهم، كما يفعل المسلمون إذا جاؤوا إلى قبر الرجل الصالح، فيتعلقون بالشباك الذي / عليه ونحو ذلك‏.‏
فقلت له‏:‏ وهذا ـ أيضا ـ من الشرك، ليس هذا من دين المسلمين، وإن فعله الجهال، فأقر أنه شرك، حتى أن قسيسا كان حاضرًا في هذه المسألة‏.‏ فلما سمعها قال‏:‏ نعم، علي هذا التقدير نحن مشركون‏.‏
وكان بعض النصاري يقول لبعض المسلمين‏:‏ لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة، لنا السيد المسيح والسيدة مريم، ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة‏.‏
فالنصاري يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ويشابهونهم فيه ويحبون أن يقوي ذلك ويكثر، ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عباد المسلمين، وقسيسيهم مثل علماء المسلمين‏.‏ ويضاهئون المسلمين، فإن عقلاءهم لا ينكرون صحة دين الإسلام، بل يقولون‏:‏ هذا طريق إلى الله، وهذا طريق إلى الله‏.‏
ولهذا يسهل إظهار الإسلام علي كثير من المنافقين الذين أسلموا منهم‏.‏ فإن عندهم أن المسلمين والنصارى كأهل المذاهب من المسلمين، بل يسمون الملل مذاهب‏.‏ ومعلوم أن أهل المذاهب، كالحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، دينهم واحد‏.‏ وكل من أطاع الله ورسوله منهم بحسب وسعه كان مؤمنًا سعيدًا باتفاق المسلمين‏.‏
/فإذا اعتقد النصاري مثل هذا في الملل يبقي انتقال أحدهم عن ملته كانتقال الإنسان من مذهب إلى مذهب‏.‏ وهذا كثيرًا ما يفعله الناس لرغبة أو رهبة‏.‏ وإذا بقي أقاربه وأصدقاؤه علي المذهب الأول لم ينكر ذلك، بل يحبهم ويودهم في الباطن؛ لأن المذهب كالوطن، والنفس تحن إلى الوطن، إذا لم تعتقد أن المقام به محرم أو به مضرة وضياع دنيا‏.‏ فلهذا يوجد كثير ممن أظهر الإسلام من أهل الكتاب لا يفرق بين المسلمين وأهل الكتاب‏.‏
ثم منهم من يميل إلى المسلمين أكثر، ومنهم من يميل إلى ما كان عليه أكثر‏.‏
ومنهم من يميل إلى أولئك من جهة الطبع والعادة، أو من جهة الجنس والقرابة والبلد، والمعاونة على المقاصد ونحو ذلك‏.‏
وهذا كما أن الفلاسفة ومن سلك سبيلهم من القرامطة والاتحادية ونحوهم يجوز عندهم أن يتدين الرجل بدين المسلمين واليهود والنصارى‏.‏
ومعلوم أن هذا كله كفر باتفاق المسلمين‏.‏
فمن لم يقر باطنا وظاهرًا بأن الله لا يقبل دينًا سوي الإسلام، فليس بمسلم‏.‏
/ومن لم يقر بأن بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لن يكون مسلم إلا من آمن به واتبعه باطنًا وظاهرًا فليس بمسلم‏.‏ ومن لم يحرم التدين ـ بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم ـ بدين اليهود والنصارى، بل من لم يكفرهم ويبغضهم، فليس بمسلم باتفاق المسلمين‏.‏
والمقصود هنا أن النصاري يحبون أن يكون في المسلمين ما يشابهونهم به ليقوي بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون عنهم وعن دينهم‏.‏
ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بمخالفة اليهود والنصارى، كما قد بسطناه في كتابنا ‏(‏اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم‏)‏‏.‏
وقد حصل للنصاري من جهال المسلمين كثير من مطلوبهم، لا سيما من الغلاة من الشيعة وجهال النساك والغلاة في المشايخ‏.‏ فإن فيهم شبهًا قريبا بالنصاري في الغلو والبدع في العبادات ونحو ذلك؛ فلهذا يلبسون علي المسلمين في مقابر تكون من قبورهم، حتى يتوهم الجهال أنها من قبور صالحي المسلمين ليعظموها‏.‏
وإذا كان ذلك المشهد العسقلاني قد قال طائفة‏:‏ إنه قبر بعض النصاري، أو بعض الحواريين ـ وليس معنا ما يدل علي أنه قبر مسلم، فضلا عن أن يكون قبرًا لرأس الحسين ـ كان قول من قال‏:‏ إنه قبر /مسلم ـ الحسين أو غيره ـ قولا زورًا وكذبًا مردودًا علي قائله‏.‏
فهذا كافٍ في المنع من أن يقال‏:‏ هذا مشهد الحسين‏.‏

عدد المشاهدات *:
10984
عدد مرات التنزيل *:
356584
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : سئل: عن المشهد المنسوب إلى الحسين ـ رضي الله عنه ـ بمدينة القاهرة ‏هل هو صحيح؟
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  سئل: عن المشهد المنسوب إلى الحسين ـ رضي الله عنه ـ بمدينة القاهرة ‏هل هو صحيح؟
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  سئل: عن المشهد المنسوب إلى الحسين ـ رضي الله عنه ـ بمدينة القاهرة ‏هل هو صحيح؟  لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية