اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم برنامج استظهار القرآن الكريم
يوم الأحد 12 شعبان 1441 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

زواج

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد السابع والعشرون
كتاب الزيارة وشد الرحال إليها
فصل في زيارة القبور
فصــل: سؤال المقبور والاستنجاد به
مجموع فتاوى ابن تيمية
/فصــل
وأما من يأتى إلى قبر نبي أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله ويستنجده فهذا على ثلاث درجات‏:‏
إحـداها‏:‏ أن يسألـه حاجتـه، مثـل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يقضى دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليـه إلا اللّه عز وجل، فهذا شرك صريح، يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل‏.‏
وإن قال‏:‏ أنا أسأله لكونه أقرب إلى اللّه منى ليشفع لى في هذه الأمور؛ لأنى أتوسل إلى اللّه به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى، فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، وكذلك أخبر اللّه عن المشركين أنهم قالوا‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، وقال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 43، 44‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏‏.‏ فبين الفرق بينه وبين خلقه‏.‏ فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه، فيسأله ذلك الشفيع، فيقضى حاجته؛ إما رغبة، وإما رهبة، وإما حياءً وإما مودة، وإما غير ذلك، واللّه ـ سبحانه ـ لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعل إلا ما شاء، وشفاعة الشافع من إذنه، فالأمر كله له‏.‏
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ‏:‏ ‏(‏لا يقولن أحـدكم‏:‏ اللهم اغفـر لى إن شـئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن اللّه لا مكـره له‏)‏‏.‏ فبـين أن الرب ـ سبحانه ـ يفعل ما يشاء لا يكرهه أحد على ما اختـاره، كما قد يكـره الشافـع المشفوع إليه، وكـما يكـره السائـل المسؤول إذا ألح عليه وآذاه بالمـسألة‏.‏ فالرغـبة يجب أن تكـون إليـه، كما قـال تعـالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏ والرهبة تكون من اللّه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 40‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وقد أمرنا أن نصلى على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا‏.‏
/وقـول كثير مـن الضلال‏:‏ هذا أقرب إلى اللّه منى، وأنا بعيد من اللّه لا يمكننى أن أدعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك من أقوال المشركين، فإن اللّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 186‏]‏‏.‏ وقد روى‏:‏ أن الصحابة قالوا‏:‏ يارسـول اللّه، ربنا قريب فنناجـيه، أم بعيد فنناديه‏؟‏ فأنزل اللّه هذه الآيـة‏.‏ وفي الصحيح أنهم كانوا في سفر، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، بل تدعون سميعا قريبا، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏)‏ وقد أمر اللّه تعالى العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقول‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وقد أخبر عن المشركين أنهم قالوا‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏‏.‏
ثم يقال لهذا المشرك‏:‏ أنت إذا دعوت هذا، فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر على عطاء سؤالك أو أرحم بك، فهذا جهل وضلال وكفر‏.‏ وإن كنت تعلم أن اللّه أعلم وأقدر وأرحم، فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره‏؟‏ ألا تسمع إلى ما خرجه البخارى وغيره عن جابر ـ رضي اللّه عنه ـ قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول‏:‏ ‏(‏إذا هَمَّ أحدكم بأمر / فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل‏:‏ اللهم إنى أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم،فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب‏.‏ اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى في دينى ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاقْدُرْه لى، ويسره لى، ثم بارك لى فيه، وإن كنت تعمل أن هذا الأمر شر لى في دينى، ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاصرفه عنى، واصرفنى عنه، واقْدُرْ لى الخير حيث كان، ثم أرْضِنى به ـ قال‏:‏ ـ ويسمى حاجته‏)‏‏.‏ أمر العبد أن يقول‏:‏ ‏(‏أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم‏)‏‏.‏
وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى اللّه منك وأعلى درجة عند اللّه منك فهذا حق؛ لكن كلمة حق أريد بها باطل؛ فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما معناه‏:‏ أن يثيبه ويعطيه أكثر مما يعطيك، ليس معناه‏:‏ أنك إذا دعوته كان اللّه يقضى حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعـوت أنت اللّه تعالى، فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء ـ مثلا لما فيه من العدوان ـ فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه اللّه، ولا يسعى فيما يبغضه اللّه، وإن لم يكن كذلك، فاللّه أولى بالرحمة والقبول‏.‏
وإن قلت‏:‏ هذا إذا دعا اللّه أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته، فهذا هو القسم الثانى وهو‏:‏ ألا تطلب منه الفعل ولا / تدعوه، ولكن تطلب أن يدعو لك‏.‏ كما تقول للحى‏:‏ ادع لى، وكما كان الصحابة ـ رضـوان اللّه عليهم ـ يطلبون مـن النبي صلى الله عليه وسلم، الدعاء، فهذا مشروع في الحى كما تقدم، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول‏:‏ ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل الذى ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر ـ رضي اللّه عنه ـ استسقى بالعباس، وقال‏:‏ اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون‏.‏ ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلين‏:‏ يا رسول اللّه، ادع اللّه لنا واستسق لنا، ونحن نشكوا إليك مما أصابنا، ونحو ذلك‏.‏ لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة، ما أنزل اللّه بها من سلطان،بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه، فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا اللّه مستقبلى القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة، ويدعون اللّه وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع‏.‏
وذلك أن في ‏[‏الموطأ‏]‏ وغيره عنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب اللّه على قوم اتخذوا /قبور أنبيائهم مساجد‏)‏‏.‏ وفي السنن عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيداً، وصلُّوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى‏)‏‏.‏ وفي الصحيح عنه أنه قال في مرضه الذى لم يقم منه‏:‏ ‏(‏لعن اللّه اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ـ يحذر ما فعلوا‏.‏ قالت عائشة ـ رضي اللّه عنها وعن أبويها‏:‏ ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً‏.‏ وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس‏:‏ ‏(‏إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك‏)‏‏.‏ وفي سنن أبي داود عنه قال‏:‏ ‏(‏لعن اللّه زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج‏)‏‏.‏
ولهذا قال علماؤنا‏:‏ لا يجوز بناء المسجد على القبور، وقالوا‏:‏ إنه لا يجوز أن ينذر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئاً من الأشياء، لا من درهم، ولا من زيت، ولا من شمع، ولا من حيوان، ولا غير ذلك، كله نذر معصية‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصى اللّه فلا يعصه‏)‏‏.‏ واختلف العلماء‏:‏ هل على الناذر كفارة يمين‏؟‏ على قولين؛ ولهذا لم يقل أحد من أئمة السلف‏:‏ إن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة،ولا أن/ الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في غير تلك البقعة والدعاء، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند القبور ـ قبور الأنبياء والصالحين ـ سواء سميت ‏[‏مشاهد‏]‏ أو لم تسم‏.‏
وقد شرع اللّه ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 114‏]‏، ولم يقل‏:‏ المشاهد‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏ ولم يقل‏:‏ في المشاهد، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ‏}‏‏[‏الأعراف‏:‏ 29‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 18‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏ الجن‏:‏ 18 ‏]‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا‏)‏، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من بنى للّه مسجداً بنى اللّه له بيتا في الجنة‏)‏‏.‏
وأما القبور فقد ورد نهيه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك، وقد ذكره غير واحد من الصحابة والتابعين، كما ذكره البخارى في صحيحه والطبرانى وغيره في تفاسيرهم، وذكره وَثِيمَة وغيره في ‏[‏قصص الأنبياء‏]‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 23‏]‏، قالوا‏:‏ هـذه أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثليهم أصناما‏.‏ وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان؛ ولهذا قال النى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد‏)‏‏.‏
واتفق العلماء على أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين ـ الصحابة وأهل البيت وغيرهم ـ أنه لا يتمسح به، ولا يقبله، بل ليس في الدينا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين‏:‏ أن عمر ـ رضي اللّه عنه ـ قال‏:‏ واللّه، انى لأعلم أنك حَجَر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلك ما قَبَّلتك‏.‏
ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة ـ أن يقبل الرجل أو يستلم ركنى البيت ـ اللذين يليان الحجر ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين، حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر سيدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لما كان موجوداً، فكرهه مالك وغيره؛ لأنه بدعة، وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخص / فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ فعله‏.‏ وأما التمسح بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه؛ وذلك لأنهم علموا ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين للّه رب العالمين‏.‏
وهذا ما يظهر الفرق بين سؤال النبي صلى الله عليه وسلم والرجل الصالح في حياته، وبين سؤاله بعد موته وفي مغيبه؛ وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد بحضوره، فإذا كان الأنبياء ـ صلوات اللّه عليهم ـ والصالحون أحياء لا يتركون أحداً يشرك بهم بحضورهم، بل ينهونهم عن ذلك، ويعاقبونهم عليه، ولهذا قال المسيح ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{‏مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 117‏]‏‏.‏ وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما شاء اللّه وشئت، فقال‏:‏ ‏(‏أجعلتنى للّه نداً‏؟‏‏!‏ ما شاء اللّه وحده‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لا تقولوا‏:‏ ما شاء اللّه وشاء محمد، ولكن قولوا‏:‏ ما شاء اللّه ثم شاء محمد‏)‏‏.‏ ولما قالت الجويرية‏:‏ وفينا رسول اللّه يعلم ما في غَدٍ‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏دعى هذا، قولى بالذى كنت تقولين‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا‏:‏ عبد اللّه ورسوله‏)‏، ولما صفوا خلفه قياما، قال‏:‏ ‏(‏لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا‏)‏، وقال /أنس‏:‏ لم يكن شخص أحب إليهم من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك‏.‏ ولما سجد له معاذ نهاه، وقال‏:‏ ‏(‏إنه لا يصلح السجود إلا للّه، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها‏)‏‏.‏ ولما أتى على بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار‏.‏فهذا شأن أنبياء اللّه وأوليائه، وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علواً في الأرض وفساداً، كفرعون ونحوه، ومشائخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد، والفتنة بالأنبياء والصالحين، واتخاذهم أرباباً، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم، كما أشرك بالمسيح وعزير‏.‏
فهذا مما يبين الفرق بين سؤال النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وحضوره، وبين سؤاله في مماته ومغيبه، ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعى التابعين يتحرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ويسألونهم، ولا يستغيثون بهم، لا في مغيبهم، ولا عند قبورهم، وكذلك العكوف‏.‏
ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب، كما ذكره /السائل، ويستغيث به عند المصائب يقول‏:‏ يا سيدى فلان، كأنه يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم‏.‏ ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على اللّه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلم الناس بقدره وحقه أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك؛ لا في مغيبه، ولا بعد مماته‏.‏ وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب، فإن الكذب مقرون بالشرك، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 30‏:‏ 31‏]‏‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عَدَلت شهادة الزور الإشراك باللّه‏)‏ مرتين، أو ثلاثاً‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 152‏]‏، وقال الخليل ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{‏أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 86‏:‏ 87‏]‏‏.‏
فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه‏:‏ إن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه بالمشرق وانكشف غطاؤه رده عليه، وإن الشيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخاً‏.‏ وقد تغويهم الشياطين، كما تغوى عباد الأصنام كما كان يجرى في العرب في أصناهم، ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجرى للتتار، والهند، والسودان، وغيرهم من أصناف المشركين؛ من إغواء الشياطين ومخاطبتهم ونحو ذلك‏.‏ /فكثير من هؤلاء قد يجرى له نوع من ذلك، لا سيما عند سماع المكاء والتصدية؛ فإن الشياطين قد تنزل عليهم، وقد يصيب أحدهم كما يصيب المصروع‏:‏ من الإرغاء، والإزباد، والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقل هو والحاضرون، وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين‏.‏
وأما القسم الثالث‏:‏ وهو أن يقول‏:‏ اللهم بجاه فلان عندك، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان عندك، افعل بى كذا، وكذا‏.‏ فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغنى عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه، إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام‏.‏ فإنه أفتى‏:‏ أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك؛ إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ـ إن صح الحديث في النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومعنى الاستفتاء‏:‏ قد روى النسائى والترمذى وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول‏:‏ ‏(‏اللهم إنى أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد، يا رسول اللّه، إنى أتوسل بك إلى ربى في حاجتى ليقضيها لى‏.‏ اللهم، فشفعه في‏)‏‏.‏ فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته‏.‏ قالوا‏:‏ وليس في التوسل دعاء / المخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة باللّه، لكن فيه سؤال بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول‏:‏ ‏(‏اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشراً ولا بطرا ً، ولا رياءً ولا سمعةً‏.‏ خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لى ذنوبى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏)‏‏.‏
قالوا‏:‏ ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه، وبحق ممشاه إلى الصلاة، واللّه تعالى قد جعل على نفسه حقاً، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 47‏]‏، ونحو قوله‏:‏ ‏{‏كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏(‏يا معاذ، أتدرى ما حق اللّه على العباد‏؟‏‏)‏‏.‏ قال‏:‏ اللّه ورسوله أعلم، قال‏:‏ ‏(‏حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً‏.‏ أتدرى ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك‏؟‏ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم‏)‏‏.‏ وقد جاء في غير حديث‏:‏ ‏(‏كان حقاً على اللّه كذا وكذا‏)‏ كقوله‏:‏ ‏(‏من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب اللّه عليه، فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على اللّه أن يسقيه من طينة الخَبَال‏)‏ قيل‏:‏ وما طينة الخبال‏؟‏ قال‏:‏ /‏(‏عصارة أهل النار‏)‏‏.‏
وقالت طائفة ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وفي مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ استسقى بالعباس، فقال‏:‏ اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا فاسقنا، فيسقون‏.‏ وقد بين عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون‏.‏
وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو اللّه لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسلون بشفاعته ودعائه،كما في الصحيح عن أنس بن مالك ـ رضي اللّه عنه ـ أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار ‏[‏دار القضاء‏]‏، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول اللّه، قائما، فقال‏:‏ يا رسول اللّه، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل‏.‏ فادع اللّه لنا أن يمسكها عنا، قال‏:‏ فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال‏:‏ ‏(‏اللهم، حوالينا ولا علينا اللهم على الآكَام والظِّرَاب وبُطُون الأودية ومَنَابِت الشجر‏)‏‏.‏ قال‏:‏ وأقلعت فخرجنا نمشى في الشمس، ففي هذا الحديث‏:‏ أنه قال‏:‏ ادع اللّه لنا أن يمسكها عنا‏.‏ وفي الصحيح‏:‏ أن عبد اللّه بن عمر قال‏:‏ إنى /لأذكر قول أبي طالب في رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حيث يقول‏:‏
وأبيض يُسْتَسقى الغَمام بوجهه**ثِمَال اليتامى عِصمة للأرامل‏.‏
فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه‏.‏ ولما مات توسلوا بالعباس ـ رضي اللّه عـنه ـ كما كانوا يتوسـلون به ويستسـقون‏.‏ وما كانوا يستسقون به بعد موته، ولا في مغيبه ولا عنـد قبره ولا عنـد قبر غـيره، وكـذلك معاويـة بن أبي سـفيان اسـتسقى بيزيد ابن الأسود الجُرَشى،وقال‏:‏ اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا‏.‏ يا يزيد، ارفع يديك إلى اللّه، فرفع يديـه، ودعـا، ودَعْوا، فسـقوا‏.‏ فلذلك قـال العلماء‏:‏ يستحب أن يسـتسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كانوا من أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان أحسن‏.‏ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه،ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية‏.‏والدعاء مُخُّ العبادة‏.‏
والعبادة مبناها على السنة والاتباع، لا على الأهواء والابتداع، وإنما يعبد اللّه بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 21‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 55‏]‏، وقال /النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور‏)‏‏.‏
وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه، يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع، فهذا من الشرك، وهو من جنس دين النصارى؛ فإن اللّه هو الذى يصيب بالرحمة ويكشف الضر، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 107‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 2‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏40‏:‏ 41‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56‏:‏ 57‏]‏‏.‏ فبين أن من يدعى من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا‏.‏
فإذا قال قائل‏:‏ أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعا لى، فهو من جنس دعاء النصارى لمريم والأحبار والرهبان‏.‏ والمؤمن يرجو ربه ويخافه، ويدعوه مخلصا له الدين، وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه؛ فإن أعظم الخلق / قدرا هو رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الفزع والخوف أن يقول‏:‏ يا سيدى، يا رسول اللّه، ولم يكونوا يفعلون ذلك في حياته ولا بعد مماته، بل كان يأمرهم بذكر اللّه ودعائه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏آل عمران173، 174‏]‏، وفي صحيح البخارى عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ‏:‏ أن هذه الكلمة قالها إبراهيم ـ عليه السلام ـ حين ألقى في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم ـ يعنى وأصحابه ـ حين قال لهم الناس‏:‏ إن الناس قد جمعوا لكم‏.‏ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه كان يقول عند الكرب‏:‏ ‏(‏لا إله إلا اللّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللّه رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم‏)‏‏.‏ وقد روى أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته‏.‏ وفي السنن‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حَزَبَه أمر قال‏:‏ ‏(‏يا حى، يا قيوم، برحمتك أستغيث‏)‏‏.‏ وروى أنه علم ابنته فاطمة أن تقول‏:‏ يا حى، يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، /أصلح لى شأنى كله، ولا تِكَلْنى إلى نفسى طَرْفَة عين، ولا إلى أحد من خلقك‏)‏ ‏.‏
وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم البستى عن ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما أصاب عبدًا قط هَمٌّ ولا حَزَن فقال‏:‏ اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيتى بيدك، ماضٍ في حكمك، عَـدْل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هـو لك سَمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك‏:‏ أن تجعل القرآن العظيم رَبِيع قلبى، ونور صدرى، وجلاء حُزّنى، وذهاب هَمِّى وغمى، إلا أذهب اللّه همه وغمه،وأبدله مكانه فرحا‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏يا رسول اللّه، أفلا نتعلمهن‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن‏)‏‏.‏ وقال لأمتـه‏:‏ ‏(‏إن الشمس والقمـر آيتان مـن آيات اللّه، لا ينكسفان لمـوت أحـد ولا لحياته، ولكن اللّه يُخَوِّف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذِكْر اللّه، والاستغفار‏)‏‏.‏ فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم‏.‏
ومثل هذا كثير في سنته، لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر اللّه به؛ من دعاء اللّه، وذكره والاستغفار، والصلاة، والصدقة، / ونحو ذلك‏.‏ فكيف يعدل المؤمن باللّه ورسوله عما شرع اللّه ورسوله إلى بدعة ما أنزل اللّه بها من سلطان، تُضَاهى دين المشركين والنصارى‏؟‏‏!‏
فإن زَعَم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك، وأنه مثل له شيخه ونحو ذلك، فعباد الكواكب والأصنام ونحوهم من أهل الشرك يجرى لهم مثل هذا، كما قد تواتر ذلك عمن مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان‏.‏ فلولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها، قال الخليل ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{‏وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 35، 36‏]‏ ‏.‏
ويقال‏:‏ إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة ‏(‏عمرو بن لُحِىِّ الخزاعى‏)‏،الذى رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر أمعاءه في النار‏.‏ وهو أول من سَيَّب السوائب، وغَيَّر دين إبراهيم‏.‏ قالوا‏:‏ إنه ورد الشام، فوجد فيها أصناما بالبلقاء، يزعمون أنهم ينتفعون بها في جَلْب منافعهم ودفع مضارهم، فنقلها إلى مكة، وسَنَّ للعرب الشرك وعبادة الأصنام‏.‏
والأمور التى حرمها اللّه ورسوله، من الشرك، والسحر، والقتل، والزنا وشهادة الزور، وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات، قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده منفعة، أو دفع مَضَرَّة، ولولا ذ لك ما أقدمت النفوس على المحرمات التى لا خير فيها بحال، وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل /أو الحاجة‏.‏ فأما العالم بقبح الشىء والنهى عنه فكيف يفعله‏؟‏‏!‏ والذين يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيه من الفساد، وقد تكون بهم حاجة إليها، مثل الشهوة إليها، وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك لجلهلهم أو تغلبهم أهواؤهم حتى يفعلوها، والهوى غالبا يجعل صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئا، فإن حبك للشىء يُعْمِى ويُصِمُّ‏.‏
ولهذا كان العالم يخشى اللّه، وقال أبو العالية‏:‏ سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن قول اللّه عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏ 17‏]‏‏.‏ فقالوا‏:‏ كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب‏.‏ وليس هذا موضع البسط لبيان ما في المنهيات من المفاسد الغالبة وما في المأمورات من المصالح الغالبة، بل يكفي المؤمن أن يعلم أن ما أمر اللّه به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى اللّه عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن اللّه لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم بُخْلاً به عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم؛ ولهذا وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه ‏{‏يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏‏.‏
وأما التمسح بالقبر ـ أىّ قبر كان ـ وتقبيله، وتمريغ الخد عليه،/ فمنهى عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هذا من الشرك، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 23، 24‏]‏، وقـد تقدم أن هؤلاء أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح، وأنهم عَكَفوا على قبورهم مدة، ثم طال عليهم الأمد فصَوَّروا تماثيلهم؛ لا سيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة به‏.‏ وقد تقدم ذكر ذلك، وبيان ما فيه من الشرك، وبينا الفرق بين ‏[‏الزيارة البدعية‏]‏ التى تشبه أهلها بالنصارى و‏[‏الزيارة الشرعية‏]‏‏.‏
وأمـا وضـع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهى عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير اللّه عز وجل منهى عنه‏.‏ ففي المسند وغيره‏:‏ أن معاذ بن جبل ـ رضي اللّه عنه ـ لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا يا معاذ‏؟‏‏)‏‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول اللّه، رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال‏:‏ ‏(‏كذبوا يا معاذ، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حقه عليها، يا معاذ، أرأيت إن مـررت بقبرى أكنت ساجداً‏؟‏‏)‏‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لا تفعل هذا‏)‏، أو كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏
/بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر‏:‏ أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ صلى بأصحابه قاعدًا من مرض كان به، فصلوا قيامًا، فأمرهم بالجلوس، وقال‏:‏ ‏(‏لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضًا‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من سره أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار‏)‏‏.‏ فإذا كان قد نهاهم مع قعوده ـ وإن كانوا قاموا في الصلاة ـ حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم، وبين أن من سره القيام له كان من أهل النار فكيف بما فيه من السجود له، ومن وضع الرأس، وتقبيل الأيادي‏؟‏‏!‏ وقد كان عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ وهو خليفة الله على الأرض ـ قد وكل أعوانًا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض‏.‏
وبالجملة، فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود؛ خالق السموات والأرض، وما كان حقًا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب؛ مثل الحلف بغير الله ـ عز وجل ـ وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت‏)‏‏.‏ متفق عليه‏.‏ وقال أيضًا‏:‏ ‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك‏)‏‏.‏
فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وفي الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏إن / الله يرضي لكم ثلاثًا‏:‏ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم‏)‏‏.‏ وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة‏.‏
ونبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن الشرك دقِّه وجلِّه، وحقيره وكبيره، حتى إنه قد تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها بألفاظ متنوعة؛ تارة يقول‏:‏ ‏(‏لا تَحَرُّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها‏)‏‏.‏ وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس‏.‏ وتارة يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ونهى عن الصلاة في هذا الوقت؛ لما فيه من مشابهة المشركين في كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، وأن الشيطان يقارن الشمس حينئذ ليكون السجود له، فكيف بما هو أظهر شركًا ومشابهة للمشركين من هذا‏؟‏‏!‏ وقد قال الله تعالى ـ فيما أمر رسوله أن يخاطب به أهل الكتاب ـ‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏، وذلك لما فيه من مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ونحن منهىون عن مثل هذا، ومن / عدل عن هدي نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى،فقد ترك ما أمر الله به ورسوله‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ انقضت حاجتي ببركة الله وبركتك‏.‏ فمنكر من القول؛ فإنه لا يقرن بالله في مثل هذا غيره، حتى إن قائلا قال للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ‏:‏ ما شاء الله وشئت، فقال‏:‏ ‏(‏أجعلتني لله نِدّا‏؟‏‏!‏ بل ما شاء الله وحده‏)‏، وقال لأصحابه‏:‏ ‏(‏لا تقولوا‏:‏ ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا‏:‏ ما شاء الله ثم شاء محمد‏)‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ أن بعض المسلمين رأي قائلا يقول‏:‏ نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون‏.‏ أي‏:‏ تجعلون لله ندًا‏.‏ يعني‏:‏ تقولون‏:‏ ما شاء الله وشاء محمد‏.‏ فنهاهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن ذلك‏.‏ وفي الصحيح عن زيد بن خالد، قال‏:‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر بالحديبية في إثر سَمَاء من الليل، فقال‏:‏ ‏(‏أتدرون ماذا قال ربكم الليلة‏؟‏‏)‏‏.‏ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر‏.‏ فأما من قال‏:‏ مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال‏:‏ مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب‏)‏‏.‏ والأسباب التي جعلها الله أسبابًا لا تجعل مع الله شركاء وأندادًا وأعوانًا‏.‏
/وقول القائل‏:‏ ببركة الشيخ، قد يعني بها دعاءه، وأسرعُ الدعاءِ إجابة دعاء غائب لغائب‏.‏ وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير، وقد يعني بها بركة معاونته له على الحق، وموالاته في الدين، ونحو ذلك‏.‏ وهذه كلها معان صحيحة‏.‏ وقد يعني بها دعاءه للميت والغائب؛ إذ استقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له متابعته أومطاوعته على ذلك من البدع المنكرات، ونحو هذه المعاني الباطلة‏.‏ والذي لا ريب فيه أن العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك، هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله ورحمته‏.‏
وأما سؤال السائل عن ‏[‏القطب الغوث الفرد الجامع‏]‏، فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام؛ مثل تفسير بعضهم‏:‏ أن ‏[‏الغوث‏]‏ هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى يقول‏:‏ إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته‏.‏ فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ـ عليه السلام ـ والغالية في علي ـ رضي الله عنه‏.‏ وهذا كفر صريح، يستتاب منه صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته؛ ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في ‏[‏العقول العشرة‏]‏ الذين يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح /ونحو ذلك، كفر صريح باتفاق المسلمين‏.‏
وكذلك عني بالغوث ما يقوله بعضهم‏:‏ من أن في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، يسمونهم ‏[‏النجباء‏]‏، فينتقي منهم سبعون هم ‏[‏النقباء‏]‏، ومنهم أربعون هم ‏[‏الأبدال‏]‏، ومنهم سبعة هم ‏[‏الأقطاب‏]‏، ومنهم أربعة هم ‏[‏الأوتاد‏]‏، ومنهم واحد هو ‏[‏الغوث‏]‏، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وأولئك يفزعون إلى السبعين، السبعون إلى الأربعين والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الواحد‏.‏ وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب؛ فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم‏:‏ إنه ينزل من السماء على الكعبة ورقة خضراء باسم غوث الوقت، واسم خضره ـ على قول من يقول منهم‏:‏ إن الخضر هو مرتبة، وإن لكل زمان خضرًا، فإن لهم في ذلك قولين ـ وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم‏.‏ ومعلوم أن سيدنا رسول رب العالمين وأبا بكر وعمر وعثمان وعلىا ـ رضي الله عنهم ـ كانوا خير الخلق في زمنهم، وكانوا بالمدينة، ولم يكونوا بمكة‏.‏
وقد روي بعضهم حديثًا في ‏[‏هلال‏]‏ غلام المغيرة بن شعبة،/ وأنه أحد السبعة‏.‏ والحديث باطل باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روي بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في ‏[‏حلية الأولياء‏]‏، والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا تغتر بذلك؛ فإن فيه الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والمكذوب الذي لا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع‏.‏ وتارة يرويه على عادة بعض أهل الحديث الذين يروون ما سمعوا ولا يميزون بين صحيحه وباطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏من حدث عني بحديث وهو يري أنه كذب فهو أحد الكاذبين‏)‏‏.‏
وبالجملة، فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل، في الرغبة والرهبة؛ مثل دعائهم عند الاستسقاء لنزول الرزق، ودعائهم عند الكسوف، والاعتداد لرفع البلاء، وأمثال ذلك، إنما يدعون في ذلك الله وحده لا شريك له، لا يشركون به شيئًا، لم يكن للمسلمين قط أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله عز وجل، بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفَتَرَاهم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان‏؟‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏12‏]‏، وقال تعالى‏:‏ /‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 67‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 40‏:‏ 43‏]‏‏.‏
والنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ استسقي لأصحابه بصلاة وبغير صلاة، وصلى بهم للاستسقاء، وصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين، ومازالوا، على هذه الطريقة‏.‏
ولهذا يقال‏:‏ ثلاثة أشياء مالها من أصل‏:‏ ‏[‏باب النصيرية‏]‏، و‏[‏منتظر الرافضة‏]‏، و ‏[‏غوث الجهال‏]‏؛ فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم ما هو من هذا الجنس؛ أنه الذي يقيم العالم، فذاك شخصه موجود، ولكن دعوي النصيرية فيه باطلة‏.‏ وأما محمد بن الحسن المنتظر، والغوث المقيم بمكة، ونحو هذا، فإنه باطل ليس له وجود‏.‏
وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله، ويعرفهم كلهم، ونحو هذا، فهذا باطل‏.‏ فأبو بكر وعمر / ـ رضي الله عنهما ـ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله، ولا يمدانهم، فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين‏؟‏‏!‏ ورسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء، وهو الغُرَّة والتحجيل، ومن هؤلاء من أولياء الله من لا يحصيه إلا الله عز وجل‏.‏ وأنبياء الله ـ الذين هو إمامهم وخطيبهم ـ لم يكن يعرف أكثرهم، بل قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 78‏]‏، وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر‏:‏ وأنَّي بأرضك السلام‏؟‏ فقال له‏:‏ أنا موسى‏.‏ قال‏:‏ موسى بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وقد كان بلغه اسمه وخبره، ولم يكن يعرف عينه‏.‏ ومن قال‏:‏ إنه نقيب الأولياء، أو أنه يعلمهم كلهم، فقد قال الباطل‏.‏
والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لوجب عليه أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس، وهو /قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم‏.‏
ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي علمهم الكتاب والحمكة، وقال لهم نبيهم‏:‏ ‏(‏لو كان موسى حيَا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم‏)‏‏.‏ وعيسي ابن مريم ـ عليه السلام ـ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم‏.‏ فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره‏؟‏‏!‏ والنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد أخبرهم بنزول عيسي من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال‏:‏ ‏(‏كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها‏)‏‏.‏ فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل، ومحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سيد ولد آدم، ولم يحتجبوا عن هذه الأمة، لا عَوَامِّهم ولا خَوَاصِّهم، فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم‏؟‏‏!‏ وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك قط، ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون‏؟‏‏!‏
وقول القائل‏:‏ إنه نقيب الأولياء‏.‏ فيقال له‏:‏ من ولاه النقابة، وأفضل الأولياء أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس فيهم الخضر‏؟‏ وعام

عدد المشاهدات *:
8607
عدد مرات التنزيل *:
359747
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : فصــل: سؤال المقبور والاستنجاد به
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  فصــل: سؤال المقبور والاستنجاد به
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  فصــل: سؤال المقبور والاستنجاد به  لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية