اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الإثنين 7 ربيع الثاني 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

الجنة

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
النكاح
زاد المعاد في هدي خير العباد
المجلد الخامس
فصل في الخلع
الكتب العلمية
وفى تسميتة سبحانه الخلعَ فديةً، دليل على أن فيه معنى المعاوضةِ، ولهذا اعتُبر فيه رضى الزوجين، فإذا تَقَايَلا الخلعَ وردَّ عليها ما أخذ منها، وارتجعها فى العِدة، فهل لهما ذلك؟ منعه الأئمة الأربعة وغيرهم وقالوا قد بانت منه بنفس الخلع، وذكر عبد الرازق، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب أنه قال فى المختلعة: إن شاء أن يُراجِعَها، فليردَّ عليها ما أخذ منها فى العدة، وليشهد على رجعتها. قال معمر: وكان الزهرى يقول مثل ذلك. قال قتادة: وكان الحسن يقول: لا يُراجعها إلا بخطبة.
ولقولِ سعيد بن المسيب، والزهرى وجهٌ دقيق مِن الفقه، لطيفُ المأخذ، تتلقاه قواعِدُ الفقِه وأصوله بالقبول، ولا نكارة فيه، غير أن العملَ على خلافه، فإن المرأة ما دامت فى العدة فهى فى حبسه، ويلحقُها صريحُ طلاقه المنجز عند طائفة من العلماء، فإذا تقايلا عقد الخلع، وتراجعا إلى ما كان عليه بتراضيهما، لم تمنع قواعدُ الشرع ذلك، وهذا بخلاف ما بعدَ العِدة، فإنها قد صارت منه أجنبية محضة، فهو خاطبٌ من الخطاب، ويدل على هذا أن له يتزوجها فى عدتها منه بخلاف غيره.
فصل
وفى أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تعتدَّ بحيضة واحدة، دليل على حُكمين أحدهما: أنه لا يجبُ عليها ثلاثُ حيض، بل تكفيها حيضة واحدة، وهذا كما أنه صريحُ السنة، فهو مذهبُ أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ، وعمها وهو مِن كبار الصحابة، لا يُعرف لهم مخالفٌ منهم، كما رواه الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أنه سمع الرُّبَيِّعَ بنتَ معوِّذِ بن عفراء وهى تُخبِرُ عبد الله بن عمر رضى الله عنه أنها اختلعت مِن زوجها على عهد عثمان بن عفان، فجاء عمُّها إلى عثمان ابن عفان، فقال له: إن ابنة مُعَوِّذٍ اختلعت من زوجها اليوم، أفتنتقل؟ فقال عثمان: لِتنتقِلْ ولا ميراثَ بينهما، ولا عِدة عليها إلا أنها لا تَنْكِحُ حتى تحيضَ حيضةُ خشيةَ أن يكون بها حبل. فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرُنا وأعلمُنا ؛ وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهوية، والإمام أحمد فى رواية عنه، اختارها، شيخُ الإسلام ابن تيمية.
قال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعِدِ الشريعة، فإن العدة إنما جُعِلَتْ ثلاثَ حيضِ ليطولَ زمن الرجعة، فيتروَّى الزوج، ويتمكَّن من الرجعة فى مدة العِدة فإذا لم تكن عليها رجعة، فالمقصودُ مجردُ براءة رَحِمِها من الحمل، وذلك يكفى فيه حيضة، كالاستبراء. قالوا: ولا ينتقضُ هذا علينا بالمطلقةِ ثلاثاً، فإن باب الطلاق جُعِلَ حكمُ العدة فيه واحداً بائنة ورجعية.
قالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وهو مذهبُ ابن عباس، وعثمان، وابن عمر، والرُّبيع، وعمها، ولا يَصِحُّ عن صحابى أنه طلاق ألبتة، فروى الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمرو، عن طاووس، عن ابن عباس رضى الله عنهم أنه قال: الخُلْعُ تفريقٌ، وليس بطلاق.
وذكر عبد الرزاق، عن سُفيان، عن عمرو، عن طاووس، أن إبراهيم بن سعد ابن أبى وقاص سأله عن رجل طلَّق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، أينكِحُها؟ قال ابنُ عباس: نعم ذكر الله الطلاقَ فى أوَّل الآية وآخِرها، والخلعَ بين ذلك.
فإن قيل: كيف تقولون: إنه لا مخالف لمن ذكرتُم مِن الصحابة، وقد روى حمادُ ابن سلمة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن جُمْهَانَ، أن أم بكرة الأسلمية كانت تحتَ عبد الله بن أُسيد واختلعت منه، فَندِما، فارتفعا إلى عُثمان بن عفان، فأجاز ذلك، وقال: هى واحدة إلا أن تكونَ سمَّت شيئاً، فهو على ما سمَّت.
وذكر ابنُ أبى شيبة: حدثنا على بن هاشم، عن ابن أبى ليلى، عن طلحة بن مصرِّف، عن إبراهيم النَّخعى، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: لا تكون تطليقة بائنة إلا فى فدية أو إيلاء. وروُى عن على بن أبى طالب، فهؤلاء ثلاثةُ مِن أجلاء الصحابة رضى الله عنهم.
قيل: لا يَصِحُّ هذا عن واحد منهم، أما أثر عثمان رضى الله عنه، فطعن فيه الإمام أحمد، والبيهقى، وغيرُهما، قال شيخنا: وكيف يَصِحُّ عن عثمان، وهو لا يرى فيه عِدة، وإنما يرى الاستبراء فيه بحيضة؟ فلو كان عنده طلاَقاً، لأوجب فيه العدة، وجُمْهَانُ الراوى لهذه القصة عن عثمان لا نعرفه بأكثر من أنه مولى الأسلميين.
وأما أثر على بن أبى طالب، فقال أبو محمد ابن حزم: رويناه من طريق لا يصح عن على رضى الله عنه. وأمثلها: أثر ابنِ مسعودَ على سوء حفظ ابن أبى ليلى، ثم غايتُه إن كان محفوظاً أن يدُلَّ على أن الطلقة فى الخلع تقع بائنة لا أن الخلع يكون طلاقاً بائناً، وبين الأمرين فرق ظاهر.
والذى يَدُلُّ على أنه ليس بطلاق أن الله سبحانه وتعالى رتَّبَ على الطَّلاقِ بعد الدُّخولِ الذى لم يَستوفِ عدده ثلاثة أحكام، كلُّها منتفية عن الخلع. أحدها: أن الزوجَ أحقُّ بالرجعة فيه. الثانى: أنه محسوب مِن الثلاث، فلا تَحِلُّ بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة. الثالث: أن العدة فيه ثلاثةُ قروء، وقد ثبت بالنصِّ والإجماع أنه لا رجعة فى الخُلع وثبت بالسنة وأقوالِ الصحابة أن العِدة فيه حيضةٌ واحدة، وثبت بالنص جوازه طلقتين، ووقوع ثالثة بعده، وهذا ظاهر جداً فى كونه ليس بطلاق، فإنه سبحانه قال:{الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُم أن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَّ أنْ يَخَافَا أنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُم أنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ الله فلا جُناحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] وهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين، فإنه يتناولها وغيرَهما، ولا يجوزُ أن يعودَ الضميرُ إلى من لم يذكر، ويُخلى منه المذكور، بل إما أن يختصَّ بالسابق أو يتناوله وغيره، ثم قال: {فَإِنْ طَلَّقَها فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة: 230] وهذا يتناولُ مَنْ طلقت بعد فديةٍ وطلقتين قطعاً لأنها هى المذكورة، فلا بُدَّ من دخولها تحت اللفظ، وهكذا فَهِمَ ترجُمانُ القرآن الذى دعا له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلِّمَه اللَّهُ تأويلَ القُرآن، وهى دعوة مستجابة بلا شكٍّ.
وإذا كانت أحكامُ الفدية غيرَ أحكامِ الطَّلاقِ، دَلَّ على أنها من غيرِ جِنسه، فهذا مقتضى النصِّ، والقياسِ، وأقوالِ الصحابة، ثم من نظر إلى حقائقِ العقود ومقاصِدها دون ألفاظها يَعُدُّ الخلع فسخاً بأى لفظٍ كان حتى بلفظ الطَّلاقِ، وهذا أحدُ الوجهين لأصحاب أحمد، وهو اختيارُ شيخنا. قال: وهذا ظاهرُ كلامِ أحمد، وكلام ابن عباس وأصحابه. قال ابنُ جريج: أخبرنى عمروُ بنُ دينار، أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: ما أجازَه المالُ، فليسَ بطلاقٍ. قال عبدُ الله بنُ أحمد: رأيتُ أبى كان يذهبُ إلى قول ابن عباس. وقال عمرو، عن طاووس عن ابن عباس: الخلعُ تفريقٌ وليس بطلاق، وقال ابنُ جريج، عن ابن طاووس: كان أبى لا يرى الفداء طلاقاً ويُخِّيرُه.
ومن اعتبر الألفاظ ووقفَ معها، واعتبرها فى أحكام العُقودِ، جعله بلفظ الطلاق طلاقاً، وقوَاعِدُ الفقه وأصولُه تشهد أن الرْعِىَّ فى العقود حقائقُها ومعانيها لا صورُها وألفاظُها، وباللَّه التوفيق. ومما يَدُلُّ على هذا، أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمر ثابتَ بنَ قيس أن يُطلِّق امرأتَه فى الخُلعِ تطليقةً، ومع هذا أمرها أن تعتدَّ بحيضة، وهذا صريحُ فى أنه فسخ، ولو وقع بلفظ الطلاق.
وأيضاً فإنه سبحانه علَّق عليه أحكامَ الفدية بكونه فدية، ومعلومُ أنَّ الفِدية لا تختص بلفظ، ولم يُعين الله سبحانه لها لفظاً معيَّناً، وطلاقُ الفداء طلاقُ مقيَّد، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق، كما لا يدخلُ تحتها فى ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة، وباللَّه التوفيق.
ذكرُ أحكام رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فى الطلاق
ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم فى طلاق الهازل، وزائل العقل، والمكرَه والتطليق فى نفسه
فى ((السنن)): من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، ((ثَلاَثُ جِدُّهُنَّ جِدُّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، والطَّلاَقُ، والرَّجْعَةُ)).
وفيها: عنه من حديث ابن عباس: ((إنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)).
وفيها: عنه صلى الله عليه وسلم، ((لا طَلاَقَ ولا عتاق فى إِغْلاقٍ)).
وصح عنه أنه قال للمُقِرِّ بالزنى: ((أبِكَ جُنُونُ))؟
وثبت عنه أنه أمرَ بِهِ أن يُستنكه.
وذكر البخارى فى ((صحيحه)): عن على، أنه قال لِعُمَر: ألم تعلم أَنَّ القلم رُفِعَ عن ثلاث: عن المجنونِ حتى يُفيقَ، وعن الصَّبِىِّ حتى يُدرِكَ، وعن النائم حتى يستيقظ.
وفى ((الصحيح)) عنه صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثت بِهِ أنفُسَها مَا لَمْ تكَلَّمْ، أَو تَعْملْ بِه)).
فتضمَّنت هذه السنن، أن ما لم يَنْطِقْ به اللسان مِن طلاق أو عِتاق، أو يمين، أو نذر ونحوِ ذلك، عفوٌ غيرُ لازم بالنية والقصد، وهذا قولُ الجمهور، وفى المسألة قولان آخرانِ.
أحدهما: التوقف فيها، قال عبد الرزاق، عن معمر: سئل ابنُ سيرين عمن طلَّق فى نفسه، فقال: أليس قد عَلِمَ الله ما فى نفسك؟ قال: بلى، قال: فلا أقولُ فيها شيئاً.
والثانى: وقوعُه إذا جزَم عليه، وهذا روايةُ أشهب عن مالك، ورُوى عن الزهرى وحجةُ هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ))، وأن من كفر فى نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى:{وإنْ تُبْدُوا مَا فى أَنْفُسِكُم أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} [البقرة: 284]، وأن المصرَّ على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها، وبأن أعمالَ القلوب فى الثواب والعقاب كأعمالِ الجوارح، ولهذا يُثاب على الحبِّ والبُغض، والموالاة والمعاداة فى الله، وعلى التوكُّل والرِّضى، والعزمِ على الطاعة ويُعاقَبُ على الكِبر والحَسَدِ، والعُجب والشكِّ، والرِّياءِ وظنِّ السوء بالأبرياء.
ولا حُجة فى شىء من هذا على وقوعِ الطلاق والعتاق بمجرد النيةِ مِن غير تلفظ أما حديثُ ((الأعمال بالنيات)): فهو حجةٌ عليهم، لأنه أخبر فيه أن العملَ مع النية هو المعتبرُ، لا النية وحدَها، وأما من اعتقد الكُفْرَ بقلبه أو شكَّ، فهو كافر لِزوال الإيمان الذى هو عقدُ القلب مع الإقرار، فإذا زالَ العقدُ الجازمُ، كان نفسُ زواله كفراً، فإن الإيمانَ أمر وجودى ثابتٌ قائم بالقلب، فما لم يَقُمْ بالقلب، حَصَلَ ضده وهو كفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم، حصل الجهل، وكذلك كلُّ نقيضين زال أحدُهما خلفه الآخر.
أما الآية فليس فيها أن المحاسبةَ بما يُخفيه العبدُ إلزامه بأحكامه بالشرع، وإنما فيها محاسبتُه بما يُبديه أو يُخفيه، ثم هو مغفور له أو معذَّب، فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية. وأما أن المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخذ، فهذا إنما هو فيمن عَمِلَ المعصية، ثم أصرَّ عليها، فهُنا عمل اتصل به العزمُ علي معاودته، فهذا هو المُصِرُّ، وأما مَنْ عزم على المعصية ولم يَعْمَلْها، فهو بين أمرينِ، إما أن لا تُكتب عليه، إما أن تُكتب له حسنة إذا تركها للَّه عز وجل. وأما الثوابُ والعقابُ على أعمال القلوب فحقٌّ، والقرآنُ والسنة مملوآن به، ولكن وقوعُ الطلاق والعتاق بالنية من غير تلفُّظ أمر خارج عن الثواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين، فإن ما يُعاقب عليه مِن أعمال القلوب هو معاصٍ قلبية يستحقُّ العقوبة عليها، كما يستحقُّه على المعاصى البدنية إذ هى مُنافية لعبودية القلب، فإن الكِبر والعُجب والرياء وظنَّ السوء محرَّمات على القلب، وهى أمور اختيارية يمكن اجتنابُها فيستحق العقوبة على فعلها، وهى أسماءٌ لمعان مسمياتها قائمةٌ بالقلب.
وأما العِتاق والطلاق، فاسمان لمسميين قائمين باللسان، أو ما نابَ عنه من إشارة أو كتابة، ولبسا اسمين لما فى القلب مجرداً عن النطق.
وتضمنت أن المكلف إذا هَزَلَ بالطلاق، أو النِّكاح، أو الرجعة، لَزِمَهُ ما هَزَلَ به فدل ذلك على أن كلامَ الهازل معتبر وإن لم يُعتبر كلامُ النائم والناسى، وزائلِ العقل والمكرَه، والفرقُ بينهما أن الهازلَ قاصدُ للفظ غيرُ مريد لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنما إلى المكلَّف الأسباب، وأما ترتُّبُ مسبَّباتها وأحكامها، فهو إلى الشارع قصده المكلفُ أو لمَ يقصِدْه، والعبرةُ بقصده السبب اختياراً فى حال عقله وتكليفه، فإذا قصده، رتَّبَ الشارعُ عليه حُكمه جدَّ به أو هَزَلَ، وهذا بخلاف النائم والمُبَرْسَمِ، والمجنون والسكرانِ وزائل العقل، فإنهم ليس لهم قصد صحيح، وليسوا مكلفين، فألفاظُهم لغو بمنزلة ألفاظِ الطفل الذى لا يعقِلُ معناها، ولا يقصِدُه.
وسِرُّ المسألة الفرقُ بين من قصد اللفظ، وهو عالِم به ولم يُرد حكمه، وبين من لم يَقصِدْ اللفظ ولم يعلم معناه، فالمراتبُ التى اعتبرها الشارع أربعةُ.
إحداها: أن يَقصدَ الحكم ولا يَتَلَفَّظ به.
الثانية: أن لا يَقصِدَ اللفظ ولا حُكمَه.
الثالثة: أن يَقْصِدَ دُون حكمه.
الرابعة: أن يقصِدَ اللفظ والحكم. فالأوليان لغو، والآخرتان معتبرتان. هذا الذى أستُفِيدَ مِن مجموع نصوصه وأحكامِه، وعلى هذا فكلامُ المكرَه كُلُّه لغو لا عِبرةَ به.
وقد دلّ القرآن على أن من أُكْرِهَ على التكلم بكلمة الكفر لا يَكْفُرُ، ومن أكره على الإسلام لا يصيرُ به مسلماً، ودلَّتِ السنةُ على أن الله سبحانه تجاوز عن المكره، فلم يُؤاخِذْه بما أُكْرِهَ عليه، وهذا يُراد به كلامه قطعاً، وأما أفعالهُ، ففيها تفصيلٌ، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوز عنه، كالأكل فى نهار رمضان، والعملِ فى الصلاة، ولبس المخيط فى الإحرام ونحو ذلك، وما لا يُباح بالإكراه، فهو مُؤَاخذ به، كقتل المعصوم، وإتلافِ ماله، وما اختلف به كشُرب الخمر والزنى والسرقة هل يُحَدُّ به أو لا؟ فالاختلافُ، هل يباح ذلك بالإكراه أو لا؟ فمن لم يُبِحْه حدَّه به، ومن أباحه بالإكراه لم يحُدَّه، وفيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد.
والفرق بين الأقوال والأفعال فى الإكراه ؛ أن الأفعالَ إذا وقعت، لم ترتفعْ مفسدتُها، بل مفسدتُها معها بخلاف الأقوال، فإنها يمكن إلغاؤها. وجعلُها بمنزلة أقوالِ النائم والمجنون، فمفسدةُ الفعل الذى لا يُباح بالإكراه ثابتة بخلاف مفسدة القول، فإنها إنما تثبت إذا كان قائلُه عالماً به مختاراً له. وقد روى وكيع عن ابن أبى ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن خيثمة ابن عبد الرحمن، قال: قالت امرأةٌ لزوجها: سمنى، فسمَّاها الظبية، فقالت: ما قلت شيئاً، قال: فهاتِ ما أُسميك به، قالت: سمنى خليةً طالقاً، قال: أنت خَلِيَّةٌ طالق، فأتت عمر ابن الخطاب، فقالت: إن زوجى طلَّقنى، فجاء زوجُها، فقصَّ عليه القصة، فأوجع عمر رأسَها، وقال لزوجها: خذ بيدها، وأوجعْ رأسها.
فهذا الحكمُ من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوجُ اللفظ الذى يقع به الطلاقُ، بل قصد لفظاً لا يُريد به الطلاق، فهو كما لو قال لأمتِه أو غُلامِه: إنها جرة، وأراد أنها ليست بفاجِرة، أو قال لامرأته: أنت مسرَّحة، أو سرحتُك، ومرادُه تسريح الشعر ونحو ذلك، فهذا لا يقع عتقُه ولا طلاقُه بينه وبينَ الله تعالى، وإن قامت قرينةٌ أو تصادقا فى الحكم لم يقع به.
فإن قيل: فهذا من أى الأقسام؟ فإنكم جعلتم المراتبَ أربعة، ومعلومٌ أن هذا ليس بمكرَه ولا زائل العقل، ولا هازل، ولا قاصدٍ لحكم اللفظ؟ قيل: هذا متكلم باللفظ مريد به أحدَ معنييه، فلزم حكم ما أراده بلفظه دون ما لم يرده، فلا يلزم بما لم يرده باللفظ إذا كان صالحاً لما أراده، وقد استحلف النبىُّ صلى الله عليه وسلم رُكانَة لما طلَّق امرأته ألبتة، فقال: ما أردتَ؟ قال: واحدة، قال: آللَّهِ، قال: هو ما أردتَ، فقبل منه نيَّته فى اللفظ المحتمل.
وقد قال مالك: إذا قال: أنت طالق البتة، وهو يُريد أن يحلِفَ على شىء ثم بدا له، فترك اليمين، فليست طالقاً، لأنه لم يُرد أن يطلقها، وبهذا أفتى الليث بن سعد، والإمامُ أحمد، حتى إن أحمد فى رواية عنه: يُقبل منه ذلك فى الحكم.
وهذه المسألة لها ثلاثُ صور.
إحداها: أن يرجع عن يمينه ولم يكن التنجيزُ مرادَه، فهذه لا تطلُق عليه فى الحال، ولا يكون حالفاً.
الثانية: أن يكون مقصودُه اليمينَ لا التنجيزَ، فيقول: أنت طالق، ومقصودُه: إن كلمت زيداً.
الثالثة: أن يكونَ مقصودُه اليمينَ مِن أول كلامه، ثم يرجعُ عن اليمين فى أثناء الكلام، ويجعل الطلاق منجزاً، فهذا لا يقعُ به، لأنه لا ينو به الإيقاع، وإنما نوى به التعليق، فكان قاصراً عن وقوع المنجز، فإذا نوى التنجيزَ بعد ذلك لم يكن قد أتى فى التنجيز بغير النية المجردة، وهذا قولُ أصحاب أحمد. وقد قال تعالى:{لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فى أَيْمَانِكُم ولكِنْ يُؤْاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225].
واللغو: نوعان، أحدهما: بأن يحلِفَ على الشىء يظنُّه كما حلف عليه، فيتبينُ بخلافه. والثانى: أن تجرى اليمين على لِسانه من غير قصد للحلف، كَلاَ واللَّهِ، وبَلَى واللَّهِ فى أثناء كلامه، وكلاهما رفع الله المؤاخذة به، لعدم قصد الحالف إلى عقد اليمين وحقيقتها، وهذا تشريعٌ منه سبحانَه لعباده ألا يرتِّبوا الأحكامَ على الألفاظ التى لم يقصِدِ المتكلمُ بها حقائقَها ومعانيهَا، هذا غيرُ الهازل حقيقةَ وحكماً.
وقد أفتى الصحابةُ بعدم وقوع طلاق المكرَه وإقرارِه، فصحَّ عن عمر أنه قال: ليس الرجلُ بأمينٍ على نفسه إذا أوجعتَه أو ضربتَه أو أوثقتَه، وصحَّ عنه أن رجلاً تدلَّى بحبل ليَشْارَ عسلاً، فأتت امرأته فقالت: لأقطعنَّ الحبل، أو لتُطلِّقنى، فناشدها الله، فأبت، فطلَّقَها، فأتى عمر، فذكر له ذلك، فقال له: ارجع إلى امرأتك، فإن هذا ليس بطلاق. وكان علىُّ لا يُجيز طلاقَ الكره، وقال ثابت الأعرج: سألت ابنَ عمر، وابنَ الزبير عن طلاق المكره، فقالا جميعاً: ليس بشىءٍ.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الغازى بن جَبَلة، عن صفوان بن عمران الأصم، عن رجلٍ من أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أن رجلاً جلست امرأتُه على صدره، وجعلت السكينَ على حلقه، وقالت له: طلقنى أو لأذبحنَّك، فناشدها، فأبت، فطلقها ثلاثاً، فذُكِرَ ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال: ((لا قَيْلُولَة فى الطَّلاق)) رواه سعيد بن منصور فى ((سننه)). وروى عطاءُ ابن عجلان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كُلُّ الطَّلاقِ جَائِزٌ إلاَّ طَلاقَ المَعْتُوهِ والمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ)).
وروى سعيد بن منصور: حدثنا فرج بن فضَالة، حدثنى عمرو بن شراحِيل المعافرى، أن امرأة استلَّتْ سيفاً، فوضعته على بطن زَوْجِهَا، وقالت: واللَّه لأنفذنَّك، أو لُتطلِّقنِّى، فطلقها ثلاثاً، فرُفِعَ ذلِك إلى عمر بن الخطاب، فأمضى طلاقها. وقال على. كل الطلاقِ جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه.
قيل: أما خبر الغازى بن جبلة، ففيه ثلاث علل. إحداها: ضعف صفوان بن عمرو، والثانية: لين الغازى بن جبلة، والثالثة. تدليس بقية الراوى عنه، ومثل هذا لا يحتج به. قال أبو محمد ابن حزم: وهذا خبر فى غاية السقوط.
وأما حديث ابن عباس ((كل الطلاق جائز)) فهو من رواية عطاء بن عجلان، وضعفُه مشهور، وقد رُمى بالكذب. قال أبو محمد ابن حزم: وهذا الخبر شر من الأول.
وأما أثر عمر، فالصحيح عنه خلافه كما تقدم، ولا يُعلم معاصرة المعافرى لعمر، وفرج بن فضالة فيه ضعف.
وأما أثر على، فالذى رواه عنه الناس أنه كان لا يُجيز طلاق المكره وروى عبد الرحمن بن مهدى، عن حماد بن سلمة، عن حُميد، عن الحسن، أن على ابن أبى طالب رضى الله عنه، كان لا يُجيز طلاق المكره. فإن صح عنه ما ذكرتم، فهو عام مخصوص بهذا.



عدد المشاهدات *:
10141
عدد مرات التنزيل *:
109149
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 21 ماي 2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 20/02/2015

الكتب العلمية

روابط تنزيل : فصل في الخلع
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فصل في الخلع لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية