اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الأربعاء 6 جمادى الآخرة 1442 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

القلوب

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد السابع والعشرون
كتاب الزيارة وشد الرحال إليها
فصل في النهي عن اتخاذ القبور مساجد
فَصــل: متى بنيت المساجد الثلاثة تتمة
مجموع فتاوى ابن تيمية

ولم تدع الصحابة في الإسلام قبرًا ظاهرًا من قبور الأنبياء يفتتن به الناس، ولا يسافرون إليه ولا يدعونه، ولا يتخذونه مسجدًا، بل قبر نبينا صلى الله عليه وسلم حجبوه في الحجرة، ومنعوا الناس منه بحسب الإمكان، وغيره من القبور عفوه بحسب الإمكان، إن كان الناس يفتتنون به، وإن كانوا لا يفتتنون به فلا يضر معرفة قبره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما ذكر أن ملك الموت أتي موسي ـ عليه السلام ـ فقال‏:‏ أجب ربك، فلطمه موسي ففقأ عينه‏!‏ فرجع الملك إلي الله، فقال‏:‏ أرسلتني إلي عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال‏:‏ فرد الله عليه عينه، وقال‏:‏ ارجع إلي موسي فقل له‏:‏ الحياة تريد‏؟‏ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بكل شعرة سنة‏.‏ قال‏:‏ ثم ماذا‏؟‏ / قال‏:‏ الموت‏.‏ قال‏:‏ فمن الآن يا رب‏!‏ ولكن ادنني من الأرض المقدسة رمية بحجر‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلي جانب الطريق عند الكثيب الأحمر‏)‏‏.‏ وقد مر به صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فرآه وهو قائم يصلى في قبره، ومع هذا لم يكن أحد من الصحابة والتابعين يسافر إليه، ولا ذهبوا إليه لما دخلوا الشام في زمن أبي بكر وعمر؛ كما لم يكونوا يسافرون إلي قبر الخليل ولا غيره، وهكذا كانوا يفعلون بقبور الأنبياء والصالحين‏.‏ فقبر ‏[‏دانيال‏]‏ ـ كما قيل ـ كانوا يجدون منه رائحة المسك، فعفوه لئلا يفتتن به الناس‏.‏
و ‏[‏قبر الخليل‏]‏ ـ عليه السلام ـ كان عليه بناء‏.‏ قيل‏:‏ إن سليمان ـ عليه السلام ـ بناه فلا يصل أحد إليه، وإنما نقب البناء بعد زمان طويل، بعد انقراض القرون الثلاثة‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنما نقبه النصاري لما استولوا على ملك البلاد، ومع هذا فلم يتمكن أحد من الوصول إلي قبر الخليل ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ فكان السفر إلي زيارة قبور الأنبياء والصالحين ممتنعًا على عهد الصحابة والتابعين، وإنما حدث بعدهم‏.‏ فالأنبياء كثيرون جدًا، وما يضاف إليهم من القبور قليل جدًا، وليس منها شيء ثابت عرفًا‏.‏ فالقبور المضامة إليهم منها ما يعلم أنه كذب، مثل ‏[‏قبر نوح‏]‏ الذي في أسفل جبل لبنان‏.‏ ومنها ما لا / يعلم ثبوته بالإجماع ـ إلا قبر نبينا والخليل وموسي ـ فإن هذا من كرامة محمد وأمته؛ فإن الله صان قبور الأنبياء عن أن تكون مساجد صيانة لم يحصل مثلها في الأمم المتقدمة؛ لأن محمدًا وأمته أظهروا التوحيد إظهارًا لم يظهره غيرهم‏.‏ فقهروا عباد الأوثان، وعباد الصلبان، وعباد النيران‏.‏
وكما أخفي الله بهم الشرك فأظهر الله بمحمد وأمته من الإيمان بالأنبياء وتعظيمهم وتعظيم ما جاؤوا به وإعلان ذكرهم بأحسن الوجوه ما لم يظهر مثله في أمة من الأمم، وفي القرآن يأمر بذكرهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 41‏]‏، ‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَي إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 51‏]‏ الآيات، وقوله‏:‏ ‏{‏اصْبِرْ على مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 17‏]‏، وذكر بعده سليمان إلي قوله‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَي رَبَّهُ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏41‏]‏، إلي قوله‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ‏}‏ إلي قوله‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَإليسَعَ وَذَا الْكِفْلِ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 45‏:‏ 48‏]‏، فأمر بذكر هؤلاء‏.‏ وأما موسي وقبله نوح وهود وصالح فقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 12‏:‏ 14‏]‏‏.‏ وقد أمر بذكر موسي وغيره ـ أيضا ـ في سورة / أخري، كما تقدم‏.‏
فالذي أظهره الله بمحمد وأمته من ذكر الأنبياء بأفضل الذكر، وإخبارهم، ومدحهم، والثناء عليهم، ووجوب الإيمان بما جاؤوا به، والحكم بالكفر على من كفر بواحد منهم، وقتله، وقتل من سب أحدا منهم، ونحو ذلك من تعظيم أقدارهم، ما لم يوجد مثله في ملة من الملل‏.‏
وأصل الإيمان‏:‏ توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 92، 93‏]‏، قال أبو العإلية‏:‏ خلتان تسأل العباد يوم القيامة عنهما‏:‏ عما كانوا يعملون، وعما أجابوا الرسل‏.‏ ولهذا يقرر الله هذين الأصلىن في غير موضع من القرآن، بل يقدمهما على كل ما سواهما؛ لأنهما أصل الأصول؛ مثلما ذكر في سورة ‏[‏البقرة‏]‏، فإنه افتتحها بذكر أصناف الخلق، وهم ثلاثة‏:‏ مؤمن، وكافر، ومنافق، وهذا التقسيم كان لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلي المدينة؛ فإن مكة لم يكن بها نفاق بل إما مؤمن، وإما كافر‏.‏ و ‏[‏البقرة‏]‏ مدنية من أوائل ما نزل بالمدينة، فأنزل الله أربع آيات في ذكر المؤمنين، وآيتين في ذكر الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، وافتتحها بالإيمان بجميع الكتب والأنبياء، ووسطها بذلك، وختمها / بذلك‏.‏ قال في أولها‏:‏ ‏{‏الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 1 - 5‏]‏
والصحيح في قوله‏:‏ ‏{‏والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ‏}‏ أنه والذي قبله صفة لموصوف واحد؛ فإنه لابد من الإيمان بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، والعطف لتغاير الصفات، كقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏3‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 2 - 4‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ‏}‏ إلي قوله‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 1 - 11‏]‏، ومن قال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏}‏ أراد به مشركي العرب، وقوله‏:‏ ‏{‏والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ‏}‏، أن المراد به أهل الكتاب‏:‏ فقد غلط؛ فإن مشركي العرب لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، فلم يكونوا مفلحين‏.‏ وأهل الكتاب إن لم يؤمنوا بالغيب ويقيموا الصلاة ومما رزقناهم ينفقون لم يكونوا مفلحين؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏}‏، فدل على أنهم صنف واحد‏.‏
/وقال في وسط السورة‏:‏ ‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إلينَا وَمَا أُنزِلَ إلي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 136‏]‏، فأمر بالإيمان بكل ما أوتي النبيون من ربهم، وقد قال في أثنائها‏:‏ ‏{‏وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَإليوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏، وختمها بقوله‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285‏]‏‏.‏
ثم إنه بعد تقسيم الخلق قرر أصول الدين‏.‏ فقرر التوحيد أولا، ثم النبوة ثانيا بقوله‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 21، 22‏]‏، ثم قرر النبوة بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 23، 24‏]‏ فأخبر أنهم لا يفعلون ذلك، كما قال‏:‏ ‏{‏قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 88‏]‏‏.‏ ثم ذكر الجنة، فقرر التوحيد، والنبوة، والمعاد، وهذه أصول الإيمان‏.‏
وفي ‏[‏آل عمران‏]‏ قال‏:‏ ‏{‏اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 2- 4‏]‏‏.‏ فذكر التوحيد أولا، ثم الإيمان بما جاءت به الرسل ثانيا، وذكر أنه أنزل الكتاب والفرقان، كما قال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏53‏]‏‏.‏ ولفظ ‏[‏الفرقان‏]‏ يتناول ما يفرق بين الحق والباطل مثل الآيات التي بعث بها الأنبياء، كالحية، وإليد البيضاء، وانفلاق البحر‏.‏ والقرآن فرقان بين هذا الوجه؛ من جهة أنه آية عظيمة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلم عظيم‏.‏ وهو ـ أيضا ـ فرقان باعتبار أنه فرق ببيانه بين الحق والباطل، كما قال‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 1‏]‏،ولهذا فسر جماعة الفرقان هنا به‏.‏ ولفظ ـ ‏[‏الفرقان‏]‏ ـ أيضا ـ يتناول نصر الله لأنبيائه وعباده المؤمنين وإهلاك أعدائهم؛ فإنه فرق به بين أوليائه وأعدائه، وهو ـ أيضا ـ من الأعلام قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏‏.‏ والآيات التي يجعلها الله دلالة على صدق الأنبياء هي مما ينزله، كما قال‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 37‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏ 4‏]‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 59‏]‏‏.‏ وبسط هذا له موضع آخر /والمقصود هنا التنبيه‏.‏
وكذلك في سورة ‏[‏يونس‏]‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلي رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 2‏]‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏‏.‏
وفي سورة ‏[‏الم السجدة‏]‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 1 - 4‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنزَلْنَا إليكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلي اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 1 - 3‏]‏‏.‏
ومن هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 1، 2‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 14‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 2‏]‏، وقوله‏:‏ /‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 62‏]‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 65‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 36‏]‏‏.‏
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الإخلاص تارة، وتارة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إلينَا وَمَا أُنزِلَ إلي إِبْرَاهِيمَ‏}‏، الآيات ‏[‏البقرة‏:‏ 136‏]‏‏.‏ وفي الثانية‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلي كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏‏.‏ وهذا باب واسع؛ لأن الناس مضطرون إلي هذين الأصلىن، فلا ينجون من العذاب ولا يسعدون إلا بهما‏.‏ فعليهم أن يؤمنوا بالأنبياء وما جاؤوا به، وأصل ما جاؤوا به ألا يعبدوا إلا الله وحده، كما قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إليهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 25‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 45‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 36‏]‏‏.‏
والأنبياء ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ كلامه، وأمـره، ونهيـه، ووعـده ووعيده، وأنبائه التي أنبأ بها عن أسمائه وصفاته وملائكته وعرشه وما كان وما يكون، وليسوا وسائط في خلقه لعباده، ولا في رزقهم، وإحيائهم، وإماتتهم، ولا /جزائهم بالأعمال، وثوابهم، وعقابهم، ولا في إجابة دعواتهم وإعطاء سـؤالهم، بل هـو وحـده خـالق كل شيء، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهـو الذي يسـأله من في السموات والأرض كـل يـوم هـو في شـأن ‏{‏وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ‏}‏ ‏[‏النحـل‏:‏ 53‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ ‏}‏ ‏[‏النحـل‏:‏ 51، 52‏]‏، كما قـال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلي رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ‏}‏ ‏[‏الإسـراء‏:‏ 56، 57‏]‏، وقـال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏‏.‏
فبين أن كل ما يدعي من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون مثقال ذرة، ولا لأحد منهم شرك معه، ولا له ظهير منهم فلم يبق إلا الشفاعة، ‏{‏وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 23‏]‏، فالأمر في الشفاعة إليه وحده، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 44‏]‏ ، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 86‏]‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏86‏]‏ ، استثناء منقطع في أصح القولين‏.‏
فانقسم الناس فيهم ثلاثة أقسام‏:‏ قوم أنكروا توسطهم بتبليغ الرسالة فكذبوا بالكتب والرسل، مثل قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وقوم فرعون، وغيرهم ممن يخبر الله أنهم كذبوا المرسلين؛ فإنهم كذبوا جنس الرسل، لم يؤمنوا ببعضهم دون بعض‏.‏ ومن هؤلاء منكرو النبوات من البراهمة، وفلاسفة الهند المشركين، وغيرهم من المشركين، وكلْ منْ كذبْ الرسلْ لاْ يكونْ إلاْ مشركًا،وكذلكْ منْ كذبْ ببعضهمْ دونْ بعض،كما قال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏150، 151‏]‏‏.‏
فكل مـن كـذب محمـدا، أو المسـيح، أو داود، أو سليمان، أو غيرهم من الأنبياء الذين بعـثوا بعـد مـوسي، فهـو كـافر، قـال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 87‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 87‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 91‏]‏‏.‏
والفلاسفة والملاحدة وغيرهم منهم من يجعل النبوات من جنس المنامات، ويجعل مقصودها التخييل فقط، قال تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 5‏]‏، فهؤلاء مكذبون بالنبوات‏.‏ ومنهم من يجعلهم مخصوصين بعلم ينالونه بقوة قدسية بلا تعلم، ولا يثبت ملائكة تنزل بالوحي‏.‏ ولا كلاما لله يتكلم به، بل يقولون‏:‏ إنه لا يعلم الجزئيات، فلا يعلم لا موسي، ولا محمدا، ولا غيرهما من الرسل ويقولون‏:‏ خاصية النبي ـ هذه القوة العلمية القدسية ـ قوة يؤثر بها في العالم، وعنها تكون الخوارق، وقوة تخيلية، وهو أن تمثل له الحقائق في صور خيالية في نفسه، فيري في نفسه أشكالا نورانية، ويسمع في نفسه كلاما، فهذا هو النبي عندهم، وهذه الثلاث توجد لكثير من آحاد العامة الذين غيرهم من النبيين أفضل منهم‏.‏ وهؤلاء وإن كانوا أقرب من الذين قبلهم فهم من المكذبين للرسل‏.‏
وكثير من أهل البدع يقر بما جاؤوا به إلا في أشياء تخالف رأيه، فيقدم رأيه على ما جاؤوا به، ويعرض عما جاؤوا به، فيقول‏:‏ إنه لا يدري ما أرادوا به، أو يحرف الكلم عن مواضعه‏.‏ وهؤلاء موجودون في أهل الكتاب، وفي أهل القبلة؛ ولهذا ذكر الله في أول البقرة‏:‏ المؤمنين، والكافرين، ثم ذكر المنافقين‏.‏ وبسط القول فيهم‏.‏
وقسم ثان غَلَوْا في الأنبياء والصالحين وفي الملائكة أيضًا؛ فجعلوهم وسائط في العبادة، فعبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى، وصوروا تماثيلهم، وعكفوا على قبورهم‏.‏ وهذا كثير في النصاري ومن ضاهاهم من ضلال أهل القبلة؛ ولهذا ذكر الله هذا الصنف في القرآن في ‏[‏آل عمران‏]‏ وفي ‏[‏براءة‏]‏ في ضمن الكلام على النصاري، وقال تعإلى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79، 80‏]‏، وقال تعإلى‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 31‏]‏، وقال تعإلى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏، وهذا الذي أمره الله أن يقوله لهم هو الذي كتب إلى هرقل ملك الروم‏.‏
وهؤلاء قد يظنون أنهم إذا استشفعوا بهم شفعوا لهم، وأن من قصد معظمًا من الملائكة والأنبياء فاستشفع به شفع له عند الله، كما يشفع خواص الملوك عندهم‏.‏ وقد أبطل الله هذه الشفاعة في غير /موضع من القرآن، وبين الفرق بينه وبين خلقه، فإن المخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، ويقبل الشفاعة لرغبة أو رهبة أو محـبة أو نحـو ذلك، فيكون الشفيع شريكًا للمشفوع إليه‏.‏ وهذه الشفاعة منتفية في حق الله، قال تعإلى‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏،وقال تعإلى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَي‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 28‏]‏‏.‏
وهؤلاء يحجون إلى قبورهم، ويدعونهم، وقد يسجدون لهم، وينذرون لهم، وغير ذلك من أنواع العبادات‏.‏ وهؤلاء أيضًا مشركون‏.‏ وأكثر المشركين يجمعون بين التكذيب ببعض ما جاؤوا به وبين الشرك، فيكون فيهم نوع من الشرك بالخالق، وتكذيب رسله، ومنهم من يجمع بين الشرك والتعطيل‏.‏ فيعطل الخالق أو بعض ما يستحقه من أسمائه وصفاته‏.‏
فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل يثبتون أنهم وسائط في التبليغ عن الله، ويؤمنون بهم، ويحبونهم، ولايحجون إلى قبورهم، ولا يتخذون قبورهم مساجد‏.‏ وذلك تحقيق ‏(‏شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله‏)‏‏.‏ فإظهار ذكرهم وما جاؤوا به هو من الإيمان بهم، وإخفاء قبورهم لئلا يفتن بها الناس هو من تمام التوحيد وعبادة الله وحده‏.‏ والصحابة وأمة محمد قاموا بهذا‏.‏
/ولهذا تجد عند علماء المسلمين من أخبار أهل العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، من مشائخ العلم والدين، والعدل من ولاة الأمور ما يوجب معرفة ذلك الشخص، والثناء عليه، والدعاء له، وأن يكون له لسان صدق، وما ينتفع به؛ إما كلام له ينتفع به، وإما عمل صالح يقتدي به فيه، فإن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ يقصد الانتفاع بما قالواه وأخبروا به وأمروا به والاقتداء بهم فيما فعلوه ـ صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏
وأما أهل الضلال ـ كالنصاري وأهل البدع ـ فهم مع غلوهم وتعظيمهم لقبورهم وتماثيلهم والاستشفاع بهم لا تجد عندهم من أخبارهم ما يعرف صدقه من كذبه، بل قد التبس هذا بهذا، ولا يكاد أحد من علمائهم يميز فيما هم عليه من الدين بين ما جاء عن المسيح وما جاء عن غيره، إما من الأنبياء، وإما من شيوخهم، بل قد لبسوا الحق بالباطل‏.‏
وكذلك أهل الضلال والبدع من أهل القبلة، تجدهم يعظمون شيخًا، أو إمامًا، أو غير ذلك ويشركون به، ويدعونه من دون الله ويستغيثون به، وينذرون له، ويحجون إلى قبره‏.‏ وقد يسجدون له، وقد يعبدونه أعظم مما يعبدون الله، كما يفعل النصاري، وهم مع ذلك من أجهل الناس بأحواله؛ ينقلون عنه أخبارًا مسيبة ليس لها إسناد، /ولا يعرف صدقها من كذبها، بل عامة ما يحفظونه ما فيه غلو وشطح للإشراك به‏.‏ فأهل الإسلام الذين يعرفون دين الإسلام ولا يشوبونه بغيره يعرفون الله ويعبدونه وحده، ويعرفون أنبياءه فيقرون بما جاؤوا به، ويقتدون به، ويعرفون أهل العلم والدين، وينتفعون بأقوالهم وأفعالهم‏.‏ وأهل الضلال في ظلمة لا يعرفون الله ولا أنبياءه ولا أولياءه، ولا يميزون بين ما أمر الله به وما نهي عنه، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏.‏
ولا ريب أن في أهل القبلة من يشبه إليهود والنصاري في بعض الأمور، كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، إليهود والنصاري‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن‏!‏‏)‏‏.‏ وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع‏)‏، قالوا‏:‏ يا رسول الله، فارس والروم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن الناس إلا هؤلاء‏)‏‏.‏
ومشابهتهم في الشرك بقبور الأنبياء والصالحين هو من مشابهتهم التي حذر منها أمته قبل موته في صحته ومرضه، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم /قبل أن يموت بخمس وهو يقول‏:‏ ‏(‏إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك‏)‏‏.‏ وأما لعنه لمن فعل ذلك‏:‏ ففي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا‏:‏ لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك‏:‏ ‏(‏لعنة الله على إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ـ يحذر ما صنعوا‏.‏ وفي الصحيحين عن عائشة، قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه‏:‏ ‏(‏لعن الله إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏‏.‏ قالت عائشة‏:‏ ولولا ذلك لأبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجـدًا‏.‏ وفي لفظ‏:‏ غير أنه خشي، أو خُشي‏.‏ وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لعن الله إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏‏.‏ هذا لفظ مسلم‏.‏ ولـه وللبخاري‏:‏ ‏(‏قاتل الله إليهـود والنصاري اتخـذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏، وفي الصحيحين عـن عائشـة‏:‏ أن أم حبيـبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة ـ رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير ـ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أولئك إذا مات فيهم /الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة‏)‏‏.‏ وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد‏)‏‏.‏
وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر‏.‏ وقد بسط الكلام في هذا الباب في الرد على من هو أفضل من هذا، وبين ما خالفوا فيه الكتاب والسنة والإجماع في هذا الباب وفي غيره‏.‏ ولما كان أولئك أعلم وأفضل كان الرد عليهم بحسبهم، والله أعلم‏.‏
صورة خطوط القضاة الأربعة‏:‏
على ظهر فتيا الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية في ‏[‏السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء‏]‏‏.‏
هذا المنقول باطنها جوابًا عن السؤال أن زيارة الأنبياء بدعة، أو ما ذكره من نحو ذلك، وأنه لا يترخص في السفر إلى زيارة الأنبياء‏.‏ هذا كلام باطل، مردود عليه‏.‏ وقد نقل جماعة من العلماء والأئمة الكبار أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوي الباطلة عند / العلماء والأئمة الكبار، ويمنع من الفتاوي الغريبة المردودة عند الأئمة الأربعة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره، ليتحفظ الناس من الاقتداء به‏.‏
كتبه العبد الفقير إلى الله محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة‏.‏ وتحته‏:‏ يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي‏.‏ وتحته‏:‏ كذلك يقول محمد بن الجريري الحنفي، لكن يحبس الآن جزمًا مطلقًا‏.‏ وتحته‏:‏ كذلك يقول العبد الفقير إلى الله محمد بن أبي بكر المالكي، إن ثبت ذلك عليه، ويبالغ في زجره بحسب ما تندفع به هذه المفسدة وغيرها من المفاسد‏.‏ فهذه صورة خطوطهم بمصر‏.‏ والحمد لله رب العالمين وصلي الله على محمد سيدنا وآله وصحبه وسلم تسليمًا‏.

عدد المشاهدات *:
11414
عدد مرات التنزيل *:
434518
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : فَصــل: متى بنيت المساجد الثلاثة تتمة
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  فَصــل: متى بنيت المساجد الثلاثة تتمة
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فَصــل: متى بنيت المساجد الثلاثة تتمة لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية