اختر السورة


برنامج تلاوة القرآن الكريم برنامج مراجعة القرآن الكريم
يوم الأربعاء 17 صفر 1441 هجرية
منتدى الأصدقاء مدونة المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اللهم صل و سلم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان

لحظة من فضلك



المواد المختارة


***

بسم الله الرحمن الرحيم     السلام عليكم و رحمة الله و بركاته    مرحبا بك أخي الكريم مجددا في موقعك المفضل     المحجة البيضاء     موقع الحبر الترجمان الزاهد الورع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما    
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد الخامس والثلاثون
كتاب القضاء
باب المقصود من القضاء تحقيق العدل بين الناس
‏القضاة ثلاثة‏:‏ قاضيان في النار، وقاض في الجنة‏
مجموع فتاوى ابن تيمية

والقضاة ثلاثة أنواع ـ كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏القضاة ثلاثة‏:‏ قاضيان في النار، وقاض في الجنة‏:‏ رجل علم الحق وقضي به فهو في الجنة‏.‏ ورجل قضي للناس على جهل فهو في النار‏.‏ ورجل علم الحق وقضي بخلافه فهو في النار‏)‏، فالقاضي الذي هو من أهل الجنة إذا حكم للإنسان بما يعلم أنه غير حق لم يحل له أخذه، لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، فكيف إذا حكم في الدين الذي ليس له أن يحكم فيه، بل هو فيه واحد من المسلمين إن كان له علم تكلم، وإلا سكت؛/ مثل أن يحكم بأن السفر الى غير المساجد الثلاثة مشروع مستحب، يثاب فاعله وأن من قال‏:‏ إنه لا يستحب يؤذي ويعاقب أو يحبس، فهذا الحكم باطل بإجماع المسلمين، لا يحل لمن عرف دين الإسلام أن يتبعه، ولا لولي أمر أن ينفذه، ومن نفذ مثل هذا الحكم ونصره كان له حكم أمثاله إن قامت عليه الحجة التي بعث الله بها رسوله وخالفها استحقوا العقاب، وكذلك إن ألزم بمثل هذا جهلاً، وألزم الناس بما لا يعلم، فإنه مستحق للعقاب فإن كان مجتهدًا مخطئًا عفي عنه‏.‏
وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباع الشرع الذي هو الكتاب والسنة، وإذا تنازع بعض المسلمين في شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه باتباع حكم حاكم، بل عليهم أن يبينوا له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم، فإن تبين له الحق الذي بعث الله به رسوله وظهر وعانده بعد هذا استحق العقاب‏.‏ وأما من يقول‏:‏ إن الذي قلته هو قولي، أو قول طائفة من العلماء المسلمين، وقد قلته اجتهادًا أو تقليدًا، فهذا باتفاق المسلمين لا تجوز عقوبته‏.‏
ولو كان قد أخطأ خطأ مخالفًا للكتاب والسنة، ولو عوقب هذا لعوقب جميع المسلمين، فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد فيها أو قلد فيها وهو مخطئ فيها، فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق، بل قد قال الله تعالى في القرآن‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ اليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَاليكَ الْمَصِيرُ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعليها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ علينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ على الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا على الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285، 286‏]‏، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن الله استجاب هذا الدعاء‏)‏‏.‏ ولما قال المؤمنون‏:‏ ‏{‏ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ‏}‏، قال الله‏:‏ ‏(‏قد فعلت‏)‏، وكذلك في سائر الدعاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه‏)‏‏.‏
فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادًا أو تقليدًا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطؤوا خطأ مجمعًا عليه‏.‏ وإذا قالوا‏:‏ إنا قلنا الحق، واحتجوا بالأدلة الشرعية، لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله، ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم، بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطي بل يظهر، فإن ظهر رجع الجميع اليه، وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا؛ كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد‏:‏ إنه يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكمًا، فإن هذا ينقلب، فقد يصير الآخر حاكمًا / فيحكم بأن قوله هو الصواب، فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه، بخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه من عند الله، حق وهدي وبيان، ليس فيه خطأ قط، ولا اختلاف ولا تناقض قال تعالى‏:‏ ‏{‏ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 82‏]‏‏.‏
وعلى ولاة الأمر أن يمنعوهم من التظالم، فإذا تعدي بعضهم على بعض منعوهم العدوان، وهم قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة، وأن يكون اليهودي والنصراني في بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم، لا يلزمه أحد بترك دينه، مع العلم بأن دينه يوجب العذاب، فكيف يسوغ لولاة الأمور أن يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض، وحكم بعضهم على بعض بقوله ومذهبه، هذا مما يوجب تغير الدول وانتقاضها؛ فإنه لا صلاح للعباد على مثل هذا‏.‏
وهذا إذا كان الحكام قد حكموا في مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف، فإذا كان القول الذي قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين، ولا هو مذهب أئمتهم الذين ينتسبون اليهم، ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين، ولا فيه آية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل قولهم يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، فكيف يحل مع هذا أن يلزم علماء المسلمين / باتباع هذا القول، وينفذ فيه هذا الحكم المخالف للكتاب والسنة والإجماع، وأن يقال‏:‏ القول الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف لا يقال‏.‏ ولا يفتي به بل يعاقب ويؤذي من أفتي به، ومن تكلم به، وغيرهم، ويؤذي المسلمون في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لكونهم اتبعوا ما علموه من دين الإسلام وإن كان قد خفي على غيرهم، وهم يعذرون من خفي عليه ذلك ولا يلزمون باتباعهم، ولا يعتدون عليه، فكيف يعان من لا يعرف الحق بل يحكم بالجهل والظلم، ويلزم من عرف ما عرفه من شريعة الرسول أن يترك ما علمه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل هذا‏؟‏‏!‏
لا ريب أن هذا أمر عظيم عند الله ـ تعالى ـ وعند ملائكته وأنبيائه وعباده والله لا يغفل عن مثل هذا، وليس الحق في هذا لأحد من الخلق‏.‏ فإن الذين اتبعوا ما علموه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يظلموا أحدًا في دم ولا مال ولا عرض، ولا لأحد عليهم دعوي، بل هم قالوا‏:‏ نحن نتبع ما عرفناه من دين الإسلام وما جاء به الكتاب والسنة من توحيد الله وعبادته لا شريك له، فلا نعبد إلا الله وحده، ونعبده بما أمر به رسوله وشرعه من الدين فما دعانا اليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرنا به أطعناه، وما جعله الرسول دينًا وقربة وطاعة وحسنة وعملاً صالحًا وخيرًا سمعنا وأطعنا لله ولرسوله، واعتقدناه قربة وطاعة، وفعلناه وأحببنا من يفعل به، ودعونا اليه، وما نهانا / عنه الرسول انتهينا عنه وإن كان غيرنا يعتقد أن ذلك قربة، فنحن علينا أن نطيع الرسول، ليس علينا أن نطيع من خالفه وإن كان متأولاً‏.‏
ومعلوم أن أهل الكتاب وأهل البدع يتعبدون تعبدات كثيرة يرونها قربة وطاعة، وقد نهي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن قال‏:‏ أنا أطيع الرسول ولا أتعبد بهذه العبادات، بل أنهي عما نهي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يسوغ أن يعارض، بل لو كان مخطئًا مع اجتهاده لم يستحق العقوبة بإجماع المسلمين، ولا يجب عليه اتباع حكم أحد بإجماع المسلمين‏.‏ وليس للحاكم أن يحكم بأن هذا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا العمل طاعة أو قربة، أو ليس بطاعة ولا قربة، ولا بأن السفر الى المساجد والقبور وقبر النبي صلى الله عليه وسلم يشرع، أو لا يشرع ليس للحكام في هذا مدخل إلا كما يدخل فيه غيرهم من المسلمين، بل الكلام في هذا لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده علم تكلم بما عنده من العل‏.‏
وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين، بل يبين له أنه قد أخطأ فإن بين له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة والدعاء الى ذلك وجب أن يمنع من ذلك، ويعاقب إن لم يمتنع، وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة / الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين،ولا منعه من ذلك القول،ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول‏:‏إن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة كما قاله فلان وفلان من علماء المسلمين، فهذا إذا اجتهد فأخطأ لم يحكم عليه إلا بالكتاب والسنة، والمنازع له يتكلم بلا علم، والحكم الذي حكم به لم يقله أحد من علماء المسلمين، فعلماء المسلمين الكبار لو قالوا بمثل قول الحكام لم يكن لهم إلزام الناس بذلك إلا بحجة شرعية لا بمجرد حكمهم‏.‏
فإن الله إنما أوجب على الناس اتباع الرسول وطاعته، واتباع حكمه وأمره وشرعه ودينه، وهو حجة الله على خلقه، وهو الذي فرق الله به بين الحق والباطل، والهدي والضلال، والرشاد والغي، وطريق الجنة وطريق النار، وبه هدي الله الخلق، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ إِنَّا أَوْحَيْنَا اليكَ كَمَا أَوْحَيْنَا الى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا الى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَي وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عليكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عليكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَي تَكْلِيمًا رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ على اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 163‏:‏ 165 ‏]‏ الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما أحد أحب اليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين‏)‏، فالحجة على الخلق تقوم بالرسل، وما جاء به الرسول هو الشرع الذي يجب على الخلق قبوله، والى الكتاب والسنة يتحاكم جميع الخلق‏.‏
/ولهذا كان من أصول السنة والجماعة أن من تولي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالخلفاء الراشدين وغيرهم لا يجب أن ينفرد واحد منهم بعلم لا يعلمه غيره، بل علم الدين الذي سنه الرسول صلى الله عليه وسلم يشترك المسلمون في معرفته، وإذا كان عند بعضهم من الحديث ما ليس عند بعض بلغه هؤلاء لأولئك؛ ولهذا كان الخلفاء يسألون الصحابة في بعض الأمور‏:‏ هل عندكم علم عن النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فإذا تبين لهم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حكموا بها، كما سألهم أبو بكر الصديق عن ميراث الجدة لما أتته، فقال‏:‏ ما لك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئًا، ولكن حتي أسأل الناس‏.‏ فسألهم، فأخبره محمد بن مسلمة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس‏.‏
وكذلك عمر بن الخطاب لما سألهم عن الجنين إذا قتل، قام بعض الصحابة فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي فيه بغرة عبد أو أمة، أي من قتل جنينًا ضمنه بمملوك أو جارية لورثته، فقضي بذلك، قالوا‏:‏ وتكون قيمته بقدر عشر دية أمه، وعمر بن الخطاب قد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه‏:‏ ‏(‏إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر‏)‏، وروي أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه وقال‏:‏ ‏(‏لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر‏)‏ ومع هذا فما كان يلزم أحدًا بقوله، ولا يحكم في الأمور العامة، بل كان يشاور الصحابة، ويراجع، فتارة يقول قولاً فترده / عليه امرأة فيرجع اليها، كما أراد أن يجعل الصداق محدودًا لا يزاد على صداقات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال‏:‏ من زاد جعلت الزيادة في بيت المال ـ وكان المسلمون يعجلون الصداق قبل الدخول، لم يكونوا يؤخرونه إلا أمرًا نادرًا فقالت امرأة‏:‏ يا أمير المؤمنين، لم تحرمنا شيئًا أعطانا الله إياه في كتابه ‏؟‏ فقال‏:‏ وأين‏؟‏ فقالت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏20‏]‏، فرجع عمر الى قولها، وقال‏:‏ امرأة أصابت، ورجل أخطأ‏.‏
وكان في مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض والطلاق يري رأيًا ويري علي بن أبي طالب رأيًا، ويري عبد الله بن مسعود رأيًا، ويري زيد بن ثابت رأيًا، فلم يلزم أحدًا أن يأخذ بقوله، بل كل منهم يفتي بقوله، وعمر ـ رضي الله عنه ـ إمام الأمة كلها، وأعلمهم، وأدينهم، وأفضلهم، فكيف يكون واحد من الحكام خيرًا من عمر، هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد‏.‏
فكيف إذا كان ما قاله لم يقله أحد من أئمة المسلمين، لا الأربعة ولا من قبلهم من الصحابة والتابعين، وإنما يقوله مثله وأمثاله ممن لا علم لهم بالكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة، وإنما يحكمون بالعادات التي تربوا عليها، كالذين قالوا‏:‏ ‏{‏ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 32‏]‏، وكما تحكم / الأعراب بالسوالف التي كانت لهم وهي عادات، كما يحكم التتر بالياساق الذي جرت به عاداتهم، وأما أهل الإيمان والإسلام والعلم والدين فإنما يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّي يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 65‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 50‏]‏‏.‏
والله ـ سبحانه ـ لم يرض بحكم واحد بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما فإنه لا يعلم أيهما الظالم، وليس بينهما بينة، بل أمر بحكمين، وألا يكونا متهمين، بل حكمًا من أهل الرجل وحكمًا من أهل المرأة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 35‏]‏، أي الحكمين ـ ‏{‏ يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ‏}‏ أي‏:‏ بين الزوجين‏.‏ فإن رأيا المصلحة أن يجمعا بين الزوجين جمعا، وإن رأيا المصلحة أن يفرقا بينهما فرقا‏:‏ إما بعوض تبذله المرأة فتكون الفرقة خلعًا إن كانت هي الظالمة، وإن كان الزوج هو الظالم فرق بينهما بغير اختياره‏.‏ وأكثر العلماء على أن هذين حكمان، كما سماهما الله حكمين، يحكمان بغير توكيل الزوجين، وهذا قول مالك والشافعي والإمام أحمد في أحد قوليهما، وقيل‏:‏ هما وكيلان كقول أبي حنيفة والقول الآخر في المذهبين‏.‏
/فهنا لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد، وهو في قضية معينة بين زوجين، ولو حكم حاكم واحد بين الزوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق المسلمين، فيكف بأمور الدين والعبادات التي يشترك فيها جميع المسلمين، وقد اشتبهت على كثير من الناس‏.‏ هذا بإجماع المسلمين لا يحكم فيه إلا الله ورسوله، فمن كان عنده علم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، بينه وأوضحه للمسلمين، والمسلمون إذا عرفوا شرع نبيهم لم يعدلوا عنه‏.‏
وإن كان كل قوم يقولون‏:‏ عندنا علم من الرسول ولم يكن هناك أمر ظاهر يجمعون فيما تنازعوا فيه كان أحد الحزبين لهم أجران، والآخرون لهم أجر واحد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَفَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 78، 79‏]‏
وولي الأمر إن عرف ماجاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به، وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتي يعرف الحق حكم به‏.‏ وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ما هم عليه كل يعبد الله على حسب اجتهاده، وليس له أن يلزم أحدًا بقبول قول غيره وإن كان حاكمًا‏.‏
/وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم‏)‏، وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جري مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه، فإن الله يقول في كتابه‏:‏ ‏{‏ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 40، 41‏]‏، فقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله، ويتكلم بما لا يعلم، فإن الحاكم إذا كان دَيِّنا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالمًا لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولي أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص‏.‏ وأما إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين فجعل الحق باطلاً والباطل حقًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ونهي عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهي الله عنه ورسوله، فهذا لون آخر‏.‏ يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين مالك يوم الدين، الذي ‏{‏ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَي وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَاليه تُرْجَعُونَ ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 70‏]‏، ‏{‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَي وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَي بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 28‏]‏، والحمد لله رب العالمين‏.‏ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم‏.

عدد المشاهدات *:
10854
عدد مرات التنزيل *:
347248
حجم الخط :

* : عدد المشاهدات و التنزيل منذ 18/04/2013 ، هذا العدد لمجموع المواد المتعلقة بموضوع المادة

- تم تسجيل هذه المادة بالموقع بتاريخ : 18/04/2013

مجموع فتاوى ابن تيمية

روابط تنزيل : ‏القضاة ثلاثة‏:‏ قاضيان في النار، وقاض في الجنة‏
أرسل إلى صديق
. بريدك الإلكتروني :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
. بريد صديقك :   أدخل بريد إلكتروني صحيح من فضلك
اضغط هنا لتنزيل البرنامج / المادةاضغط هنا لتنزيل  ‏القضاة ثلاثة‏:‏ قاضيان في النار، وقاض في الجنة‏
اضغط هنا للطباعة طباعة
انسخ رابط المادة  هذا رابط  ‏القضاة ثلاثة‏:‏ قاضيان في النار، وقاض في الجنة‏  لمن يريد استعماله في المواقع و المنتديات
يمكنكم استخدام جميع روابط المحجة البيضاء في مواقعكم بالمجان
مجموع فتاوى ابن تيمية