اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الخميس 10 رمضان 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

بسم

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
الكتب العلمية
سيرة الخلفاء
سيرَة عُثمَان بْنُ عَفان رضيَ اللهُ عَنه شخصيّته وعَصْره للشيخ علي محمد الصلابي
المبحث الثالث احتلال أهل الفتنة للمدينة
المبحث الثالث احتلال أهل الفتنة للمدينة
الكتب العلمية
الفصل السابع مقتل عثمان بن عفان

المبحث الثالث احتلال أهل الفتنة للمدينة

أولاً: قدوم أهل الفتنة من الأمصار:

اتفق أهل الفتنة فيما بينهم على القيام بخطوتهم العملية النهائية في مهاجمة عثمان في المدينة، وحمله على التنازل عن الخلافة وإلا يقتل، وقرروا أن يأتوا من مراكزهم الثلاثة: مصر والكوفة والبصرة في موسم الحج، وأن يغادروا بلادهم مع الحجاج، وأن يكونوا في صورة الحجاج، وأن يعلنوا للآخرين أنهم خارجون للحج، فإذا وصلوا المدينة، تركوا الحجاج يذهبون إلى مكة لأداء مناسك الحج، واستغلوا فراغ المدينة من معظم أهلها -المشغولين بالحج- وقاموا بمحاصرة عثمان تمهيدا لخلعه أو قتله.([1]) وفي شوال سنة خمس وثلاثين كان أهل الفتنة على مشارف المدينة([2]), فقد خرج المتمردون من مصر في أربع فرق لكل فرقة أمير، ولهؤلاء الأمراء أمير ومعهم شيطانهم عبد الله بن سبأ وأمراء الفرق الأربعة، هم: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشير التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة بن فلان السكوني، وأمير هؤلاء الأمراء هو الغافقي بن حرب العكي، وكان عدد الفرق الأربعة ألف رجل. وخرج المتمردون من الكوفة ألف رجل، في أربع فرق، وأمراء فرقهم هم: زيد بن صوحان العبدي، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وأمير متمردي الكوفة هو عمرو بن الأصم. وخرج متمردو البصرة ألف رجل، في أربع فرق، وأمراء فرقهم، هم: حكيم بن جبلة العبدي، وذريح بن عباد، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحرش ابن عبد الحنقي، وأمير متمردي البصرة هو حرقوص بن زهير السعدي. وكان عبد الله بن سبأ يسير مع هؤلاء مزهوا مسرورا بنجاح خطته اليهودية الشيطانية، وكان أهل الفتنة من مصر يريدون علي بن أبي طالب خليفة، وكان أهل الفتنة من الكوفة يريدون الزبير بن العوام خليفة، وكان أهل الفتنة من البصرة يريدون طلحة بن عبيد الله.([3]) وهذا العمل منهم كان بهدف الإيقاع بين الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ما ذهب إليه الآجري حيث قال: وقد برأ الله -عز وجل- علي بن أبي طالب وطلحة والزبير رضي الله عنهم من هذه الفرق، وإنما أظهروا ليموهوا على الناس وليوقعوا بين الصحابة، وقد أعاذ الله الكريم الصحابة من ذلك([4]).

وبلغ خبر قدومهم عثمان قبل وصولهم، وكان في قرية خارج المدينة فلما سمعوا بوجوده فيها، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها، ولم تصرح لنا الروايات باسم هذه القرية، ويحدد المدائني تاريخ قدومهم بليلة الأربعاء هلال ذي القعدة([5]), وكان أول من وصل المصريين، فقالوا لعثمان: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس بالسابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: "قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ" [يونس: 59].

فقالوا له: قف أرأيت ما حميت من الحمى؟ الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد من إبل الصدقة. امضه، قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضه نزلت في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين([6]).

* علي بن أبي طالب يرسله عثمان للمفاوضة مع أهل الفتنة من الأمصار:

ونزل القوم في ذي المروة، قبل مقتله بما يقارب شهرا ونصفا، فأرسل عثمان إليهم عليا ورجلا آخر لم تسمه الروايات، والتقى بهم علي فقال لهم: تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم، فوافقوا على ذلك.([7]) وفي رواية أنهم شادوه، وشادهم مرتين أو ثلاثا، ثم قالوا: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول أمير المؤمنين يعرض عليكم كتاب الله فقبلوا([8])، فاصطلحوا على خمس: على أن المنفى يقلب، والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة، وكتبوا ذلك في كتاب، وأن يرد ابن عامر على البصرة، وأن يبقى أبو موسى على الكوفة([9]).

وهكذا اصطلح عثمان مع كل وفد على حدة ثم انصرفت الوفود إلى ديارها([10]).

* الكتاب المزعوم بقتل وفد أهل مصر:

وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعا راضين تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلت، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق، لذا خططوا تخطيطا آخر يذكي الفتنة ويحييها يقتضي تدمير ما جرى من صلح بين أهل الأمصار وعثمان t، وبرز ذلك فيما يأتي: في أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم -يُظهر أنه هارب منهم- فكأنه يقول: خذوني، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان وعليه خاتمه إلى عامله، ففتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها([11]). ونفى عثمان أن يكون كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت، ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم، فلم يصدقوه([12]).

وهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردون البغاة المنحرفون أنه من عثمان، وعليه خاتمه يحمله غلامه على واحد من إبل الصدقة إلى عامله بمصر ابن أبي السرح، يأمر فيه بقتل هؤلاء الخارجين هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان، وذلك لعدة أمور:

1- إن حامل الكتاب المزور قد تعرض لهؤلاء المصريين ثم فارقهم، وكرر ذلك مرارا، وهو لم يفعل ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه، ويثير شكوكهم فيه، وكأنه يقول لهم: معي شيء هام بشأنكم. وإلا فلو كان من عثمان لخافهم حامل الكتاب المزعوم، ولأبعد عنهم, وأسرع إلى والي مصر ليضع بين يديه الأمر فينفذه.

2- كيف علم العراقيون بالأمر وقد اتجهوا إلى بلادهم، وفصلتهم عن المصريين -الذين أمسكوا بالكتاب المزعوم- مسافة شاسعة؛ فالعراقيون في الشرق والمصريون في الغرب، ومع ذلك عادوا جميعا في آن واحد كأنما كانوا على ميعاد؟ لا يعقل هذا إلا إذا كان الذين زوروا الكتاب واستأجروا راكبا ليحمله ويمثل الدور في (البويب) أمام المصريين، قد استأجروا راكبا آخر انطلق إلى العراقيين ليخبرهم بأن المصريين قد اكتشفوا كتابا بعث به عثمان لقتل المنحرفين المصريين، وهذا ما احتج به علي بن أبي طالب فقد قال: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا([13]). بل إن عليًّا يجزم: هذا والله أمر أبرم بالمدينة([14]).

3- كيف يكتب عثمان إلى ابن أبي السرح بقتل هؤلاء وابن أبي السرح كان عقب خروج المتمردين من مصر متجهين إلى المدينة كتب إلى الخليفة يستأذنه بالقدوم عليه، وقد تغلب على مصر محمد بن أبي حذيفة، وفعلا خرج ابن أبي السرح من مصر إلى العريش وفلسطين فالعقبة، فكيف يكتب له عثمان بقتلهم وعنده كتابه الذي يستأذنه به منه بالقدوم عليه؟

4- إن عثمان قد نهى عن قتل المتمردين عندما حاصروه وأبى على الصحابة أن يدافعوا عنه، ولم يأمر بقتال الخارجين دفاعا عن نفسه، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، فكيف يكتب مثل هذا الكتاب المزور وقد خرجوا عنه من المدينة مظهرين التوبة والإنابة.

5- تخلف حُكيم بن جبلة والأشتر النخعي -بعد خروج المتمردين- في المدينة يشير إشارة واضحة إلى أنهما هما اللذان افتعلا الكتاب، إذ لم يكن لهما أي عمل بالمدينة ليتخلفا فيها، وما مكثا إلا لمثل هذا الغرض، فهما صاحبا المصلحة في ذلك.([15]) وربما كان ذلك بتوجيه من عبد الله بن سبأ, ولم يكن لعثمان في ذلك أية مصلحة، وكذلك ليس لمروان بن الحكم أية مصلحة، والذين يتهمون مروان في هذا إنما ينسبون إلى الخليفة الغفلة عن مهامه، وأن في ديوان الخلافة من يجري الأمور ويقضي بها دون علمه، وبذلك يبرئون ساحة أولئك المجرمين الناقمين، الغادرين، ثم لو أن مروان زور الكتاب لكان أوصى حامل ذلك الكتاب أن يبتعد عن أولئك المنحرفين، ولا يتعرض لهم في الطريق حتى يأخذوه وإلا لكان متآمرا معهم على عثمان، وهذا محال.

6- إن هذا الكتاب المشئوم ليس أول كتاب يزوره هؤلاء المجرمون، بل زوروا كتبا على لسان أمهات المؤمنين، وكذلك على لسان علي وطلحة والزبير، فهذه عائشة -رضي الله عنها- تُتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي وتقول: لا والذي آمن به المؤمنون, وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا([16]).

ويعقب الأعمش فيقول: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها.([17]) ويتهم الوافدون عليا بأنه كتب إليهم أن يقدموا عليه بالمدينة، فينكر ذلك عليهم، ويقسم: والله ما كتبت إليكم كتابا.([18]) كما ينسب إلى الصحابة بكتابة الكتب إلى أهل الأمصار يأمرونهم بالقدوم إليهم، فدين محمد قد فسد وترك، والجهاد في المدينة خير من الرباط في الثغور البعيدة.([19]) ويعلق ابن كثير على هذا الخبر قائلا: وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، فقد كتب من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج -قتلة عثمان- كتبٌ مزورة عليهم أنكروها، وكذلك زور هذا الكتاب على عثمان أيضا، فإنه لم يأمر به، ولم يعلم به.([20]) ويؤكد كلام ابن كثير ما رواه الطبري وخليفة من استنكار كبار الصحابة -علي وعائشة والزبير- أنفسهم لهذه الكتب في أصح الروايات.([21]) إن الأيدي المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان أولئك الصحابة هي نفسها التي أوقدت نار الفتن من أولها إلى آخرها، ورتبت ذلك الفساد العريض، وهي التي زورت وروجت على عثمان تلك الأباطيل، وأنه فعل وفعل، ولقنتها للناس، حتى قبلها الرعاع، ثم زورت على لسان عثمان ذلك الكتاب ليذهب عثمان ضحية إلى ربه شهيدا سعيدا. ولم يكن عثمان الشهيد هو المجني عليه وحده في هذه المؤامرة السبئية اليهودية، بل الإسلام نفسه كان مجنيا عليه قبل ذلك، ثم التاريخ المشوه المحرف والأجيال الإسلامية التي تلقت تاريخها مشوها هي كذلك ممن جنى عليهم الخبيث اليهودي، وأعوانه من أصحاب المطامع والشهوات والحقد الدفين، أما آن للأجيال الإسلامية أن تعرف تاريخها الحق، وسير رجالاتها العظام؟ بل ألم يأن لمن يكتب في هذا العصر من المسلمين أن يخاف الله ولا يتجرأ على تجريح الأبرياء، قبل أن يحقق ويدقق حتى لا يسقط كما سقط غيره؟!.([22])

ثانيًا: بدء الحصار ورأي عثمان في الصلاة خلف أئمة الفتنة:

لم تفصِّل الروايات الصحيحة كيفية بدء الحصار ووقوعه، ولعل الأحداث التي سبقته تلقي شيئا من الضوء على كيفية بدئه، فبينما كان عثمان يخطب الناس ذات يوم إذا برجل -يقال له أعين([23]) - يقاطعه ويقول له: يا نعثل([24]), إنك قد بدلت، فقال عثمان t: من هذا؟ فقالوا: أعين، قال عثمان: بل أنت أيها العبد، فوثب الناس إلى أعين، وجعل رجل من بني ليث يزعهم عنه حتى أدخله الدار.([25]) وكان رجوع المتمردين الثاني، وقبل اشتداد الحصار كان عثمان يتمكن من الخروج للصلاة ودخول من شاء إليه، ثم مُنع من الخروج من الدار حتى إلى صلاة الفريضة([26])، فكان يصلي بالناس رجل من المحاصِرين من أئمة الفتنة، حتى إن عبيد الله بن عدي بن الخيار تحرج من الصلاة خلفه، فاستشار عثمان في ذلك، فأشار عليه بأن يصلي خلفه، وقال له: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.([27]) وفي بعض الروايات الضعيفة أن الذي كان يصلي بالناس هو أميرهم الغافقي([28]). ولا صحة لما روى الواقدي من أن عليًّا أمر أبا أيوب الأنصاري أن يصلي بالناس فصلى بهم أول الحصر، ثم صلى علي بهم العيد وما بعده.([29]) وإضافة إلى شدة ضعف إسناد هذه الرواية، فلو كان الذي يصلي بالناس هو علي، أو أبو أيوب -رضي الله عنهما- لما تحرج عبيد الله بن عدي بن الخيار من الصلاة خلفهما([30]).

ثالثـًا: المفاوضات بين عثمان ومحاصريه:

وبعد أن تم الحصار، وأحاط الخارجون على عثمان بالدار طلبوا منه خلع نفسه أو يقتلوه([31]), فقد رفض عثمان خلع نفسه، وقال: لا أخلع سربالا سربلنيه الله.([32]) يشير إلى ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان قلة من الصحابة -رضوان الله عليهم- يرون خلاف ما ذهب إليه, وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومن هؤلاء المغيرة بن الأخنس t، لكنه رفض ذلك([33]).

1- ابن عمر يحث عثمان على عدم التنازل عن منصب الخلافة:

دخل ابن عمر على عثمان -رضي الله عنهما- أثناء حصاره، فقال له عثمان t: انظر إلى ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان t: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال عثمان t: لا، قال: فهل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصا قمَّصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه([34]).

رضي الله عن عبد الله بن عمر، ما كان أبعد نظره، إنه لا يريد أن يسن عثمان سنة سيئة للخلفاء، وحاشا لعثمان أن يفعل، فلو تنازل عثمان لهؤلاء الخوارج السبئيين وخلع نفسه، لصار الخلفاء ألعوبة وملهاة بأيدي الطامعين أو المغرضين، وبذلك تهتز صورة الخليفة، وتزول هيبته عند الناس، ولقد سن عثمان سنة حسنة لمن بعده بمشورة ابن عمر وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم؛ حيث صبر واحتسب فلم يتنازل عن الخلافة ولم يسفك دماء المسلمين([35]).

إن الاستجابة لمطالب المتمردين، وهم فئة قليلة من الأمة ليسوا من أهل الحل والعقد، ولا من رجالات الإسلام وفقهاء الشريعة، ستكون لها آثار خطيرة على مسيرة الأمة، وهيبة الخلافة وعلاقة الراعي بالرعية، وكان ثمن دفع هذه الآثار السيئة أن دفع الخليفة حياته، وهو يعلم بمصيره ويستسلم له, وهو أمر ثقيل على النفس، ولكنه قدم مصالح الأمة على مصلحته الشخصية، مما يكشف عن قوة وعزيمة، وشجاعة ومضاء، ويرد به على تلك التهم التي وجهت إليه من ضعف في هذه الصفات، فإنه كان قادرا - بإذن الله - على كبح الفتنة، ولكنه قدر حدوث مفاسد تغلب على مصلحة كبحها، فأعرض عن ذلك درءا لها، وبذلك يعلم خطأ العقاد عندما قال بأن قتل عثمان لا يوصف بأكثر من أنه (مشاغبة دهماء) لم تجد من يكبحها.([36]) فإن في ذلك غمزا في شخصية وشجاعة عثمان t، وهي حقا فتنة دهماء، ولكن عدم كبحها يعد منقبة لعثمان t، لما فيه من تضحية في سبيل الله رجاء تحصيل مصلحة للأمة، وعملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم([37]).

2- توعد المحاصرين له بالقتل:

وبينما كان عثمان في داره، والقوم أمام الدار محاصروها دخل ذات يوم مدخل الدار، فسمع توعد المحاصرين له بالقتل، فخرج من المدخل ودخل على من معه في الدار ولونه ممتقع، فقال: إنهم ليتوعدونني بالقتل آنفا، فقالوا له: يكفيكم الله يا أمير المؤمنين، فقال: ولِمَ يقتلونني وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس»؟ فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، ففيم يقتلونني؟!([38]) ثم أشرف على المحاصرين وحاول تهدئة ثورتهم عن خروجهم على إمامهم، مضمنا كلامه الرد على ما عابوه به، وكشف الحقائق التي لبَّسها القوم، عسى أن يفيق المغرور بهم ويعودوا إلى رشدهم، فطلب من المحاصرين أن يخرجوا له رجلا يكلمه، فأخرجوا له شابا يقال له: صعصعة بن صوحان، فطلب عثمان أن يبين له ما نقموه عليه([39]).

3- إقامة عثمان الحجة على زيف استدلال صعصعة:

قال صعصعة: أخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فقال له عثمان t:
اتل -أي استدل بالقرآن- فقرأ: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ" [الحج: 39].

فقال عثمان: ليست لك، ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي، فقرأ عثمان الآية التي استدل بها صعصعة وما بعدها، مما يفسرها ويبين زيف استدلال صعصعة بها فتلا: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ` الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ` الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" [الحج: 39- 41]. فأفهم عثمان الناس الآيات فهما صحيحا كما نزلت، مبينا سبب نزولها وفيمن نزلت، وعلى ما تدل؛ لئلا يلبس عليهم من قرأ القرآن، وهو لا يعرف معناه ويستدل به على ما يضاد مراده.([40]) كما أن نفي عثمان لمن نفاه إنما هو عمل بالآية التي تلي الآية التي استدل بها صعصعة، فإنها تأمر من مكنه الله في الأرض أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعثمان خليفة، ونفيهم أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، لما قاموا به من تعدٍّ على بعض المسلمين، ومن محاولات لإثارة الفتنة.([41])

4- تذكير عثمان الناس بفضائله:

وبعد أن رد عثمان على هؤلاء ذكَّر الناس بمكانته وببعض فضائله، مناشدا من يعلمها أو سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبينها للناس، فقد قال: أنشد الله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: اسكن حراء، ليس عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد وأنا معه. فانتشد له رجال، ثم قال: أنشد الله من شهد رسول الله يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال: هذه يدي وهذه يد عثمان، فبايع لي، فانتشد له رجال، ثم قال: أنشد الله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يوسع لنا البيت في المسجد ببيت له في الجنة، فابتعته من مالي فوسعت به المسجد، فانتشد له رجال، ثم قال: أنشد الله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جيش العسرة قال: من ينفق اليوم نفقة متقبلة؟ فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال، ثم قال: أنشد الله من شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل، قال: فانتشد له رجال.([42])

وعن أبي ثور الفهمي يقول: قدمت على عثمان، فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا، فدخلت على عثمان فأعلمته، قال: فكيف رأيتهم؟ فقلت: رأيت في وجوههم الشر، وعليهم ابن عديس البلوي، فصعد ابن عديس منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الجمعة، وتنقص عثمان في خطبته، فدخلت على عثمان فأخبرته بما قال فيهم، فقال: كذب والله ابن عديس، ولولا ما ذكر ما ذكرت، إني رابع أربعة في الإسلام، ولقد أنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته، ثم توفيت, فأنكحني ابنته الأخرى، ولا زنيت ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا أتت عليَّ جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة، فأجمعها في الجمعة الثانية([43]).

ولما رأى عثمان إصرار المتمردين على قتله حذرهم من ذلك ومن مغبته فاطلع عليهم من كوة([44]) وقال لهم: أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تقاتلوا جميعا أبدا، ولا تجاهدوا عدوا أبدا، لتختلفن حتى تصيروا هكذا، وشبك بين أصابعه.([45]) وفي رواية أنه قال: أيها الناس، لا تقتلوني، فإني والٍ وأخ مسلم، فوالله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت، أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعا أبدا، ولا تغزوا جميعا أبدا، ولا يقسم فيئكم بينكم([46]). وقال أيضا: فوالله لئن قتلوني لا يحابون بعدي أبدا، ولا يقاتلون بعدي أبدا.([47]) وقد تحقق ما حذرهم منه؛ فبعد قتله وقع كل ما قاله t، وفي ذلك يقول الحسن البصري: فوالله إن صلى القوم جميعا إن قلوبهم لمختلفة.([48])

رابعًا: دفاع الصحابة عن عثمان ورفضه لذلك:

أرسل عثمان إلى الصحابة -رضي الله عنهم- يشاورهم في أمر المحاصرين وتوعدهم إياه بالقتل، فكانت مواقفهم كالآتي:

1- علي بن أبي طالب :

فقد أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله أن عليا أرسل إلى عثمان فقال: إن معي خمسمائة دارع، فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئا يستحل به دمك، فقال: جُزيت خيرا، ما أحب أن يهراق دم في سببي([49]).

2- الزبير بن العوام t:

عن أبي حبيبة([50]) قال: بعثني الزبير إلى عثمان وهو محاصر فدخلت عليه في يوم صائف وهو على كرسي، وعنده الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، فقلت: بعثني إليك الزبير بن العوام وهو يقرئك السلام ويقول لك: إني على طاعتي لم أبدل ولم أنكث، فإن شئت دخلت الدار معك، وكنت رجلا من القوم، وإن شئت أقمت، فإن بني عمرو بن عوف وعدوني أن يصبحوا على بابي، ثم يمضون على ما آمرهم به، فلما سمع -يعني عثمان- الرسالة قال: الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي، أقرئه السلام، ثم قل له: أحبّ إليَّ، وعسى الله أن يدفع بك عني، فلما قرأ الرسالة أبو هريرة قام فقال: ألا أخبركم ما سمعت أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تكون بعدي فتن وأمور»، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: «إلى الأمين وحزبه»، وأشار إلى عثمان بن عفان، فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر، فأذن لنا في الجهاد؟ فقال: (أعزم على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل)([51]).

3- المغيرة بن شعبة t:

فقد ورد أن المغيرة بن شعبة دخل عليه وهو محاصر، فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالا ثلاثة اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عددا وقوة، وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق بابا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون
أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم»، ولن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة الرسول([52]).

4- عبد الله بن الزبير t:

عزم الصحابة -رضي الله عنهم- على الدفاع عن عثمان، ودخل بعضهم الدار، ولكن عثمان عزم عليهم بشدة، وشدد عليهم في الكف عن القتال دفاعا عنه، مما حال بين رغبتهم الصادقة في الدفاع عنه وبين تحقيقها، وكان من ضمن أولئك عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فقد قال لعثمان t: قاتلهم، فوالله لقد أحل الله لك قتالهم، فقال عثمان: لا والله، لا أقاتلهم أبدا([53]).

وفي رواية: يا أمير المؤمنين، إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منها فأذن لنا، فقال عثمان t: أنشد الله رجلا أهراق فيَّ دمه([54])، ثم أمَّره على الدار، وقال: من كانت لي عليه طاعة فليطع عبد الله بن الزبير([55]).

5- كعب بن مالك، وزيد بن ثابت الأنصاريان رضي الله عنهما:

حث كعب بن مالك الأنصار على نصرة عثمان وقال لهم: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار الله مرتين، فجاءت الأنصار عثمان ووقفوا بابه، ودخل زيد بن ثابت وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب، إن شئت كنا أنصار الله مرتين.([56]) فرفض القتال وقال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا([57]).

6- الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما:

وجاء الحسن بن علي رضي الله عنهما، وقال له: اخترط سيفي؟ قال له: لا أبرأ([58]) الله إذًا مِنْ دمك، ولكن ثم([59]) سيفك، وارجع إلى أبيك([60]).

7- عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما:

ولما رأى الصحابة أن الأمر استفحل، وأن السيل بلغ الزبى([61]) عزم بعضهم على الدفاع عنه دون استشارته، فدخل بعضهم الدار مستعدا للقتال، فقد كان ابن عمر معه في الدار، متقلدا سيفه لابسا درعه ليقاتل دفاعا عن عثمان t، ولكن عثمان عزم عليه أن يخرج من الدار خشية أن يتقاتل مع القوم عند دخولهم عليه فيقتل، كما لبسه مرة أخرى([62]).

8- أبو هريرة t:

دخل الدار على عثمان يقول: يا أمير المؤمنين، طاب أمضرب([63])، فقال له: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي؟ قال: لا، قال: فإنك والله إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قُتِل الناس جميعا، فرجع ولم يقاتل. وفي رواية: أن أبا هريرة كان متقلدا سيفه حتى
نهاه عثمان([64]).

9- سليط بن سليط:

قال: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها.([65])

ويقول ابن سيرين: كان مع عثمان في الدار سبعمائة، لو يدعهم لضربوهم إن شاء الله حتى يخرجوهم من أقطارها، منهم: ابن عمر، والحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير. ويقول أيضا: لقد قتل عثمان يوم قتل وإن الدار لغاصة، منهم ابن عمر وفيهم الحسن بن علي في عقنه السيف، ولكن عثمان عزم عليهم ألا يقاتلوا([66]).

وبذلك يظهر زيف ما اتهم به الصحابة مهاجرين وأنصارا من تخاذل عن نصرة عثمان t، وكل ما روي في ذلك فإنه لا يسلم من علة إن لم تكن عللا قادحة في الإسناد والمتن جميعا([67]).

 

سيرَة عُثمَان بْنُ عَفان رضيَ اللهُ عَنه شخصيّته وعَصْره للشيخ علي محمد الصلابي


عدد المشاهدات *:
12956
عدد مرات التنزيل *:
132434
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 02/05/2011 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 02/05/2011

الكتب العلمية

روابط تنزيل : المبحث الثالث احتلال أهل الفتنة للمدينة
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  المبحث الثالث احتلال أهل الفتنة للمدينة لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
الكتب العلمية