اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم السبت 13 ربيع الأول 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد الرابع عشر
كتاب التفسير
تفسير سورة النساء
فصــل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى ـ تتمة ـ
مجموع فتاوى ابن تيمية

قال قتادة فى قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 109‏]‏ قال‏:‏ كان أهل العلم يقولون‏:‏ إن المقام المحمود الذى قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏79‏]‏، هو شفاعته يوم القيامة، وقوله‏:‏‏{‏إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏ إن الله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم فى بعض‏.‏
قال البغوى‏:‏‏{‏إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ‏}‏ أذن اللّه له أن يشفع له، ‏{‏وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏ أى‏:‏ورضى قوله‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يعنى قال‏:‏‏(‏لا إله إلا اللّه‏)‏‏.‏ قال البغوى‏:‏ فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن‏.‏
وقد ذكروا القولين فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ وقدم طائفة هناك‏:‏ أن المستثنى هو الشافع، دون المشفوع له، بخلاف ما قدموه هنا‏.‏
منهم البغوى، فإنه لم يذكر هنا فى الاستثناء إلا المشفوع له، وقال هناك‏:‏‏{‏وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏23‏]‏، فى الشفاعة، قاله تكذيباً لهم،حيث قالوا‏:‏ ‏{‏هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏18‏]‏، قال‏:‏ ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ إلا لمن أذن له أن يشفع له‏.‏
وكذلك ذكروا القولين فى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏86‏]‏، وسنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى، ونبين أن الاستثناء فيها يعم الطائفتين، وأنه منقطع‏.‏
ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية، وهو يعم النوعين‏.‏وذلك أنه ـ سبحانه قال‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏109‏]‏،والشفاعة‏:‏ مصدر شفع شفاعة‏.‏ والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى محل الفعل تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه ‏(‏المفعول به‏)‏ تارة، كما يقال‏:‏ أعجبنى دق الثوب ودق القَصَّار وذلك مثل لفظ ‏(‏العلم‏)‏، يضاف تارة إلى العلم، وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏166‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏14‏]‏،ونحو ذلك‏.‏
والثانى كقوله‏:‏‏{‏إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏34‏]‏، فالساعة هنا‏:‏ معلومة، لا عالمة، وقوله حين قال فرعون‏:‏ ‏{‏فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى‏}‏ ‏.‏ قال موسى‏:‏ ‏{‏عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 51، 52‏]‏، ومثل هذا كثير‏.‏
فالشفاعة مصدر، لابد لها من شافع ومشفوع له‏.‏
والشفاعة‏:‏ تعم شفاعة كل شافع، وكل شفاعة لمشفوع له‏.‏
فإذا قال‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ‏}‏ نفى النوعين؛ شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ‏}‏ يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن ورضى له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضى له قولا من المشفوع له، وهى تنفع المشفوع له، فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع، فتقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه‏.‏
والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعاً ولا مشفوعاً له ‏{‏إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏38‏]‏، فهذا الصنف المأذون لهم، المرضى قولهم، هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات‏.‏
فإنه تارة يشترط فى الشفاعة إذنه، كقوله‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏‏.‏
وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 86‏]‏
وهنا اشترط الأمرين‏:‏ أن يأذن له الرحمن، وأن يقول صواباً، والمستثنى يتناول مصدر الفاعل والمفعول، كما تقول‏:‏ لا ينفع الزرع إلا فى وقته، فهو يتناول زرع الحارث، وزرع الأرض، لكن هنا قال‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ‏}‏ والاستثناء مفرغ فإنه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا، وإنما قال‏:‏ ‏{‏لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ‏}‏، فإذا لم يكن فى الكلام حذف، كان المعنى‏:‏ لا تنفع الشفاعة إلا هذا النوع؛ فإنهم تنفعهم الشفاعة، ويكون المعنى‏:‏ أنها تنفع الشافع والمشفوع له‏.‏
وإن جعل فيه حذف ــ تقديره‏:‏ لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ــ كان المصدر مضافاً إلى النوعين، كل واحد بحسبه، يضاف إلى بعضهم، لكونه شافعاً، وإلى بعضهم لكونه مشفوعاً له، ويكون هذا كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏177‏]‏، أى من يؤمن، و‏{‏وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 171‏]‏، أى مثل داعى الذين كفروا كمثل الناعق، أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به، أى الذى ينعق به، والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم‏.‏
فلهذا كان من أفصح الكلام إيجازه، دون الإطناب فيه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏109‏]‏، إذا كان من هذا الباب، لم يحتج أن الشافع تنفعه الشفاعة، وإن لم يكرمه، كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة‏.‏
وفى الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 23‏]‏، من هؤلاء، وهؤلاء‏.‏
لكن قد يقال‏:‏ التقدير‏:‏ لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع فيه فيؤذن لغيره أن يشفع فيه، فيكون الإذن للطائفتين‏.‏ والنفع للمشفوع له، كأحد الوجهين، أو‏:‏ ولا تنفع إلا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء، فكما أن الإذن للطائفتين، فالنفع أيضا للطائفتين‏.‏ فالشافع ينتفع بالشفاعة، وقد يكون انتفاعه بها أعظم من انتفاع المشفوع له، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ـ فى الحديث الصحيح ‏:‏ ‏(‏اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله تعالى على لسان نبيه ما شاء‏)‏‏.‏
ولهذا كان من أعظم ما يكرم به اللّه عبده محمداً صلى الله عليه وسلم‏:‏ هو الشفاعة التى يختص بها، وهى المقام المحمود، الذى يحمده به الأولون والآخرون‏.‏
وعلى هذا، لا تحتاج الآية إلى حذف، بل يكون معناها‏:‏ يومئذ لا تنفع الشفاعة لا شافعاً ولا مشفوعاً ‏{‏إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏38‏]‏‏.‏
ولذلك جاء فى الصحيح‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يا بنى عبد مناف، لا أملك لكم من الله من شىء، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أملك لك من الله من شىء، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك من الله من شىء‏)‏‏.‏
وفى الصحيح أيضاً‏:‏ ‏(‏لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له رُغَاء أو شاة لها يُعَار أو رِقَاع تَخْفِق، فيقول‏:‏ أغثنى، أغثنى، فأقول‏:‏ قد أبلغتك، لا أملك لك من الله تعالى من شيء‏)‏‏.‏
فيعلم من هذا‏:‏أن قوله‏:‏‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 86‏]‏، و‏{‏لَا يَمْلِكُونَ
مِنْهُ خِطَابًا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏37‏]‏، على مقتضاه، وأن قوله فى الآية‏:‏‏{‏لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ‏}‏ كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا أملك لكم من الله من شىء‏)‏ وهو كقول إبراهيم لأبيه‏:‏‏{‏$ّمّا أّمًلٌكٍ لّكّ مٌنّ بلَّهٌ مٌن شّيًءُ‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏4‏]‏‏.‏
وهذه الآية تشبه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏37، 38‏]‏، فإن هذا مثل قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏109‏]‏، ففى الموضعين اشترط إذنه‏.‏ فهناك ذكر ‏(‏القول الصواب‏)‏ وهنا ذكر ‏(‏أن يرضى قوله‏)‏‏.‏ ومن قال‏:‏ الصواب رضى اللّه قوله، فإن الله إنما يرضى بالصواب‏.‏
وقد ذكروا فى تلك الآية قولين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه الشفاعة ـ أيضاً ـ كما قال ابن السائب‏:‏ لا يملكون شفاعة إلا بإذنه‏.‏
والثانى‏:‏ لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه‏.‏قال مقاتل‏:‏كذلك قال مجاهد‏:‏ ‏{‏ لا يّمًلٌكٍونّ مٌنًهٍ خٌطّابْا ‏}‏ قال‏:‏كلاماً‏.‏ هذا من تفسيره الثابت عنه،وهو مِن أعلم ـ أو أعلم ـ التابعين بالتفسير‏.‏
قال الثورى‏:‏إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به‏.‏وقال‏:‏عرضت المصحف على ابن عباس‏:‏ أقفه عند كل آية وأسأله عنها‏.‏ وعليه اعتمد الشافعى وأحمد والبخارى فى صحيحه‏.‏
وهذا يتناول الشفاعة أيضاً‏.‏
وفى قوله‏:‏‏{‏لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا‏}‏ لم يذكر استثناء؛ فإن أحداً لا يملك من اللّه خطاباً مطلقاً؛ إذ المخلوق لا يملك شيئاً يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه فى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 86‏]‏، أن هذا عام مطلق، فإن أحداً ـ ممن يدعى من دونه ـ لا يملك الشفاعة بحال، ولكن اللّه إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكاً لهم، وكذلك قوله‏:‏‏{‏لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا‏}‏ هذا قول السلف وجمهور المفسرين‏.‏
وقال بعضهم‏:‏ هؤلاء هم الكفار، لا يملكون مخاطبة اللّه في ذلك اليوم، قال ابن عطية‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏لَا يَمْلِكُونَ‏}‏ الضمير للكفار، أي‏:‏ لا يملكون ـ من إفضاله وإكماله ـ أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها‏.‏
وهذا مبتدع، وهو خطأ محض‏.‏
والصحيح‏:‏ قول الجمهور والسلف أن هذا عام، كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏108‏]‏، وفي حديث التجلي الذى فى الصحيح ـ لما ذكر مرورهم على الصراط ـ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ولا يتكلم أحد إلا الرسل، ودعوى الرسل‏:‏ اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ‏)‏، فهذا في وقت المرور على الصراط، وهو بعد الحساب والميزان، فكيف بما قبل ذلك‏؟‏
وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل، وأولى العزم، وكل يقول‏:‏‏(‏إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني فعلت كذا وكذا، نفسي، نفسي، نفسي‏)‏‏.‏ فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى ـ تعالى ـ بالشفاعة، فكيف بغيرهم‏؟‏
وأيضاً، فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة، وبعد أن ذكر الكافرين، فقال‏:‏‏{‏إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏31 ـ 38‏]‏،فقد أخبر أن الروح والملائكة يقومون صفاً، لا يتكلمون‏.‏ وهذا هو تحقيق قوله‏:‏ ‏{‏لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا‏}‏ والعرب تقول‏:‏ ما أملك من أمر فلان، أو من فلان شيئاً،أي‏:‏لا أقدر من أمره على شيء، وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره خطابة،ولو بالسؤال‏.‏
فهم فى ذلك الموطن لا يملكون من الله تعالى شيئاً، ولا الخطاب؛فإنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏4‏]‏، فقد أخبر الخليل أنه لا يملك لأبيه من اللّه من شيء، فكيف غيره‏؟‏
وقال مجاهد ـ أيضاً ـ‏:‏‏{‏إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ قال‏:‏ حقاً في الدنيا، وعملا به‏.‏ رواه ـ والذى قبله ـ عبد بن حميد‏.‏ وروى عن عكرمة‏:‏‏{‏وَقَالَ صَوَابًا ‏}‏ قال‏:‏ الصواب قول لا إله إلا اللّه‏.‏
فعلى قول مجاهد‏:‏ يكون المستثنى من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح‏.‏
وقوله فى سوره طه‏:‏‏{‏لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏‏[‏الآية‏:‏ 109‏]‏، فإذا جعلت هذا مثل تلك، فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة، وهي الشفاعة فى الحسنات وفى دخول الجنة، كما فى الصحيحين‏:‏ ‏(‏أن الناس يهتمون يوم القيامة، فيقولون‏:‏ لو استشفعنا على ربنا حتى يرحنا من مقامنا هذا‏؟‏‏)‏، فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم‏.‏
وفى حديث الشفاعة‏:‏‏(‏أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن‏)‏ فهذه شفاعة في أهل الجنة؛ ولهذا قيل‏:‏ إن هاتين الشفاعتين مختصتان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويشفع غيره فى العصاة‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏109‏]‏، يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموماً، وفى أهل الجنة، وفي المستحقين للعذاب‏.‏ وهو ـ سبحانه ـ فى هذه وتلك لم يذكر العمل،إنما قال‏:‏‏{‏وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏، ولكن قد دل الدليل على أن القول الصواب المرضي لا يكون صاحبه محموداً إلا مع العمل الصالح، لكن نفس القول مَرْضِى، فقد قال اللّه‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏10‏]‏‏.‏
وقد ذكر البغوي وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏86‏]‏ قولين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن المستثنى هو الشافع، ومحل ‏[‏من]‏ الرفع‏.‏ والثاني‏:‏ هو المشفوع له‏.‏
قال أبو الفرج‏:‏ في معنى الآية قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه أراد بـ ‏{‏الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ‏}‏ آلهتهم، ثم استثنى عيسى وعزيزاً والملائكة، فقال‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ‏}‏ وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم‏.‏ قال‏:‏ وهذا مذهب الأكثرين، منهم قتادة‏.‏
والثانى‏:‏ أن المراد بـ ‏{‏الَّذِينَ يَدْعُونَ‏}‏ عيسى و عزيراً والملائكة، الذين عبدهم المشركون،لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد ‏{‏إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ‏}‏ وهي كلمة الإخلاص ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ أن الله تعالى خلق عيسى وعزيراً والملائكة‏.‏ وهذا مذهب قوم، منهم مجاهد‏.‏
وقال البغوي‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏86‏]‏، هم عيسى وعزير والملائكة؛ فإنهم عبدوا من دون الله تعالى، ولهم الشفاعة‏.‏ وعلى هذا تكون ‏(‏من‏)‏ فى محل رفع‏.‏ وقيل‏:‏ ‏(‏من‏)‏ فى محل خفض، وأراد بـ ‏{‏الَّذِينَ يَدْعُونَ‏}‏‏:‏ عيسى وعزيراً والملائكة، يعنى‏:‏ أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق‏.‏ قال‏:‏ والأول أصح‏.‏
قلت‏:‏قد ذكر جماعة قول مجاهد وقتادة، منهم ابن أبى حاتم‏.‏روى بإسناده المعروف ـ على شرط الصحيح ـ عن مجاهد قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ عيسى وعزير والملائكة، يقول‏:‏ لا يشفع عيسى وعزير والملائكة ‏{‏ إلا مّن شّهٌدّ بٌالًحّقٌَ ‏}‏ يعلم الحق‏.‏ هذا لفظه‏.‏ جعل ‏(‏شفع‏)‏ متعديا بنفسه وكذلك لفظ ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏[‏بياض بالأصل‏]‏‏.‏
وعلى هذا، فيكون منصوبا، لا يكون مخفوضاً، كما قاله البغوي ؛ فإن الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم، ويكون على هـذا يقـال‏:‏ شفعته، وشفعت لـه، كما يقال‏:‏ نصحته، ونصحت له‏.‏ و‏(‏شفع‏)‏ أي صار شفيعاً للطالب، أي لا يشفعون طالباً ولا يعينون طالباً ‏{‏إلا مّن شّهٌدّ بٌالًحّقٌَ $ّهٍمً يّعًلّمٍونّ ‏}‏ أن الله ربهم‏.‏
وروى بإسناده عن قتادة ‏{‏إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏ الملائكة وعيسى وعزير، أي أنهم قد عبدوا من دون اللّه، ولهم شفاعة عند اللّه ومنزلة‏.‏
قلت‏:‏ كلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية‏:‏ أن الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون اللّه الشفاعة مطلقاً، لا يستثنى من ذلك أحد عند اللّه؛ فإنه لم يقل‏:‏ ولا يشفع أحد، ولا قال‏:‏ لا يشفع لأحد، بل قال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ وكل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة البتة‏.‏
والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله‏.‏
وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم لم يعبد كما عبد المسيح، وهو ـ مع هذا ـ له شفاعة، ليست لغيره، فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دعى من دون اللّه دون من لم يدع‏.‏
فمن جعل الاستثناء متصلا، فإن معنى كلامه‏:‏ أن من دعى من دون الله تعالى لا يملك الشفاعة، إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم، أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم، ويبقى الذين لم يدعوا من دون اللّه، لم تذكر شفاعتهم لأحد، وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه، وسبب نزول الآية يبطله أيضاً‏.‏
وأيضاً، فقوله‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ يتناول كل معبود من دونه، ويدخل فى ذلك الأصنام؛ فإنهم كانوا يقولون‏:‏ هم يشفعون لنا‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏18‏]‏‏.‏
فإذا قيل‏:‏ إنه استثنى الملائكة والأنبياء، كان فى هذا إطماع لمن عندهم أن معبوديهم من دون الله تعالى يشفعون لهم، وهذا مما يبين فساد القول المذكور عن قتادة‏.‏
فإنه إذا كان المعنى‏:‏ أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء، كان فى هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم، إذا كانوا صالحين، والقرآن كله يبطل هذا المعنى؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏26‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏26ـ 28‏]‏، فبين أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرب، فعلم أنه لابد أن يؤذن لهم في من يشفعون فيه، وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق‏.‏
وأيضاً،فإن في القرآن‏:‏ إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقاً؛ فإن قوله‏:‏‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏ إما أن يكون متصلا بقوله‏:‏ ‏{‏يملكون‏}‏ أو بقوله‏:‏‏{‏يَدْعُونَ‏}‏ أو بهما‏.‏ فالتقدير‏:‏لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه، أو لا يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا‏.‏ وهـذا أظهر ؛ لأنه قـال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ فأخر‏{‏الشَّفَاعَةَ‏}‏ وقدم ‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏‏.‏
ومثل هذا كثير فى القرآن‏:‏‏(‏يدعون من دون اللّه‏)‏ و ‏(‏يعبدون من دون اللّه‏)‏، كقوله‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏18‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَّ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 106‏]‏‏.‏
بخلاف ما إذا قيل‏:‏ لا يملك الذين يدعون الشفاعة من دونه؛ فإن هذا لا نظير له في القرآن، واللفظ المستعمل فى مثل هذا أن يقال‏:‏ لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه، أو لمن ارتضى، ونحو ذلك‏.‏ لا يقال فى هذا المعنى‏:‏‏(‏من دونه‏)‏؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه‏؟‏ لكن قد تكون بإذنه، وقد تكون بغير إذنه‏.‏
وأيضاً، فإذا قيل‏:‏‏{‏بَّذٌينّ يّدًعٍونّ‏}‏ مطلقاً، دخل فيه الرب تعالى؛ فإنهم كانوا يدعون اللّه، ويدعون معه غيره؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏68‏]‏‏.‏
والتقدير الثالث‏:‏ لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه، وهذا أجود من الذي قبله، لكن يَرِدُ عليه ما يَرِدُ على الأول‏.‏
ومما يضعفهما أن الشفاعة لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ فنفى ملكهم الشفاعة مطلقاً‏.‏ وهذا هو الصواب‏.‏وإن كل من دعى من دون اللّه لا يملك الشفاعة؛ فإن المالك للشيء هو الذي يتصرف فيه بمشيئته وقدرته،والرب ـ تعالى ـ لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فلا يملك أحد من المخلوقين الشفاعة بحال، ولا يقال فى هذا‏:‏ ‏{‏إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ إنما يقال ذلك فى الفعل، فيقال‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏‏.‏
وأما فى الملك، فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها، فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبى فمن دونه مالكا لها، بل هذا ممتنع، كما يمتنع أن يكون خالقاً وربا، وهذا كما قال‏:‏‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ‏}‏ فنفى الملك مطلقا،ثم قال‏:‏‏{‏وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏، فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقا يملك الشفاعة، بل هو ـ سبحانه ـ له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏1، 2‏]‏‏.‏
ولهذا ـ لما نفى الشفعاء من دونه ـ نفاهم نفياً مطلقاً بغير استثناء،وإنما يقع الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه، كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏51‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏70‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏‏{‏مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏4‏]‏، فلما قال‏:‏ ‏{‏مِّن دُونِهِ‏}‏ نفى الشفاعة مطلقاً، وإذا ذكر ‏{‏بِإِذْنِهِ‏}‏ لـم يقـل‏:‏ ‏(‏من دونه‏)‏ كقوله‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏‏.‏
فمن تدبر القرآن تبين له أنه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏23‏]‏، يشبه بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً، ليس بمختلف ولا بمتناقض ‏{‏وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏82‏]‏‏.‏
وهو ‏(‏مثانى‏)‏ يثنى الله تعالى فيه الأقسام، ويستوفيها‏.‏
والحقائق إما متماثلة، وهي ‏(‏المتشابه‏)‏ وإما مماثلة، وهي‏:‏ الأصناف والأقسام والأنواع‏.‏ وهي ‏(‏المثاني‏)‏‏.‏
و‏(‏التثنية‏)‏ يراد بها‏:‏ جنس التعديد، من غير اقتصار على اثنين فقط، كما فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 4‏]‏، يراد به‏:‏ مطلق العدد، كما تقول‏:‏ قلت له مرة بعد مرة، تريد‏:‏ جنس العدد‏.‏ وتقول‏:‏ هو يقول كذا، ويقول كذا، وإن كان قد قال مرات، كقول حذيفة بن اليمان ـ رضى اللّه عنهما ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه جعل يقول بين السجدتين‏:‏ ‏(‏رب اغفر لي، رب اغفر لي‏)‏ لم يرد‏:‏ أن هذا قاله مرتين فقط،كما يظنه بعض الناس الغالطين، بل يريد‏:‏ أنه جعل يثنى هذا القول، ويردده، ويكرره، كما كان يثنى لفظ التسبيح‏.‏
وقد قال حذيفة ـ رضي اللّه عنه ـ فى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم إنه ركع نحواً من قيامه، يقول فى ركوعه‏:‏ ‏(‏سبحان ربى العظيم، سبحان ربي العظيم‏)‏‏.‏ وذكر أنه سجد نحواً من قيامه، يقول فى سجوده‏:‏ ‏(‏رب اغفر لي، رب اغفر لي‏)‏‏.‏
وقد صرح في الحديث الصحيح ـ أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران فإنه قام بهذه السور كلها،وذكر أنه كان يقول‏:‏‏(‏سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى‏)‏‏.‏
فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ‏:‏ جنس التعداد والتكرار، لا الاقتصار على مرتين، فإن ‏[‏الاثنين‏]‏ أول العدد الكثير‏.‏ فذكر أول الأعداد يعنى أنه عدد هذا اللفظ، لم يقتصر على مرة واحدة، فالتثنية التعديد، والتعديد يكون للأقسام المختلفة‏.‏
وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب‏.‏
فـ ‏[‏المتشابه‏]‏ فى النظائر المتماثلة، و‏[‏المثاني‏]‏ في الأنواع‏.‏ وتكون التثنية في المتشابه، أي هذا المعنى قد ثنى في القرآن لفوائد أخر‏.‏
فـ [‏المثاني‏]‏ تعم هذا وهذا‏.‏ وفاتحة الكتاب‏:‏ هي [‏السبع المثاني]‏ لتضمنها هذا وهذا، وبسط هذا له موضع آخر‏.‏
والمقصود هنا أن قوله‏:‏‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏86‏]‏، فهذا استثناء منقطع‏.‏ والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين‏.‏ فلما نفى ملكهم الشفاعة، بقيت الشفاعة بلا مالك لها‏.‏
كأنه قد قيل‏:‏ فإذا لم يملكوها، هل يشفعون في أحد‏؟‏ فقال‏:‏ نعم ‏{‏مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏
وهذا يتناول الشافع والمشفوع له،فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، فالملائكة والأنبياء والصالحون ـ وإن كانوا لا يملكون الشفاعة ـ لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا، وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين، الذين يشهدون أن لا إله إلا اللّه، فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليداً للآباء والشيوخ، كما جاء الحديث الصحيح‏:‏‏(‏إن الرجل يسأل فى قبره‏:‏ ما تقول في هذا الرجل ‏؟‏ فأما المؤمن، فيقول‏:‏ هو عبد اللّه ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى‏.‏ وأما المرتاب، فيقول‏:‏ هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته‏)‏ فلهذا قال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏
وقد تقدم قول ابن عباس؛ يعني من قال‏:‏‏(‏لا إله إلا الله تعالى‏)‏ يعنى‏:‏ خالصا من قلبه‏.‏
والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة، كلها تبين أن الشفاعة إنما تكون فى أهل ‏(‏لا إله إلا اللّه‏)‏‏.‏
وقد ثبت فى صحيح البخاري‏:‏ أن أبا هريرة قال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يا أبا هريرة، لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال‏:‏ لا إله إلا الله تعالى، خالصا من قبل نفسه‏)‏‏.‏
فبين أن المخلص لها من قبل نفسه، هو أسعد بشفاعته صلى الله عليه وسلم من غيره ممن يقولها بلسانه، وتكذبها أقواله وأعماله‏.‏
فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق، شهدوا ‏(‏أن لا إله إلا الله تعالى‏)‏، كما شهد الله تعالى لنفسه بذلك وملائكته وأولو العلم ‏{‏شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏18‏]‏‏.‏
فإذا شهدوا ـ وهم يعلمون ـ كانوا من أهل الشفاعة، شافعين، ومشفوعا لهم‏.‏
فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم فى بعض، كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة، كما ثبت فى الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ـ في الحديث الطويل، حديث التجلي والشفاعة ـ‏:‏ ‏(‏حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله تعالى فى استيفاء الحق من المؤمنين للّه يوم القيامة لإخوانهم الذين فى النار، يقولون‏:‏ ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون‏.‏فيقال لهم‏:‏ أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار‏)‏ وذكر تمام الحديث‏.‏
وسبب نزول الآية ـ على ما ذكروه ـ مؤيد لما ذكره‏.‏
قال أبو الفرج ابن الجوزى‏:‏ سبب نزولها‏:‏ أن النضر بن الحارث ونفراً معه قالوا‏:‏ إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن نتولى الملائكة، فهم أحق بالشفاعة من محمد، فنزلت هذه الآية‏.‏ قاله مقاتل‏.‏
وعلى هذا، فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة، فليس توليكم إياهم، واستشفاعكم بهم بالذي يوجب أن يشفعوا لكم؛ فإن أحداً ممن يدعى من دون اللّه لا يملك الشفاعة، ولكن ‏{‏مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ فإن اللّه يشفع فيه‏.‏
فالذي تنال به الشفاعة هى الشهادة بالحق، وهي شهادة أن لا إله إلا اللّه، لا تنال بتولى غير اللّه؛ لا الملائكة، ولا الأنبياء ولا الصالحين‏.‏
فمن والى أحداً من هؤلاء ودعاه، وحج إلى قبره، أو موضعه، ونذر له، وحلف به، وقرب له القرابين ليشفع له، لم يغن ذلك عنه من اللّه شيئاً، وكان من أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره؛ فإن الشفاعة إنما تكون لأهل توحيد اللّه، وإخلاص القلب والدين له، ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك‏.‏
فهذا القول والعبادة ـ الذي يقصد به المشركون الشفاعة ـ يحرم عليهم الشفاعة، فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين،ليشفعوا لهم،كانت عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم، الذي به طلبوا شفاعتهم، به حرموا شفاعتهم، وعوقبوا بنقيض قصدهم؛ لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا‏.‏
وكثير من أهل الضلال يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التى فيها شرك، أو هي شرك خالص، كما ظن ذلك المشركون الأولون، وكما يظنه النصارى، ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام، الذين يدعون غير اللّه، ويحجون إلى قبره أو مكانه، وينذرون له، ويحلفون به، ويظنون أنه بهذا يصير شفيعاً لهم، قال تعالى‏:‏‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏56،57‏]‏‏.‏
قال طائفة من السلف‏:‏ كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة، وهذا لا استثناء فيه، وإن كان الله يجيب دعاءهم، ثم قال‏:‏ ‏{‏أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏، فبين أن هؤلاء المزعومين، الذين يدعونهم من دون اللّه كانوا يرجون رحمة الله تعالى ويخافون عذابه، ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة، كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 80‏]‏‏.‏
وللناس فى الشفاعة أنواع من الضلال، قد بسطت في غير هذا الموضع‏.‏
فكثير منهم يظن أن الشفاعة هى بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له، كما ذكر ذلك أبو حامد الغزالى وغيره، ويقولون‏:‏ من كان أكثر صلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، كان أحق بالشفاعة من غيره،وكذلك من كان أحسن ظناً بشخص، وأكثر تعظيماً له، كان أحق بشفاعته‏.‏
وهذا غلط، بل هذا هو قول المشركين الذين قالوا‏:‏ نتولى الملائكة ليشفعوا لنا، يظنون أن من أحب أحدا، من الملائكة والأنبياء والصالحين وتولاه، كان ذلك سبباً لشفاعته له‏.‏ وليس الأمر كذلك بل الشفاعة سببها توحيد اللّه وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له، فكل من كان أعظم إخلاصا كان أحق بالشفاعة، كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة؛ فإن الشفاعة من اللّه مبدؤها، وعلى الله تعالى تمامها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، وهو الذى يأذن للشافع، وهو الذى يقبل شفاعته فى المشفوع له‏.‏
وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التى بها يرحم اللّه من يرحم من عباده، وأحق الناس برحمته هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل فى تحقيق إخلاص ‏(‏لا إله إلا اللّه‏)‏ علماً وعقيدة، وعملاً وبراءة، وموالاة ومعاداة، كان أحق بالرحمة‏.‏
والمذنبون ـ الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخَفَّت موازينهم فاستحقوا النارـ من كان منهم من أهل ‏(‏لا إله إلا اللّه‏)‏ فإن النار تصيبه بذنوبه، ويميته اللّه فى النار إماتة، فتحرقه النار إلا موضع السجود، ثم يخرجه اللّه من النار بالشفاعة، ويدخله الجنة، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة‏.‏
فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الإخلاص، وهى ‏(‏لا إله إلا اللّه‏)‏ لا على الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم، كما ظنه الجاهليون، وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع‏.‏
والمقصود هنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين ‏(‏الحمد‏)‏ الذى هو رأس الشكر، وبين ‏(‏التوحيد والاستغفار‏)‏ إذا رفع رأسه من الركوع فيقول‏:‏‏(‏ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شىء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجَد منك الجد‏)‏ ثم يقول‏:‏ ‏(‏اللهم طهرنى بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما يُنَقى الثوب الأبيض من الدَّنَس‏)‏ كما رواه مسلم فى الصحيح عن أبى سعيد الخدرى ـ رضى الله تعالى عنه ـ قال‏:‏كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسهمن الركوع قال‏:‏‏(‏اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شىء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد‏)‏‏.‏
وروى مسلم ـ أيضا ـ عن عبد الله بن أبى أوفى ـ رضى الله عنه ـ قال‏:‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال‏:‏‏(‏سمع الله لمن حمده،اللهم ربنا لك الحمد،ملء السموات وملء الأرض،وملء ما شئت من شىء بعد،اللهم طهرنى بالثلج والبرد،والماء البارد، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوَسَخ‏)‏‏.‏
وقد روى مسلم فى صحيحه أيضاً عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول‏:‏‏(‏اللهم لك الحمد‏)‏، وقال‏:‏‏(‏وملء الأرض، وملء ما بينهما‏)‏، ولم يذْكَر فى بعض الروايات؛ لأن ‏(‏السموات والأرض‏)‏ ‏.‏قد يراد بهما العلو والسفل مطلقاً، فيدخل فى ذلك الهواء وغيره؛ فإنه عال بالنسبة إلى ما تحته، وسافل بالنسبة إلى ما فوقه، فقد يجعل من السماء، كما يجعل السحاب سماء، والسقف سماء،وكذا قال فى القرآن‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏،ولم يقل‏:‏ ‏(‏وما بينهما‏)‏ كما يقول‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ‏}‏‏[‏السجدة‏:‏4‏]‏‏.‏
فتارة يذكر قوله‏:‏‏(‏وما بينهما‏)‏ فيما خلقه فى ستة أيام، وتارة لا يذكره، وهو مراد؛ فإن ذكره كان إيضاحاً وبياناً، وإن لم يذكره دخل فى لفظ ‏(‏السموات والأرض‏)‏ ‏.‏ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم تارة يقول‏:‏ ‏(‏ملء السموات وملء الأرض‏)‏ ولا يقول‏:‏‏(‏وما بينهما‏)‏، وتارة يقول‏:‏‏(‏وما بينهما‏)‏ وفيها كلها‏:‏‏(‏وملء ما شئت من شىء بعد‏)‏، وفى رواية أبى سعيد‏:‏ ‏(‏أحق ما قال العبد‏)‏ إلى آخره، وفى رواية ابن أبى أوْفَى‏:‏ ‏(‏الدعاء بالطهارة من الذنوب‏)‏‏.‏
ففى هذا، الحمد رأس الشكر والاستغفار، فإن ربنا غفور وشكور، فالحمد بإزاء النعمة، والاستغفار بإزاء الذنوب‏.‏
وذلك تصديق قوله تعالى‏:‏‏{‏مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏79‏]‏‏.‏
ففى سيد الاستغفار‏:‏‏(‏أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبى‏)‏، وفى حديث أبي سعيد‏:‏ ‏(‏الحمد رأس الشكر والتوحيد‏)‏، كما جمع بينهما في أم القرآن؛ فأولها تحميد، وأوسطها توحيد، وآخرها دعاء، وكما في قوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏65‏]‏ ‏.‏
وفى حديث الموطأ‏:‏ ‏(‏أفضل ما قلتُ أنا والنبيون من قبلى‏:‏ لا إله إلا الله تعالى، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهوعلى كل شىء قدير من قالها كتب الله تعالى له ألف حسنة، وحط عنه ألف سيئة وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثلها، أو زاد عليه، ومن قال فى يوم مائة مرة‏:‏ سبحان اللّه وبحمده، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زَبَد البحر‏)‏‏.‏
وفضائل هذه الكلمات فى أحاديث كثيرة، وفيها‏:‏ التوحيد والتحميد‏.‏
فقوله‏:‏ ‏(‏لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له‏)‏ توحيد، وقوله‏:‏ ‏(‏له الملك وله الحمد‏)‏ تحميد، وفيها معان أخرى شريفة‏.‏
وقد جاء الجمع بين التوحيد، والتحميد، والاستغفار، فى مواضع؛ مثل حديث كفارة المجلس‏:‏ ‏(‏سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك‏)‏ فيه‏:‏ التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار‏.‏ من قالها فى مجلس؛ إن كان مجلس لغط كانت كفارة له، وإن كان مجلس ذكر كانت كالطابع له، وفى حديث أيضا‏:‏ ‏(‏إن هذا يقال عقب الوضوء‏)‏‏.‏
ففى الحديث الصحيح ـ فى مسلم وغيره ـ من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما منكم من أحد يتوضأ فيَسْبغ الوضوء، ثم يقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فُتحِِت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء‏)‏‏.‏ وفى حديث آخر أنه يقول‏:‏ ‏(‏سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك‏)‏ ‏.‏
وقد روى عن طائفة من السلف، فى الكلمات التى تلقاها آدم من ربه، ونحو هذه الكلمات‏.‏
روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال‏:‏ ‏(‏اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إنى ظلمت نفسى،فاغفر لى، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك،رب إنى ظلمت نفسى فارحمنى، فأنت خير الراحمين،لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك،رب إنى ظلمت نفسى، فتب على، إنك أنت التواب الرحيم‏)‏‏.‏فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء،وخاتمة الوضوء فيها التسبيح،والتحميد،والتوحيد، والاستغفار‏.‏
فالتسبيح، والتحميد، والتوحيد لله تعالى؛ فإنه لا يأتى بالحسنات إلا هو‏.‏
والاستغفار من ذنوب النفس، التى منها تأتى السيئات‏.‏
وقد قرن اللّه فى كتابه بين التوحيد، والاستغفار فى غيرموضع، كقوله‏:‏‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏19‏]‏، وفى قوله‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 2، 3‏]‏ وفى قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏6‏]‏‏.‏
وفى حديث رواه ابن أبى عاصم وغيره‏:‏‏(‏يقول الشيطان‏:‏ أهلكتُ الناس بالذنوب، وأهلكونى بالاستغفار، وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بَثَثْت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صُنُعًا‏)‏‏.‏
و‏(‏لا إله إلا اللّه‏)‏ تقتضى الإخلاص والتوكل والإخلاص ‏[‏يقتضى‏]‏ الشكر، فهى أفضل الكلام، وهى أعلى شعب الإيمان، كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال‏:‏ ‏(‏الإيمان بضْعُ وستون ـ أو بضع وسبعون ـ شُعْبَة، أعلاها قول لا إلا إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان‏)‏‏.‏
فـ ‏(‏لا إله إلا اللّه‏)‏ هى قطب رحَى الإيمان، وإليها يرجع الأمر كله‏.‏
والكتب المنزلة مجموعة فى قوله تعالى‏:‏‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏، وهي معنى ‏(‏لا إله إلا الله‏)‏و ‏(‏لا حول ولا قوة إلا بالله‏)‏ هى من معنى ‏(‏لا إله إلا الله‏)‏ و‏(‏الحمد للّه‏)‏ فى معناها، و‏(‏سبحان الله والله أكبر‏)‏ من معناها، لكن فيها تفصيل بعد إجمال‏.

عدد المشاهدات *:
10768
عدد مرات التنزيل *:
402639
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : فصــل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى ـ تتمة ـ
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  فصــل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى ـ تتمة ـ
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فصــل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى ـ تتمة ـ لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية