اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الأربعاء 16 ربيع الثاني 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

صدقة

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد الرابع عشر
كتاب التفسير
تفسير سورة النساء
فصــل في بيان تفضل الله على العباد ـ ب ـ
مجموع فتاوى ابن تيمية

وقد روى الحاكم ـ فى صحيحه ـ والترمذي، عن جابر، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قرأ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى ختمها، ثم قال‏:‏ ‏(‏مالي أراكم سكوتا‏؟‏ لَلْجِنُّ كانوا أحسن منكم رَدّا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ـ ‏{‏فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ ـ إلا قالوا‏:‏ ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد‏)‏‏.‏
واللّه ـ تعالى ـ يذكر فى القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته، ويذكر بآياته التى فيها نعمه وإحسانه إلى عباده، ويذكر بآياته المبينة لحكمته تعالى، وهي كلها متلازمة‏.‏
فكل ما خلق فهو نعمة، ودليل على قدرته وعلى حكمته‏.‏
لكن نعمة الرزق، والانتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس ظاهرة لكل أحد؛ فلهذا يستدل بها ـ كما فى سورة النحل ـ وتسمى سورة النعم، كما قاله قتادة وغيره‏.‏
وعلى هذا، فكثير من الناس يقول‏:‏ الحمد أعم من الشكر، من جهة أسبابه، فإنه يكون على نعمة وعلى غير نعمة، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب واللسان واليد‏.‏
فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة،لم يكن الحمد إلا على نعمة، والحمد لله على كل حال؛ لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة على عباده‏.‏
لكن هذا فَهْم من عرف ما فى المخلوقات من النعم‏.‏ والجهمية والجبرية بمعزل عن هذا‏.‏
وكذلك كل ما يخلقه، ففيه له حكمة،فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة والجهميةـ أيضاً ـ بمعزل عن هذا‏.‏
وكذلك القدرية ـ الذين يقولون‏:‏ لا تعود الحكمة إليه، بل ما ثم إلا نفع الخلق ـ فما عندهم إلا شكر، كما ليس عند الجهمية إلا قدرة‏.‏
والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة لا يظهر فيها وصف حمد، كالقادر الذي يفعل ما لا ينتفع به، ولا ينفع به أحداً، فهذا لا يحمد‏.‏
فحقيقة قول الجهمية ـ أتباع جَهْم ـ أنه لا يستحق الحمد، فله عندهم ملك بلا حمد، مع تقصيرهم فى معرفة ملكه‏.‏
كما أن المعتزلة له عندهم من الحمد بلا ملك تام؛ إذ كان عندهم يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وتحدث حوادث بلا قدرته‏.‏
وعلى مذهب السلف، له الملك وله الحمد تامين، وهو محمود على حكمته، كما هو محمود على قدرته ورحمته‏.‏
وقد قال‏:‏ ‏{‏شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏18‏]‏، فله الوحدانية في إلهيته، وله العدل، وله العزة والحكمة‏.‏
وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم، فمن قصر عن معرفة السنة، فقد نقص الرب بعض حقه‏.‏
والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة، ولا توحيد إلهية، بل توحيد ربوبيته‏.‏
والمعتزلي ـ أيضاً ـ لا يثبت فى الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا فى الحسنات والسيئات، ولا عزة ولا حكمة فى الحقيقة، وإن قال‏:‏ إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره‏.‏ وتلك لا يصلح أن تكون حكمة، من فعل لا لأمر يرجع إليه، بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم، بل سفيه‏.‏
وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة، فقد ثبت أنه رأس الشكر، فهو أول الشكر‏.‏
والحمد ـ وإن كان على نعمته وعلى حكمته، فالشكر بالأعمال هو على نعمته، وهو عبادة له لإلهيته التى تتضمن حكمته، فقد صار مجموع الأمور داخلا فى الشكر‏.‏
ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجرداً؛ إذ كان نوعاً من الشكر‏.‏
وشرع الحمد ـ الذي هو الشكر المقول ـ أمام كل خطاب مع التوحيد‏.‏
ففي الفاتحة الشكرُ والتوحيد، والخطب الشرعية لابد فيها من الشكر والتوحيد‏.‏ والباقيات الصالحات نوعان؛ فسبحان اللّه وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر فيها التوحيد والتكبير‏.‏
وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 65‏]‏‏.‏
وهل الحمد على كل ما يحمد به الممدوح، وإن لم يكن باختياره، أو لا يكون الحمد إلا على الأمور الاختيارية، كما قيل فى الذم‏؟‏ فيه نظر ليس هذا موضعه‏.‏
وفى الصحيح‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول‏:‏ ‏(‏ربنا ولك الحمد، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بَعْدُ، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعْطِيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدُّ منك الجد‏)‏‏.‏ هذا لفظ الحديث‏.‏ ‏(‏أحق‏)‏‏:‏ أفعل التفضيل‏.‏
وقد غلط فيه طائفة من المصنفين، فقالوا‏:‏‏(‏حق ما قال العبد‏)‏، وهذا ليس لفظ الرسول‏.‏ وليس هو بقول سديد؛ فإن العبد يقول الحق والباطل، بل حق ما يقوله الرب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏84‏]‏‏.‏
ولكن لفظه‏:‏‏(‏أحق ما قال العبد‏)‏ خبر مبتدأ محذوف، أي الحمد أحق ما قال العبد، أو هذا ـ وهو الحمد ـ أحق ما قال العبد‏.‏
ففيه بيان‏:‏ أن الحمد للّه أحق ما قاله العباد؛ ولهذا أوجب قوله في كل صلاة، وأن تفتتح به الفاتحة، وأوجب قوله في كل خطبة، وفى كل أمر ذي بال‏.‏
والحمد ضد الذم، والحمد يكون على محاسن المحمود، مع المحبة له، كما أن الذم يكون على مساويه، مع البغض له‏.‏
فإذا قيل‏:‏ إنه ـ سبحانه ـ يفعل الخير والحسنات، وهو حكيم رحيم بعباده، أرحم بعباده من الوالدة بولدها ـ أوجب ذلك أن يحبه عباده ويحمدوه‏.‏
وأما إذا قيل‏:‏ بل يخلق ما هو شر محض، لا نفع فيه، ولا رحمة، ولا حكمة لأحد، وإنما يتصف بإرادة ترجح مثلا على مثل، لا فرق عنده بين أن يرحم أو يعذب، وليست نفسه ولا إرادته مرجحة للإحسان إلى الخلق، بل تعذيبهم وتنعيمهم سواء عنده، وهو ـ مع هذا ـ يخلق ما يخلق لمجرد العذاب والشر، ويفعل ما يفعل لا لحكمة ـ ونحو ذلك، مما يقوله الجهمية ـ لم يكن هذا موجباً لأن يحبه العباد ويحمدوه، بل هو موجب للعكس‏.‏
ولهذا فإن كثيراً من هؤلاء ينطقون بالذم والشتم والطعن، ويذكرون ذلك نظماً ونثراً‏.‏
وكثير من شيوخ هؤلاء وعلمائهم من يذكر فى كلامه ما يقتضي هذا، ومن لم يقله بلسانه فقلبه ممتلئ به، لكن يرى أن ليس فى ذكره منفعة، أو يخاف من عموم المسلمين‏.‏
وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا‏.‏
وهؤلاء يقيمون حجج إبليس وأتباعه على اللّه، ويجعلون الرب ظالماً لهم‏.‏
وهو خلاف ما وصف اللّه به نفسه، في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 76‏]‏،وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏101‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏46‏]‏‏.‏
كيف يكون ظالماً وهم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض، أو قصر فى حقه لكان يؤاخذه، ويعاقبه وينتقم منه، ويكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه‏؟‏‏!‏
ولو قال‏:‏ إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه، لم يكن هذا عذراً له عندهم باتفاق العقلاء‏.‏
فإذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه احتجاجاً بالقدر،فكيف يجوز إسقاط حق الخالق احتجاجاً بالقدر وهو ـ سبحانه ـ الحكم العدل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً‏؟‏ وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع‏.‏
فقوله‏:‏ ‏(‏أحق ما قال العبد‏)‏‏:‏ يقتضي أن حمد الله أحق ما قاله العبد، فله الحمد على كل حال؛ لأنه لا يفعل إلا الخير والإحسان، الذي يستحق الحمد عليه ـ سبحانه وتعالى ـ وإن كان العباد لا يعلمون‏.‏
وهو ـ سبحانه ـ خلق الإنسان، وخلق نفسه متحركة بالطبع حركة لابد فيها من الشر لحكمة بالغة، ورحمة سابغة‏.‏
فإذا قيل‏:‏ فلم لم يخلقها على غير هذا الوجه‏؟‏
قيل‏:‏ كان يكون ذلك خلقاً غير الإنسان، وكانت الحكمة التى خلقها بخلق الإنسان لا تحصل، وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا‏:‏ ‏{‏أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏30‏]‏، وما لم تعلمه الملائكة، فكيف يعلمه آحاد الناس‏.‏
ونفس الإنسان خلقت كما قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 19ـ21‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ‏}‏‏[‏الأنبياء‏:‏37‏]‏‏.‏
فقد خلقت خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة، ورحمة عميمة، فكان ذلك خيراً ورحمة، وإن كان فيه شر إضافي ـ كما تقدم ـ فهذا من جهة الغاية، مع أنه لا يضاف الشر إلى الله‏.‏
وأما الوجه الثاني من جهة السبب‏:‏ فإن هذا الشر إنما وجد لعدم العلم والإرادة التى تصلح النفس، فإنها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة اللّه ومحبته‏.‏ وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك، وهذا كله من فضل الله وإحسانه، لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها، بل حصل لها من زين لها السيئات ـ من شياطين الإنس والجن ـ مالت إلى ذلك، وفعلت السيئات، فكان فعلها للسيئات مركباً من عدم ما ينفع وهو الأفضل، ووجود هؤلاء الذين حيروها، والعدم لا يضاف إلى اللّه‏.‏ وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها؛ خلقهم لحكمة‏.‏
فلما كان عدم ما تعمل به وتصلح هو أحد السببين، وكان الشر المحض الذي لا خير فيه هو العدم المحض، والعدم لا يضاف إلى الله؛ فإنه ليس شيئاً، واللّه خالق كل شيء ـ كانت السيئات منها بأعتبار ‏[‏أن‏]‏ ذاتها فى نفسها مستلزمة للحركة الإرادية التى تحصل منهاـ مع عدم ما يصلحها ـ تلك السيئات‏.‏
والعبد إذا اعترف وأقر بأن اللّه خالق أفعاله كلها، فهو على وجهين‏:‏ إن اعترف به إقراراً بخلق الله كل شيء، بقدرته ونفوذ مشيئته، وإقراراً بكلماته التامات التى لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر، واعترافا بفقره وحاجته إلى اللّه، وأنه إن لم يهده فهو ضال، وإن لم يتب عليه فهو مصر، وإن لم يغفر له فهو هالك ـ خضع لعزته وحكمته ـ فهذا حال المؤمنين الذين يرحمهم اللّه، ويهديهم ويوفقهم لطاعته‏.‏
وإن قال ذلك احتجاجاً على الرب، ودفعاً للأمر والنهي عنه، وإقامة لعذر نفسه - فهذا ذنب أعظم من الأول‏.‏ وهذا من أتباع الشيطان، ولا يزيده ذلك إلا شراً، وقد ذكرنا أن الرب ـ سبحانه ـ محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه؛ ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده، ويستحق أن يرضى العبد بقضائه؛ لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيراً وعدلا، ولأنه لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له ‏(‏إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له‏)‏‏.‏
فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه ـ من الحمد والثناء ـ ولأنه محسن إلى المؤمن‏.‏
وما تسأله طائفة من الناس، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له‏)‏‏.‏ وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب، فكيف يكون ذلك خيراً‏؟‏
وعنه جوابان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن أعمال العباد لم تدخل فى الحديث، وإنما دخل فيه ما يصيب الإنسان من النعم والمصائب، كما فى قوله‏:‏ ‏{‏مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏79‏]‏؛ ولهذا قال‏:‏ ‏(‏إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له‏)‏، فجعل القضاء ما يصيبه من سراء وضراء‏.‏ هذا ظاهر لفظ الحديث، فلا إشكال عليه‏.‏
الوجه الثانى‏:‏ أنه إذا قدر أن الأعمال دخلت فى هذا، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن‏)‏‏.‏
فإذا قضى له بأن يحسن، فهذا مما يسره، فيشكر اللّه عليه‏.‏
وإذا قضى عليه بسيئة، فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها إذا لم يتب منها، فإن تاب أبدلت بحسنة، فيشكر اللّه عليها، وإن لم يتب ابتلى بمصائب تكفرها فصبر عليها، فيكون ذلك خيراً له‏.‏ والرسول صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يقضي الله للمؤمن‏)‏، والمؤمن هو الذي لا يصر على ذنب، بل يتوب منه، فيكون حسنة، كما قد جاء في عدة آيات‏:‏ أن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة بعمله، لا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة‏.‏
والذنب يوجب ذل العبد وخضوعه، ودعاء اللّه واستغفاره إياه، وشهوده بفقره وحاجته إليه، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو‏.‏
فيحصل للمؤمن ـ بسبب الذنب ـ من الحسنات ما لم يكن يحصل بدون ذلك، فيكون هذا القضاء خيراً له‏.‏
فهو فى ذنوبه بين أمرين‏:‏ إما أن يتوب فيتوب اللّه عليه، فيكون من التوابين الذين يحبهم الله‏.‏
وإما أن يكفر عنه بمصائب؛ تصيبه ضراء فيصبر عليها، فيكفر عنه السيئات بتلك المصائب، وبالصبر عليها ترتفع درجاته‏.‏
وقد جاء فى بعض الأحاديث‏:‏ يقول الله تعالى‏:‏‏(‏أهْلُ ذِكْرِى أهل مجالستى، وأهل شكرى أهل زيادتى، وأهل طاعتى أهل كرامتى، وأهل معصيتى لا أؤيسهم من رحمتى، إن تابوا فأنا حبيبهم ـ أي محبهم؛ فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ـ وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأكَفِّرَ عنهم المعائب‏)‏‏.‏
وفى قوله تعالى‏:‏ ‏(‏من نفسك‏)‏ من الفوائد‏:‏ أن العبد لا يركن إلى نفسه، ولا يسكن إليها؛ فإن الشر لا يجىء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساؤوا إليه؛ فإن ذلك من السيئات التى أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب فيستغفر منها، ويستعيذ باللّه من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل اللّه أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر‏.‏
ولهذا كان أنفع الدعاء، وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة‏:‏‏{‏اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏6، 7‏]‏، فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة‏.‏
لكن الذنوب هي من لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب‏.‏
ليس كما يقوله طائفة من المفسرين‏:‏ إنه قد هداه، فلماذا يسأل الهدى‏؟‏
وأن المراد بسؤال الهدى‏:‏ الثبات، أو مزيد الهداية‏.‏
بل العبد محتاج إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله‏.‏ وإلى ما يتولد من تفاصيل الأمور فى كل يوم، وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك‏.‏
فإنه لا يكفى مجرد علمه إن لم يجعله الله مريداً للعمل بعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه، ولم يكن مهتدياً، والعبد محتاج إلى أن يجعله اللّه قادراً على العمل بتلك الإرادة الصالحة‏.‏
فإنه لا يكون مهتدياً إلى الصراط المستقيم ـ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ـ إلا بهذه العلوم والإرادات، والقدرة على ذلك‏.‏
ويدخل فى ذلك من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه‏.‏
ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة؛ لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء‏.‏
وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن، والمأمورين بهذا الدعاء، ورأى ما فى النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءها فى الدنيا والآخرة، فيعلم أن الله ـ بفضله ورحمته ـ جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر‏.‏
ومما يبين ذلك أن اللّه ـ تعالى ـ لم يقص علينا فى القرآن قصة أحد إلا لنعتبر بها، لما فى الاعتبار بها من حاجتنا إليه ومصلحتنا‏.‏
وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثانى بالأول، وكانا مشتركين في المقتضى للحكم‏.‏
فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان فى نفوس المكذبين للرسل ـ فرعون ومن قبله ـ لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، ولكن الأمر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏43‏]‏، وكما قـال تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏52‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏118‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏30‏]‏‏.‏
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لتسلكن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْوَ القُذَّة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ اليهود والنصارى‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن‏؟‏‏)‏‏.‏
وقال‏:‏ ‏(‏لتأخذن أمتى مأخذ الأمم قبلها، شِبْراً بشبر، وذراعاً بذراع‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول اللّه، فارس والروم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن‏؟‏‏)‏ وكلا الحديثين فى الصحيحين‏.‏
ولما كان فى غزوة حُنَيْن كان للمشركين شجرة، يقال لها‏:‏ ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، وينوطونها بها، ويستظلون بها متبركين فقال بعض الناس‏:‏ يا رسول اللّه، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى لموسى‏:‏ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السَّنَنَ، لتركبن سَنَن من كان قبلكم‏)‏‏.‏
وقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر اللّه‏.‏
فأعظم السيئات جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة ونِدا له، أو أن تكون إلها من دونه، وكلا هذين وقع؛ فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبوداً دون الله تعالى، وقال‏:‏ ‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏38‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏، وقال لموسى‏:‏ ‏{‏لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 29‏]‏، و ‏{‏اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏54‏]‏‏.‏
وإبليس يطلب أن يعبد ويطاع من دون اللّه، فيريد أن يعبد ويطاع هو، ولا يعبد اللّه ولا يطاع‏.‏ وهذا الذى فى فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل‏.‏
وفى نفوس سائر الإنس والجن شعبة من هذا وهذا، إن لم يعن اللّه العبد ويهديه، وإلا وقع فى بعض ما وقع فيه إبليس وفرعون بحسب الإمكان‏.‏
قال بعض العارفين‏:‏ ما من نفس إلا وفيها ما فى نفس فرعون، غير أن فرعون قَدَر فأظهر، وغيره عجز فأضمر‏.‏
وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس، وسمع أخبارهم، رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته‏.‏
فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة، بحسب إمكانها، فتجد أحدهم يوالى من يوافقه على هواه، ويعادى من يخالفه فى هواه، وإنما معبوده ما يهواه ويريده، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏43‏]‏‏؟‏ والناس عنده فى هذا الباب كما هم عند ملوك الكفار من المشركين من الترك وغيرهم، يقولون‏:‏ ‏(‏يا رباعى‏)‏ أي‏:‏ صديق وعدو‏.‏ فمن وافق هواهم كان ولياً، وإن كان كافراً مشركاً، ومن لم يوافق هواهم كان عدوا، وإن كان من أولياء اللّه المتقين، وهذه هى حال فرعون‏.‏
والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه، لكنه لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الإلهية، وجحود الصانع‏.‏
وهؤلاء - وإن كانوا يقرون بالصانع ـ لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادته وطاعته المتضمنة ترك طاعتهم، فقد يعادونه، كما عادى فرعون موسى‏.‏
وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل وإيمان، لا يطلب هذا الحد، بل يطلب لنفسه ما هو عنده، فإن كان مطاعاً مسلماً طلب أن يطاع فى أغراضه، وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية الله، ويكون من أطاعه في هواه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع اللّه وخالف هواه، وهذه شعبة من حال فرعون، وسائر المكذبين للرسل‏.‏
وإن كان عالماً أو شيخاً، أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، حتى لو كانا يقرآن كتابا واحداً كالقرآن، أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها، كالصلوات الخمس؛ فإنه يحب من يعظمه بقبول قوله والاقتداء به أكثر من غيره، وربما أبغض نظيره وأتباعه حسداً وبغياً، كما فعلت اليهود لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يدعـو إلى مثل ما دعا إليه موسى، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏91‏]‏، وقـال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏ 4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏14‏]‏‏.‏
ولهذا أخبر اللّه ـ تعالى ـ عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون، وسلط عليهم من انتقم به منهم، فقال تعالى عن فرعون‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏4‏]‏،وقال تعالى عنهم‏:‏‏{‏وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 4‏]‏؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏83‏]‏‏.‏
واللّه ـ سبحانه وتعالى ـ إنما خلق الخلق لعبادته، ليذكروه ويشكروه ويعبدوه، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبدوا اللّه وحده، وليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة اللّه هي العليا، كما أرسل كل رسول بمثل ذلك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏25‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 45‏]‏‏.‏
وقد أمر اللّه الرسل كلهم بهذا، وألا يتفرقوا فيه، فقال‏:‏‏{‏إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏92‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51 ـ 53‏]‏‏.‏
قال قتادة‏:‏ أي دينكم دين واحد، وربكم رب واحد، والشريعة مختلفة‏.‏ وكذلك قال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ أي‏:‏ دينكم دين واحد‏.‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ وروى عن سعيد بن جبير، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد نحو ذلك‏.‏ وقال الحسن‏:‏ بين لهم ما يتقون وما يأتون، ثم قال‏:‏ إن هذه سنتكم سنة واحدة‏.‏
وهكذا قال جمهور المفسرين ‏.‏
والأمة‏:‏ الملة والطريقة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 22‏]‏، ‏{‏مُّقْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏23‏]‏، كما يسمى الطريق‏:‏ إماماً؛ لأن السالك فيه يأتم به، فكذلك السالك يؤمه ويقصده‏.‏
والأمة ـ أيضاً ـ‏:‏ معلم الخير، الذي يأتم به الناس، كما أن الإمام‏:‏ هو الذي يأتم به الناس‏.‏ وإبراهيم ـ عليه السلام ـ جعله الله إماماً، وأخبر أنه ‏{‏كَانَ أُمَّةً‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 120‏]‏‏.‏
وأمر اللّه الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحداً، لا يتفرقون فيه، كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إنا معشر الأنبياء ديننا واحد‏)‏، وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏13‏]‏؛ ولهذا كان جميع رسل الله وأنبيائه يصدق بعضهم بعضاً، لا يختلفون، مع تنوع شرائعهم‏.‏
فمن كان من المطاعين ـ من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك ـ متبعاً للرسل‏:‏أمر بما أمروا به،ودعا إلى ما دعوا إليه،وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه،فإن اللّه يحب ذلك، فيحب ما يحبه اللّه تعالى،وهذا قصده فى نفس الأمر أن تكون العبادة للّه ـ تعالى ـ وحده، وأن يكون الدين كله للّه‏.‏
وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك، فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود، فله نصيب من حال فرعون وأشباهه‏.‏
فمن طلب أن يطاع دون اللّه،فهذا حال فرعون،ومن طلب أن يطاع مع اللّه،فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون اللّه أنداداً يحبونهم كحب الله‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أمر ألا يعبد إلا إياه،وألا يكون الدين إلا له، وأن تكون الموالاة فيه، والمعاداة فيه، وألا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان إلا به‏.‏
فالمؤمن المتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل، ليكون الدين كله لله، لا له، وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه، وسر بوجود مطلوبه‏.‏
وإذا أحسن إلى الناس، فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويعلم أن الله قد مَنَّ عليه بأن جعله محسناً، ولم يجعله مسيئاً، فيرى أن عمله لله، وأنه باللّه‏.‏
وهذا مذكور فى فاتحة الكتاب، التى ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء‏.‏
ولهذا فرضت عليهم قراءتها فى كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل فى التوراة، ولا في الإنجيل، ولا فى الزبور، ولا في القرآن مثلها، فإن فيها‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏
فالمؤمن يرى أن عمله لله؛ لأنه إياه يعبد، وأنه بالله؛لأنه إياه يستعين، فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكوراً؛ لأنه إنما عمل له ما عمل لله، كما قال الأبرار‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏9‏]‏، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه؛ فإنه قد علم أن اللّه هو المانّ عليه، إذ استعمله فى الإحسان، وأن المنة لله عليه، وعلى ذلك الشخص، فعليه هو أن يشكر الله، إذ يسره لليسرى، وعلى ذلك أن يشكر اللّه، إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر، أو غير ذلك‏.‏
ومن الناس من يحسن إلى غيره ليَمُنّ عليه، أو يرد الإحسان له بطاعته إليه وتعظيمه، أو نفع آخر، وقد يمن عليه، فيقول‏:‏ أنا فعلت بك كذا، فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه، ولا عمل لله، ولا عمل بالله، فهو المرائى‏.‏
وقد أبطل الله صدقة المنَّان، وصدقة المرائي، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏264، 265‏]‏‏.‏
قال قتادة‏:‏‏{‏تَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ‏}‏‏:‏ احتساباً من أنفسهم‏.‏ وقال الشعبى‏:‏ يقيناً، وتصديقاً من أنفسهم‏.‏ وكذلك قال الكلبى‏.‏ قيل‏:‏ يخرجون الصدقة طيبة بها أنفسهم، على يقين بالثواب، وتصديق بوعد اللّه، يعلمون أن ما أخرجوه خير لهم مما تركوه‏.‏
قلت‏:‏ إذا كان المعطى محتسباً للأجر عند الله، مصدقاً بوعد اللّه له، طالباً من اللّه، لا من الذي أعطاه، فلا يمن عليه‏.‏ كما لو قال رجل لآخر‏:‏ أعط مماليكك هذا الطعام، وأنا أعطيك ثمنه، لم يمن على المماليك، لاسيما إذا كان يعلم أن الله قد أنعم عليه بالإعطاء‏.

عدد المشاهدات *:
9551
عدد مرات التنزيل *:
413675
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : فصــل في بيان تفضل الله على العباد ـ ب ـ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  فصــل في بيان تفضل الله على العباد ـ ب ـ
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فصــل في بيان تفضل الله على العباد ـ ب ـ  لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية