القرآن الكريم

يوم الأربعاء 24 جمادى الأولى 1448 هجرية
??? ??????? ?? ?????? ? ??????????? ????????? ? ??? ?????? ?????? ? ? ??? ??????? ?? ????? ? ???????? ?????? ? ???????? ????? ?? ????? ????? ? ?? ????? ?? ?????? ?????? ???? ????? ?????? ?? ?????? ?????? ???? ????? ?????? ?? ?????? ?????? ???? ????? ???????? ????? ?????????? ?????????

مواقع إسلامية

جمعية خيركم
منتدى الأصدقاء
مدونة إبراهيم
مدونة المهاجر
بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته     مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

بسم

لحظة من فضلك



المواد المختارة

المدرسة العلمية :

4 : 1544 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة، عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ رواه البخاري. تحلم أي: قال أنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وهو كاذب والآنك بالمد وضم النون وتخفيف الكاف: وهو الرصاص المذاب. 1545 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا رواه البخاري. ومع ناه: يقول: رأيت فيما لم يره. 1546 - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا. فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت لهما سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا. فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه. ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى. قال: قلت: سبحان الله، ما هذان. قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا. فأتينا على مثل التنور، فأحسب أنه قال: فإذا فيه لغط، وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضئوا، قلت ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا. فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيغفر له فاه، فيلقمه حجرًا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه، فغر فاه له، فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا. فأتينا على رجل كريه المرآة، أو كأكره ما أنت راء رجلاً مرأى، فإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها، قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا. فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان ما رأيتهم قط، قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا. فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها، ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها، إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، وإذا هو نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة. قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك، فسما بصري صعدًا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. قالا لي: هذا منزلك. قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله. قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا؟ فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: إنا سنخبرك. أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة وفي رواية البرقاني: ولد على الفطرة. فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم. رواه البخاري. وفي رواية له: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة ثم ذكره. وقال: فانطلقنا إلى نقب مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نارًا، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا خمدت، رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة. وفيها: حتى آتينا على نهر من دم، ولم يشك - فيه رجل قائم على وسط النهر، وعلى شط النهر رجل، وبين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج جعل يرمي في فيه بحجر، فيرجع كما كان. وفيها: فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب. وفيها: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة وفيها: الذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، فيفعل به إلى يوم القيامة. والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني ادخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته، أتيت منزلك رواه البخاري. قوله: يثلغ رأسه وهو بالثاء المثلثة والغين المعجمة، أي: يشدخه ويشقه. قوله: يتهدهده أي: يتدحرج، والكلوب بفتح الكاف، وضم اللام المشددة، وهو معروف. قوله: فيشرشر أي: يقطع. قوله: ضوضئوا وهو بضادين معجمتين، أي صاحوا. قوله: فيغفر هو بالفاء والغين المعجمة، أي: يفتح. قوله: المرآة هو بفتح الميم، أي: المنظر. قوله: يحشها هو بفتح الياء وضم الحاء المهملة والشين المعجمة، أي: يوقدها، قوله روضة معتمة هو بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم، أي: وافية النبات طويلته. قوله: دوحة وهي بفتح الدال، وإسكان الواو وبالحاء المهملة: وهي الشجرة الكبيرة، قوله المحض هو بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وبالضاد المعجمة: وهو اللبن. وقوله: فسما بصري أي: ارتفع. وصعدا: بضم الصاد والعين: أي: مرتفعا. والربابة: بفتح الراء وبالباء الموحدة مكررة، وهي السحابة.

Safha Test

مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد السابع
كتاب الإيمان
فصل: في اصطلاح الإيمان
تفسير ‏[‏الإيمان‏]‏ في حديث وفد عبد القيس
مجموع فتاوى ابن تيمية
وقد فسر‏[‏الإيمان‏]‏ في حديث وَفْد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا، لكنه لم يذكر فيه الحج، وهو متفق عليه، فقال‏:‏‏(‏آمركم بالإيمان باللّه وحده، هل تدرون ما الإيمان باللّه وحده‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ اللّه ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ــ أو خمساً من المغنم‏)‏‏.‏
وقد روى في بعض طرقه‏:‏‏(‏الإيمان باللّه، وشهادة أن لا إله إلا اللّه‏)‏‏.‏
/لكن الأول أشهر‏.‏وفي رواية أبي سعيد‏:‏‏(‏آمركم بأربع،وأنهاكم عن أربع‏:‏ اعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً‏)‏، وقد فسر ـ في حديث شعب الإيمان ـ الإيمان بهذا وبغيره، فقال‏:‏‏(‏الإيمان بِضْعٌ وستون ـ أو بضع وسبعون ـ شعبة،أفضلها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبَة من الإيمان‏)‏‏.‏
وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال‏:‏‏(‏الحياء شعبة من الإيمان‏)‏ من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصَين،وقال أيضاً‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين‏)‏،وقال‏:‏‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏)‏، وقال‏:‏‏(‏واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ من يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الذي لا يأمن جاره بوائقه‏)‏، وقال‏:‏‏(‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏)‏‏.‏ وقال‏:‏‏(‏ما بعث اللّه من نبي إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه، ويَسْتَنُّون بسُنَّتِه‏.‏ ثم إنه يخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّة خَرْدَل‏)‏،وهذا من أفراد مسلم‏.‏
وكذلك في أفراد مسلم قوله‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا،أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم‏؟‏/أفشوا السلام بينكم‏)‏، وقـال في الحديث المتفق عليه ـ من رواية أبي هريرة، ورواه البخاري من حديث ابن عباس ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يَنْتَهِبُ النُّهْبَة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن‏)‏‏.‏
فيقال‏:‏اسم ‏[‏الإيمان‏]‏ تارة يذكر مفرداً غير مقرون باسم الإسلام،ولا باسم العمل الصالح،ولا غيرها، وتارة يذكر مقروناً، إما بالإسلام،كقوله في حديث جبرائيل‏:‏ ‏(‏ما الإسلام وما الإيمان‏؟‏‏)‏،وكقوله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏35‏]‏،وقوله عز وجل‏:‏‏{‏ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏14‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏35، 36‏]‏‏.‏
وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ‏}‏‏[‏البينة‏:‏7‏]‏، وإما مقروناً بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى‏:‏‏{‏ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏56‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏11‏]‏‏.‏ وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم؛ فإنهم خيارهم، قال تعالى‏:‏‏{‏ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏7‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏162‏]‏‏.‏
/ويذكر ـ أيضًا ـ لفظ المؤمنين مقروناً بالذين هادوا والنصارى والصابئين،ثم يقول‏:‏ ‏{‏مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏62‏]‏، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر عَمَّهُم؛ كما عَمَّهُم في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‏}‏ وسنبسط هذا إن شاء اللّه تعالى‏.‏
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان‏.‏ وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى‏.‏ فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة‏:‏ الشهادتان، والصلاة، والزكاة،والصيام، والحج‏.‏ وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر‏.‏ وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏الإسلام علانية، والإيمان في القلب‏)‏‏.‏
وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة،كقوله في حديث الشعب‏:‏‏(‏الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها‏:‏ قول لا إله إلا اللّه، وأدناها‏:‏ إماطة الأذى عن الطريق‏)‏‏.‏ وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان‏.‏
ثم إن نفي ‏[‏الإيمان‏]‏ عند عدمها،دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ـ ولم ينف إيمانه ـ دل على أنها مستحبة؛ فإن اللّه ورسوله/ لا ينفي اسم مسمى أمر ـ أمر اللّه به، ورسوله ـ إلا إذا ترك بعض واجباته،كقوله‏:‏‏(‏لا صلاة إلا بأم القرآن‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له‏)‏ ونحو ذلك‏.‏
فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه‏.‏ وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر‏.‏ فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل‏.‏
فمن قال‏:‏ إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق‏.‏ وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب،فهذا لم يقع قط في كلام اللّه ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئاً، لم يجز أن يقال‏:‏ ما فعله لا حقيقة ولا مجازاً‏.‏ فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته‏:‏‏(‏ارجع فَصَلِّ،فإنك لم تُصَلِّ‏)‏، وقال لمن صلى خلف الصف ـ وقد أمره بالإعادة ـ‏:‏‏(‏لا صلاة لفَذٍّ خلف الصف‏)‏ كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏}‏‏[‏الحجرات‏:‏15‏]‏،يبين أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب‏.‏
/والجهاد ـ وإن كان فرضاً على الكفاية ـ فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء،فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله إذا تعين؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏من مات ولم يَغْزولم يُحَدِّث نفسه بغزو، مات على شُعْبَة نفاق‏)‏ رواه مسلم‏.‏ فأخبر أنه من لم يَهِمّ به، كان على شعبة نفاق‏.‏وأيضاً، فالجهاد جنس، تحته أنواع متعددة، ولابد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه‏.‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا‏}‏‏[‏الأنفال‏:‏2-4‏]‏‏.‏هذا كله واجب؛ فإن التوكل على اللّه واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص للّه واجب، وحب اللّه ورسوله واجب‏.‏ وقد أمر اللّه بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكل على غير اللّه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ‏}‏‏[‏هود‏:‏123‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏13‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{‏ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏160‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏84‏]‏‏.‏
وأما قوله‏:‏‏{‏ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ‏}‏ فيقال‏:‏ من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمناً، لزم ذلك بغير قصد منه ولا تَعمُّد له‏.‏/ وإذا لم يوجد،دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏22‏]‏، فأخبر أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين للّه ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته،كما ينفي أحد الضدين الآخر‏.‏ فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء اللّه، فإذا كان الرجل يوالي أعداء اللّه بقلبه، كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب‏.‏
ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏80، 81‏]‏، فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف ‏[‏لو‏]‏،التي تقتضي مع الشرط انتقاء المشروط، فقال‏:‏‏{‏وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء‏}‏، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان باللّه والنبي وما أنزل إليه‏.‏
ومثله قوله تعالى‏:‏‏{‏لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏51‏]‏،فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون/ مؤمناً، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم،فالقرآن يصدق بعضه بعضًا، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ‏}‏الآية ‏[‏الزمر‏:‏23‏]‏، وكذلك قوله‏:‏‏{‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏62‏]‏‏:‏دليل على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز،وأنه يجب ألا يذهب حتى يستأذن،فمن ذهب ولم يستأذن كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان؛فلهذا نفى عنه الإيمان،فإن حرف‏[‏إنما‏]‏ تدل على إثبات المذكور ونفي غيره‏.‏
ومن الأصوليين من يقول‏:‏ إن ‏[‏إن‏]‏ للإثبات، و ‏[‏ما‏]‏ للنفي، فإذا جمع بينهما دلت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربية، ومن يتكلم في ذلك بعلم، فإن ‏[‏ما‏]‏ هذه هي الكافة التي تدخل على ‏[‏إن‏]‏ وأخواتها فتكفها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصت بالجمل الإسمية، فلما كفت بطل عملها واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعلية والإسمية،فتغير معناها وعملها جميعاً بانضمام‏[‏ما‏]‏ إليها،وكذلك كأنما وغيرها‏.‏
وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏47‏:‏ 51‏]‏
فإن قيل‏:‏ إذا كان المؤمن حقاً هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات، فقد قال‏:‏ ‏{‏ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏4‏]‏، ولم يذكر إلا خمسة أشياء، وكذلك قال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 15‏]‏، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏62‏]‏‏.‏
قيل‏:‏ عن هذا جوابان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يكون ما ذكر مستلزمًا لما ترك؛ فإنه ذكر وَجَلَ قلوبهم إذا ذكر اللّه، وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته مع التوكل عليه، وإقام الصلاة على الوجه المأمور به باطناً وظاهراً، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزمًا للباقي؛ فإن وَجَل القلب عند ذكر اللّه يقتضي خشيته والخوف منه، وقد فسروا ‏[‏وجلت‏]‏ بـ ‏[‏فرقت‏]‏‏.‏ وفي قراءة ابن مسعود‏:‏‏[‏إذ ذكر الله فرقت قلوبهم‏]‏‏.‏ وهذا صحيح؛ فإن الوَجَل في اللغة‏:‏هو الخوف، يقال‏:‏حُمْرَة الخَجَل، وصُفْرَة الوَجَل، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏60‏]‏، قالت عائشة‏:‏ يا رسول اللّه، هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب‏؟‏ قال‏:‏‏(‏لا يا ابنة الصديق ‏!‏ هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه‏)‏‏.‏
وقال السُّدِّي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏2‏]‏‏:‏هو /الرجل يريد أن يظلم أو يَهِمَّ بمعصية فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى‏:‏‏{‏ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏40، 41‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏46‏]‏‏.‏ قال مجاهد وغيره من المفسرين‏:‏ هو الرجل يَهِمُّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي اللّه، فيتركها خوفاً من اللّه‏.‏
وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمن خشيته ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور‏.‏ قال سهل بن عبد اللّه‏:‏ ليس بين العبد وبين اللّه حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من اللّه‏.‏ ويدل على ذلك قوله تعالى‏:‏‏{‏ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏154‏]‏، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين يرهبون اللّه‏.‏
قال مجاهد وإبراهيم‏:‏ هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام اللّه، فيدع الذنب‏.‏ رواه ابن أبي الدنيا، عن ابن الجَعْدِ، عن شعبة،عن منصور،عنهما، في قوله تعالى‏:‏‏{‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏}‏‏.‏وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏5‏]‏‏.‏ وهم ‏[‏المؤمنون‏]‏، وهم ‏[‏المتقون‏]‏ المذكورون في قوله تعالى‏:‏‏{‏ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏1، 2‏]‏، كما قال في آية البر‏:‏‏{‏ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏177‏]‏‏.‏ وهؤلاء هم المتبعون للكتاب، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏123‏]‏‏.‏ وإذا لم يضل فهو متبع مهتد،/ وإذا لم يَشْقَ فهو مرحوم‏.‏ وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،غير المغضوب عليهم،ولا الضالين‏.‏ فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوباً عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالين، فتبين أن أهل رهبة اللّه يكونون متقين للّه، مستحقين لجنته بلا عذاب‏.‏ وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب‏.‏
ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏28‏]‏، والمعنى‏:‏ أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر اللّه أن كل من خشى اللّه فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏9‏]‏،والخشية أبداً متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطاً؛ كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً؛ فأهل الخوف للّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللّه‏.‏ وقد روى عن أبي حيان التيمي أنه قال‏:‏ العلماء ثلاثة‏:‏ فعالم باللّه ليس عالماً بأمر اللّه، وعالم بأمر اللّه ليس عالماً باللّه، وعالم باللّه عالم بأمر اللّه‏.‏ فالعالم باللّه هو الذي يخافه، والعالم بأمر اللّه هو الذي يعلم أمره ونهيه‏.‏ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه،وأعلمكم بحدوده‏)‏‏.‏
وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة، لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى‏:‏/ ‏{‏ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏13، 14‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏46‏]‏، فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب؛ ولهذا يقال للفاجر‏:‏ لا يخاف اللّه‏.‏ ويدل على هذا المعنى قوله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏17‏]‏‏.‏
قال أبو العالية‏:‏ سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي‏:‏ كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب‏.‏ وكذلك قال سائر المفسرين‏.‏ قال مجاهد‏:‏ كل عاص فهو جاهل حين معصيته‏.‏ وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم‏:‏ إنما سموا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ليس معنى الآية‏:‏ أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين‏:‏أحدهما‏:‏ أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه‏.‏ والثاني‏:‏ أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة‏.‏ فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال‏:‏ هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية‏.‏
والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم/ مطيع للّه، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من اللّه؛ إذ لو تم خوفه من اللّه لم يعص‏.‏ ومنه قول ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ‏:‏ كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار باللّه جهلاً، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دل على أنه لم يتصوره تصوراً تاماً، ولكن قد يتصور الخبر عنه، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوباً له ولا مكروهاً، فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلبا‏.‏ وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب‏.‏
وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ــ ويروى مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏العلم علمان‏:‏ فعلم في القلب، وعلم على اللسان‏.‏ فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة اللّه على عباده‏]‏‏.‏
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى،عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّة، طعمها طَيِّب وريحها طيب‏.‏ ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها‏.‏ ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر‏.‏ ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحَنْظَلَة، طعمها مر، ولا ريح لها‏)‏‏.‏ وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه، وقد يصدق أنه/ كلام اللّه، وأن الرسول حق، ولا يكون مؤمنا، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم،وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما‏.‏ لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة‏.‏ فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة؛ ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه‏:‏ إنه جاهل،كما تقدم‏.‏
وكذلك لفظ ‏[‏العقل‏]‏ ـ وإن كان هو في الأصل‏:‏ مصدر عَقَل يَعْقِل عَقْلاً، وكثير من النظار جعله من جنس العلوم ـ فلابد أن يعتبر مع ذلك أنه علم يعمل بموجبه، فلا يسمى عاقلاً إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه؛ ولهذا قال أصحاب النار‏:‏ ‏{‏ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏10‏]‏، وقال عن المنافقين‏:‏ ‏{‏ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏14‏]‏، ومن فعل ما يعلم أنه يضره؛ فمثل هذا ما له عقل، فكما أن الخوف من اللّه يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته،وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من اللّه ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا‏.‏ ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏9‏:‏ 12‏]‏
فأخبرَ أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏13‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏8‏]‏؛ ولهذا قالوا في قوله‏:‏/ ‏{‏ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ‏}‏‏:‏ سيتعظ بالقرآن من يخشى اللّه، وفي قوله‏:‏‏{‏ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ‏}‏‏:‏ إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة‏.‏ وهذا لأن التذكر التام يستلزم التأثر بما تذكره، فإن تذكر محبوباً طلبه، وإن تذكر مرهوباً هرب منه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏6‏]‏، وقال سبحانه‏:‏‏{‏ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏11‏]‏، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله‏:‏‏{‏ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏}‏، فأَثْبَت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه؛ فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف،فالإنذار مثل التعليم والتخويف، فمن عَلَّمْتَه فتعلَّم فقد تم تعليمه، وآخر يقول‏:‏علَّمته فلم يتعلم‏.‏ وكذلك من خوَّفته فخاف،فهذا هو الذي تم تخويفه‏.‏ وأما من خُوِّف فما خاف، فلم يتم تخويفه‏.‏ وكذلك من هديته فاهتدى، ثم هداه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏2‏]‏، ومن هديته فلم يهتد ـ كما قال‏:‏ ‏{‏ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏17‏]‏ ـ فَلم يتم هداه، كما تقول‏:‏ قطعته فانقطع،وقطعته فما انقطع‏.‏
فالمؤثر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاماً، والفعل إذا صادف محلاً قابلاً تم، وإلا لم يتم‏.‏ والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه؛ ولهذا يسمى هذا العلم‏:‏ الداعي، ويقال‏:‏ الداعي مع القدرة يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة،و الفساد /يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعاً، كالممرور الذي يجد العسل مراً، فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمرة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 109، 110‏]‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏‏{‏ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏5‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏155‏]‏،وقال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏88‏]‏‏.‏ و‏[‏الغلف‏]‏ جمع أغلف، وهو ذو الغلاف الذي في غلاف مثل الأقلف، كأنهم جعلوا المانع خلقة، أي خلقت القلوب وعليها أغطية، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ‏}‏ و ‏{‏ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ‏}‏،وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏16‏]‏‏.‏
وكذلك قالوا‏:‏ ‏{‏ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏91‏]‏،قال‏:‏ ‏{‏ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏23‏]‏ أي‏:‏ لأفهمهم ما سمعوه، ثم قال‏:‏ولو أفهمهم مع هذه الحال التي هم عليها، ‏{‏ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏23‏]‏، فقد فسدت فطرتهم فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، فنفى عنهم صحة القوة العلمية، وصحة القوة العملية، وقال‏:‏‏{‏ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏44‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏179‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏171‏]‏، وقال عن المنافقين‏:‏ ‏{‏صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏18‏]‏‏.‏
ومن الناس من يقول‏:‏ لما لم ينتفعوا بالسمع والبصر والنطق،جعلوا صماً بكماً عمياً؛ أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق، صاروا كالصُّمِّ العُْمي البُكْم، وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عميت وصمت وبكمت، كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏46‏]‏، والقلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت كما تسمع البهائم، والمعنى‏:‏ لا يفقهه، وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقهًا تاماً، فإن الفقه التام يستلزم تأثيره في القلب محبة المحبوب، وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هذا لم يكن التصور التام حاصلاً فجاز نفيه؛لأن ما لم يتم ينفى، كقوله للذي أساء في صلاته‏:‏‏(‏صَلِّ فإنك لم تُصَلّ‏)‏، فنفى الإيمان حيث نفى من هذا الباب‏.‏
وقد جمع اللّه بين وصفهم بوجل القلب إذا ذكر، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا آياته‏.‏ قال الضحاك‏:‏ زادتهم

عدد المشاهدات *:
932130
عدد مرات التنزيل *:
354752
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : تفسير ‏[‏الإيمان‏]‏ في حديث وفد عبد القيس
 هذا رابط  المادة لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  تفسير ‏[‏الإيمان‏]‏ في حديث وفد عبد القيس
اضغط هنا للطباعة طباعة
 هذا رابط  تفسير ‏[‏الإيمان‏]‏ في حديث وفد عبد القيس لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية

جدول التقويم الهجري / الميلادي @designer
1